تركة رئيس "المركزي الأميركي" للعالم
آخر تحديث: 2014/1/18 الساعة 19:55 (مكة المكرمة) الموافق 1435/3/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/1/18 الساعة 19:55 (مكة المكرمة) الموافق 1435/3/18 هـ

تركة رئيس "المركزي الأميركي" للعالم



أرفيند سوبرامانيان

تضارب المواقف إزاء تدابير برنانكي
توفير السيولة للبنوك المركزية
تفسير دور المركزي الأميركي

إن العالم لا يزال يجاهد لاستيعاب تركة ألان غرينسبان المتعددة الأبعاد بحكم أنه كان رئيس لمجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي) في الفترة بين عامي 1987 و2006، لذا فمن السابق لأوانه أن نقيم مكانة خليفته المنتهية ولايته بن برنانكي في التاريخ، ولكن الدور الدولي الذي لعبه برنانكي والاحتياطي الفدرالي أثناء فترة ولايته لا ينبغي تجاهله، وفي الوقت الذي أدى الضعف الاقتصادي لأميركا إلى عدم فعالية نسبية لقيادتها للعالم.

في السنوات الخمس الماضية -التي اتسمت بتداعيات الأزمة- كان تأثير المركزي الأميركي على العالم واضحا من جانبين: عبر سياسته النشطة بشكل مفرط والتي تمثلت في شراء الأصول الطويلة الأجل -أو ما يسمى بالتيسير النقدي- وأيضا عبر دور البنك الذي كان موضع تجاهل إلى حد كبير، والذي تمثل في توفير السيولة في العالم. واسمحوا لي أن أستعرض الأمرين.

أيا كان التأثير الذي خلفه التيسير النقدي على الاقتصاد الأميركي فإن مفعوله في بقية العالم كان حميدا في عموم الأمر، فكانت الجولة الأولى من هذا التيسير مفيدة على نحو لا لبس فيه، لأنها نجحت في تقليص أو حتى القضاء على خطر المخاطر الهامشية أثناء فترة الركود العالمي التي أعقبت انهيار بنك ليمان براذرز في سبتمبر/أيلول 2008.
من المؤكد أن التدابير اللاحقة التي اتخذها الاحتياطي الفدرالي قوبلت بمشاعر متضاربة في بقية العالم، سواء عندما تسبب التيسير النقدي في تدفق رؤوس الأموال للأسواق الناشئة أو عندما غادرتها بعد قراره البدء بتقليص هذا التيسير
تضارب المواقف إزاء تدابير برنانكي
من المؤكد أن التدابير اللاحقة -التي اتخذها الاحتياطي الفدرالي- قوبلت بمشاعر متضاربة في بقية العالم، ففي عامي 2010 و2011 عندما تسبب التيسير النقدي في دفع رأس المال إلى الأسواق الناشئة ظهرت شكاوى مفادها بأن الولايات المتحدة كانت تمارس شكلا من أشكال التلاعب بالعملة.

ومنذ شهر مايو/أيار 2013 عندما أشار برنانكي إلى احتمال الخفض التدريجي في التيسير النقدي واجهت الاقتصادات الناشئة اتجاها معاكسا من الضغوط تمثلت في تدفقات رأس المال خارجها وتعديلات حادة لأسعار العملة.

ولكن في كلتا الحالتين كانت المشاكل -التي انهال بسببها اللوم على الاحتياطي الفدرالي- تعكس إلى حد كبير سوء إدارة الاقتصاد الكلي في البلدان المتضررة. على سبيل المثال، اشتكت البرازيل جهارا من تدفقات رأس المال إلى الداخل، بسبب شدة ارتفاع قيمة عملتها في فترة وجيزة، ولكن السبب الرئيس وراء ذلك كان الزيادات في الأجور في البرازيلي وليس سياسات المركزي الأميركي.

وعلى نحو مماثل، تضررت الهند بشدة بسبب حديث برنانكي عن توجه الاحتياطي الفدرالي لخفض التيسير النقدي تدريجيا، ولكن ذلك لم يحدث إلا لأن الاقتصاد الهندي كان يتميز بارتفاع نسبة التضخم وتفاقم عجز الموازنة، فضلا عن العجز الخارجي، وكان الأمر وكأن الأسواق الناشئة نسيت أن التعرض لسياسات الاحتياطي الفدرالي يشكل جزءا من الصفقة التي أبرمتها طواعية عندما وافقت على الدخول إلى عالم العولمة المالية.

