عبد الله الرفاعي-البصرة

حين عاد الفلاح حسين جبار أبو يوسف إلى مزرعته الواقعة في ناحية الخليج (120 كلم جنوبي مدينة البصرة) بعد هجرة قسرية امتدت لعقدين من الزمان بسبب حرب الثمانينيات بين العراق وإيران فوجئ بالخراب الكبير الذي لحق بالمكان، حيث امتدت الحشائش وعبثت الخنازير البرية في المزرعة، وقد انتشر هذا الحيوان بشكل كبير في حشائش فاق ارتفاعها ثلاثة أمتار، فيما طمرت الأنهار التي تتفرع من شط العرب الكبير، وامتلأت بمخلفات الحرب من مقذوفات وصواريخ وألغام.

ولم يخفِ أبو يوسف حزنه ويأسه في استصلاح تلك الأرض التي كانت ذات يوم كما يصفها "جنة الله على الأرض"، حيث زرع فيها غابات نخيل وكل المحاصيل والخضروات، وكان يخصص مساحة شاسعة لشجرة الحناء.

وقال هذا الفلاح العراقي "للجزيرة نت" إن مدينة الفاو كانت تشتهر بزراعة الحناء، فلا تجد بيتا دون أن تزرع فيه هذه الشجرة، مضيفا أن الفاويين (نسبة لمنطقة الفاو) يتبركون بها ويعتبرونها ثمرة من ثمار الجنة.

وكان مزارعو المنطقة يصدرونها إلى دول الجوار، وأشار أبو يوسف إلى أن شجرة الحناء تزرع في مطلع أبريل/نيسان من كل عام، وتجنى أوراقها كل أربعين يوما، حيث تقوم النساء الفاويات بخرط الأوراق في طقوس خاصة واحتفالية تسمى "خرط الحناء"، حيث تجمع الأوراق في أمكنة جافة بعيدا عن أشعة الشمس كي لا تفقد صبغتها، وبعد تيبسها تطحن بآلات خاصة لتباع على شكل دقيق.

كان سكان منطقة الفاو يتبركون بشجرة الحناء ويعتبرونها ثمرة من ثمار الجنة، وكان المزارعون يصدرون الحناء إلى دول الجوار

سنوات ازدهار
ويستذكر أبو يوسف سنوات ازدهار زراعة الحناء، قائلا إن البضاعة لا تعرض في السوق وإنما يأتي التجار إلى مكان إنتاجها، وكان يباع الكيلوغرام الواحد بألفي دينار (0.86 دولار) فقط، فيما وصل سعره اليوم إلى عشرين  ألف دينار (17.2 دولار)، مشيرا إلى أن مزرعته كانت تنتج طنين من الحناء، إلا أنه اليوم لا توجد في مزرعته سوى عشرين شجرة منها فقط.

ويشير أبو يوسف إلى أنه لم يجد أي اهتمام من الجهات الزراعية المسؤولة، فالأراضي ما زالت ملوثة بمخلفات الأرض وتحتاج إلى جهد حكومي لاستصلاحها فضلا عن استصلاح الطرق المؤدية إلى المزارع والبساتين لأنها ترابية ويصعب السير فيها أثناء فترة الأمطار، وأضاف أن التعويض الذي حصل عليه من الحكومة لم يكن بقيمة ما أتلف من أراضيهم، ودعا إلى القيام بحملة وطنية لزراعة شجرة الحناء والتشجيع على زراعتها.

فيما ذكر فلاح آخر اسمه أبو إبراهيم -وهو من سكنة ناحية الخليج حوز العشار- أن زراعة الحناء بعد عام 2003 تقلصت وانحسرت بشكل كبير، وبعدما كانت الفاو تسمى أرض الحناء أصبحت اليوم أراضيها بورا، ويحاول الفلاحون زراعة شجرة الحناء من جديد لا للتصدير وإنما لاستخداماتهم الخاصة.

وبيّن أبو إبراهيم أن ملوحة المياه -التي ارتفعت بشكل كبير- أثرت كثيرا في الزراعة ولم يكن الجيل الجديد من الشباب قادرا على إكمال ما أنجزه آباؤهم، "فالزراعة تحتاج إلى الصبر والمشقة، وهذا أمر يفتقده الجيل الحالي"، على حد قوله.

تحرك حكومي
من جهة أخرى، ذكر مسؤول شعبة الحدائق والزراعة في قضاء الفاو عبد الكريم صالح علي أن أهم ما يميز الفاو عن باقي مناطق العراق الزراعية هو زراعة الحناء، وذلك لأنها تتأقلم مع طقس المدينة الحار والرطب، وتنتعش في تربتها التي يتميز بنسب قليلة من الأملاح.

وأضاف علي للجزيرة نت أن الحكومة المحلية خصصت أرضا في مدخل المدينة لإعادة زراعة الشجرة التي انحسرت زراعتها بسبب ملوحة ماء شط العرب جراء الملوحة القادمة من الخليج العربي، وتمت الاستعانة بأهالي الفاو لتزويد المزرعة الحكومية بأقلام الحناء، منوها بأن السلطات قامت بتعويض الفلاحين المتضررين.

المصدر : الجزيرة