حزمة بالي.. معلم اقتصادي وسياسي بارز
آخر تحديث: 2014/1/5 الساعة 17:19 (مكة المكرمة) الموافق 1435/3/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/1/5 الساعة 17:19 (مكة المكرمة) الموافق 1435/3/5 هـ

حزمة بالي.. معلم اقتصادي وسياسي بارز

نتائج كبيرة متوقعة
التعريفات الجمركية المرتفعة
بعد الحرب العالمية الثانية


نتائج كبيرة متوقعة

في 7 ديسمبر/كانون الأول الماضي، توصل ممثلو البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية (159 دولة) إلى أول اتفاقية تجارية متعددة الأطراف في تاريخ المنظمة الذي امتد 19 عاما.

ورغم أن اتفاقية تيسير التجارة -التي أطلق عليها مسمى "حزمة بالي" تيمناً بالجزيرة الإندونيسية التي استضافت الاجتماع- لم تتناول القضايا التجارية الأكثر إلحاحاً بين الشمال والجنوب، فإنها تظل تشكل مَعلماً اقتصادياً وسياسياً بالغ الأهمية.

تُلزم حزمة بالي البلدان الأعضاء في منظمة التجارة بالتحرك باتجاه خفض الحواجز التجارية غير الجمركية، مثل إنشاء قواعد تنظيمية جمركية أكثر شفافية، والحد من الأعمال الإدارية المرتبطة بالتجارة.
قد تبدو التغييرات التي تفرضها اتفاقية بالي أقرب إلى التفصيلات البيرقراطية الضئيلة الأهمية، لكن تأثير الاتفاق الذي يضيف تريليون دولار إلى الناتج العالمي ويخلق 21 مليون فرصة عمل في مختلف أنحاء العالم سيكون كبيراً للغاية

وقد تبدو هذه التغييرات أقرب إلى التفصيلات البيرقراطية الضئيلة الأهمية، لكن تأثير الاتفاق الذي يضيف تريليون دولار إلى الناتج العالمي ويخلق 21 مليون فرصة عمل في مختلف أنحاء العالم، سيكون كبيراً للغاية.

وقد تعرض اتفاق بالي للانتقاد لفشله في تلبية الأهداف التي تم تحديدها في أجندة تنمية الدوحة التابعة لمنظمة التجارة عام 2001. لكن هذه الأهداف -بما فيها تحسين القدرة على الوصول إلى الأسواق في الزراعة والتصنيع والخدمات، وتوضيح قواعد التجارة الدولية، وتحقيق التقدم على مسار التصدي للقضايا البيئية ذات الصلة- كانت طموحة إلى درجة المبالغة.

وكانت حزمة بالي المتواضعة في وضع خطر، حيث تطلبت يوماً إضافياً من المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن القضايا الخلافية، مثل إعانات الدعم الزراعية في الهند، والحظر التجاري الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا.

ومن الواضح رغم هذا أن تحرير التجارة يكتسب المزيد من الزخم. ولنتأمل هنا حجم ونطاق اتفاقيات تجارية أخرى ضخمة متعددة الأطراف -مثل الشراكة عبر المحيط الهادي، وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، واتفاقية التجارة في الخدمات- التي يجري التفاوض بشأنها حاليا.

الواقع أن التقدم الحالي نحو تحرير التجارة يؤكد الكيفية التي تحسنت بها السياسات التجارية -خاصة تلك التي تنتهجها الولايات المتحدة- على مدى الأعوام المائة الأخيرة.

التعريفات الجمركية المرتفعة
فقد اتسمت أوائل القرن التاسع عشر بالتعريفات الجمركية المرتفعة في الولايات المتحدة وأوروبا. لكن خلال العقود القليلة الأخيرة من ذلك القرن، سجلت التعريفات الأوروبية انخفاضاً كبيرا، رداً على إلغاء المملكة المتحدة قوانين الذرة من جانب واحد، والتي كانت تفرض تعريفات كبيرة على الحبوب المستوردة. غير أن واشنطن استمرت رغم ذلك في فرض تعريفات أعلى كثيرا.

وخلافاً للحال في أوروبا، عملت السياسة الحزبية على تشكيل سياسات الولايات المتحدة قبل الحرب العالمية الثانية، فكان الجمهوريون يرفعون التعريفات وكان الديمقراطيون يخفضونها. وكان واحداً من أبرز الارتفاعات في عام 1922، عندما أقرت الحكومة التي سيطر عليها الجمهوريون تعريفات فوردني-ماكومبر التي رفعت متوسط تعريفة الواردات بنسبة 64%.

وقد أثارت هذه التعريفات احتجاجات عنيفة -وتدابير انتقامية قوية- من قبل شركاء أميركا التجاريين.

فخلال الفترة 1925-1929، شهدت 26 دولة أوروبية تعديلات في التعريفات الجمركية، فضلاً عن 17 تعديلاً في أميركا اللاتينية. وكانت عدة مؤتمرات دولية في بروكسل عام 1920، وبورتوروز عام 1921، وجنوى عام 1922، فضلاً عن مؤتمر الاقتصاد العالمي الذي عقدته عصبة الأمم في عام 1927، قد تبنت هدنة جمركية، ولكن دون جدوى.

وفي عام 1930، استن الرئيس الأميركي هربرت هوفر والكونغرس الجمهوري قانون تعريفات سموت-هاولي الذي وضع الحرب الجمركية في حالة تأهب قصوى. ورغم أن زيادة التعريفات بموجب هذا القانون كانت متواضعة مقارنة بزيادات فوردني-ماكومبر، فإن توقيتها حوّل ذلك القانون إلى مرادف للسياسة التجارية السيئة. ووفقاً لعصبة الأمم فإن قانون سموت-هاولي كان سبباً في تفجير "ثورة في أنشطة صنع التعريفات الجمركية في بلدان أخرى، ولو على سبيل الانتقام جزئيا"، مع زيادات جمركية فورية كبيرة من جانب كندا وكوبا وفرنسا وإيطاليا والمكسيك وإسبانيا.

بالتالي، ورغم أن قانون سموت-هاولي لم يكن سبباً مباشراً للكساد الأعظم كما يزعم كثيرون، فإنه ساهم في انهيار التجارة الدولية وعلى وجه التحديد عندما لم يكن بوسع العالم أن يتحمله.

فكان الانحدار بمقدار الثلثين في إجمالي الواردات في الفترة 1929-1933 راجعاً بشكل جزئي فقط إلى انخفاض الدخول، وبالتالي الطلب على الواردات. كما لعبت سياسات التجارة وأسعار الصرف الانتقامية دوراً رئيسياً في إحداث انهيار التجارة العالمية.

وحتى عندما بدأت التجارة العالمية تنتعش أخيراً بعد انتهاء الكساد، فقد ظلت مجزأة وكان نموها وتطورها في الأساس داخل التكتلات والمناطق التجارية.

بعد الحرب العالمية الثانية
وبعد الحرب العالمية الثانية فقط وعندما بدأت الاتفاقية العامة بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (التي خلفتها عام 1995 منظمة التجارة) عملية تحرير التجارة المتعددة الأطراف، تم التغلب أخيراً على إرث سموت-هاولي المدمر.

استمرت الدول في ملاحقة أهداف تحرير التجارة ولو بشكل تدريجي في وقت يتسم بضعف النمو الاقتصادي، وهو ما يشير إلى أن التجارة الحرة ستبقى قائمة

بطبيعة الحال، كانت الضغوط الحمائية تنشأ بشكل عَرَضي منذ ذلك الحين. فمثلا وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية في الولايات المتحدة عام 1992، زعم روس بيرو أن التصديق على اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية من شأنه أن يحدث ردة فعل كبيرة مع هجرة الوظائف في الولايات المتحدة إلى المكسيك وهبوط أجور العمال الأميركيين. كما أدخلت العديد من البلدان معوقات طفيفة  للتجارة منذ الحرب العالمية الثانية.

بيد أن الاتجاه الإجمالي كان -رغم ذلك- نحو زيادة الانفتاح. والواقع أن حقبة ما بعد الحرب كانت الفترة المستدامة الأطول لتحرير التجارة في التاريخ، وهو إنجاز مثير للإعجاب، خاصة أن العالم كان قد خرج للتو من أسوأ انكماش اقتصادي منذ أزمة الكساد الأعظم. والحق أن صناع السياسات يُظهرون في الوقت الحاضر نفوراً حقيقياً من اللجوء إلى زيادة الرسوم الجمركية.

لا أحد يستطيع أن ينكر أن بالي لم تكن نجاحاً كاملا، وأن قسماً كبيراً من أجندة منظمة التجارة العالمية في الدوحة لا يزال حبراً على ورق. لكن الحقيقة أن البلدان استمرت في ملاحقة أهداف تحرير التجارة ولو بشكل تدريجي في وقت يتسم بضعف النمو الاقتصادي، وهو ما يشير إلى أن التجارة الحرة ستبقى قائمة.
_____________________________
أستاذ علوم الاقتصاد في جامعة ويسليان، وباحث زائر لدى معهد العلوم الاجتماعية الكمية في جامعة هارفارد. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "باطل.. تسع كوارث في عالم السياسة الاقتصادية وماذا يمكننا أن نتعلم منها".

المصدر : بروجيكت سينديكيت
كلمات مفتاحية:

التعليقات