توفير السيولة للبنوك المركزية
ومن ناحية أخرى، كان بنك الاحتياطي الفدرالي مدركا لمسؤولياته الدولية، فلعب دورا بناءً عبر زيادة السيولة الدولارية في أوقات الضائقة المالية الشديدة، كما وفر السيولة الدولارية (عبر خطوط المبادلة) للبنوك المركزية في البرازيل والمكسيك وسنغافورة وكوريا الجنوبية في أعقاب انهيار ليمان براذرز، وقدم أيضا كميات غير محدودة تقريبا من السيولة المماثلة للبنوك المركزية في أوروبا وللمركزي الياباني، وقد ساهمت هذه التصرفات في تخفيف الظروف المالية البالغة الشدة وما صاحبها من تقلبات السوق.

وكان دعم الاحتياطي الفدرالي للبنوك المركزية في الأسواق الناشئة ملحوظا، لأن أغلب هذه البلدان اختارت عدم الاقتراض من صندوق النقد الدولي الذي اعتبِر في أعقاب الأزمة المالية الآسيوية في تسعينيات القرن العشرين أداة لفرض هيمنة الولايات المتحدة، ففضلت الأسواق الناشئة التعامل بشكل مباشر مع الولايات المتحدة عن طريق بنك الاحتياطي الفدرالي، الذي كان من الواضح أن وصمة صندوق النقد لم تمتد إليه.

والواقع أن سرعة وحسن توقيت تدخلات الاحتياطي الفدرالي وفعالية الدعم الذي يقدمه من الأسباب التي أفضت الآن للجهود الرامية إلى إنشاء آليات مماثلة في صندوق النقد الدولي.

كما كانت مساندة الاحتياطي الفدرالي لأوروبا ملحوظة على نحو مماثل، لأن بقية مؤسسات الحكومة الأميركية كانت غير فعالة في ذلك الوقت، فكان قادر على تقديم المشورة الرخيصة، ولكن القليل من العملة الأجنبية للاقتصادات المتعثرة في منطقة اليورو.

وحتى الجهود -التي بذلت لزيادة موارد صندوق النقد- تحطمت على صخرة الاختلال الوظيفي السياسي في الولايات المتحدة. وقد استنت كل الاقتصادات الرئيسة الأخرى -بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة الأساسيين- التشريعات اللازمة لتعزيز قوة النقد الدولي، ولكن لم نرَ في الولايات المتحدة أي تدابير مماثلة منذ عام 2010، بسبب المعارضة الشديدة في الكونغرس.

رغم ضعف اقتصاد الولايات المتحدة والاستقطاب السياسي في واشنطن فإن الدولار لا يزال مطلوبا، وفي ظل هذه الظروف نجح برنانكي فعليا في تعظيم دوره كمتحكم في آلة طباعة الدولار

تفسير دور المركزي الأميركي
والواقع أن تفسير الدور الاستثنائي -الذي لعبه بنك الاحتياطي الفدرالي- في سياق اتسم في ما عدا ذلك بالزعامة الدولية الأميركية الهزيلة، بسيط للغاية: فرغم ضعف اقتصاد الولايات المتحدة والاستقطاب السياسي في واشنطن الذي بلغ حد شل الحكومة فإن الدولار لا يزال مطلوبا. وفي ظل هذه الظروف، نجح برنانكي فعليا في تعظيم دوره كمتحكم في آلة طباعة الدولار العاتية المعروفة باسم مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي.

بيد أن تفوق الدولار لن يستمر إلى الأبد، فقد أصبح الآن عرضة للتحدي من قِبل الرنمينبي الصيني (اليوان)، كما وصفت في كتابي "الكسوف: الحياة في ظل هيمنة الصين الاقتصادية"، ولكن هذا المصدر غير الوظيفي للتفوق الأميركي جعل من برنانكي زعيما دوليا بناءً وفعالا.

والآن وهو يترك منصبه سوف يبدأ تقييم أدائه باعتباره "بن برنانكي المنقذ" الذي أسقط تلالا من النقود على الاقتصاد الأميركي بكل جدية وحماس، ولكن لا ينبغي للتاريخ أن يهمل الدور العالمي الحاسم الذي قام به بوصفه "بن برنانكي السفير".
ـــــــــــــ
كبير زملاء معهد بيترسون للاقتصاد الدولي ومركز التنمية العالمية

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات