البنك المركزي يحذر من تبعات استمرار الأزمة السياسية على الاقتصاد (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

تباينت التقييمات حول الوضع الاقتصادي التونسي في خضم الأزمة التي تعيشها البلاد منذ أسابيع بين جهات رسمية ترى أن هناك "تحسنا ايجابيا" ببعض المؤشرات وبين أطراف معارضة أطلقت صيحات فزع خوفا من "انهيار الاقتصاد".

مسؤولون حكوميون أكدوا أنّ الوضع "ليس كارثيا" رغم أن الاقتصاد تلقى ضربات موجعة مطلع العام الحالي عقب اغتيال المعارض شكري بلعيد يوم 6 فبراير/شباط الماضي والذي تلاه اغتيال المعارض محمد البراهمي ومقتل ثمانية جنود نهاية يوليو/تموز الماضي.

ويقول الوزير المكلف بالملف الاقتصادي والاجتماعي رضا السعيدي للجزيرة نت إنّ الاقتصاد سجل مؤشرات إيجابية في الفترة المنقضية على غرار انتعاش قطاع الإنتاج الصناعي بنسبة 4% لاسيما في قطاع الصناعات المعمليّة والخدمات وقطاع الكيمياء.

تحسّن المؤشرات
وأوضح أنّ تحسّن هذه المؤشرات مكّن من تحقيق نمو بـ3% في الأشهر السبعة الماضية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، متوقعا أن يستقرّ النمو هذا العام بحدود 3.6%، لكن بتراجع عن نسبة النموّ المأمولة بموازنة هذا العام وهي 4.5%.

ويقول السعيدي للجزيرة نت إنّ المؤشرات الاقتصادية سجلت تحسنا في معدّل البطالة الذي تراجعت نسبته إلى حدود 15.9% هذا العام مقابل 18.9% عام 2011.

السعيدي: المؤشرات الاقتصادية سجلت تحسنا (الجزيرة)

وبشأن نسبة التضخم، لفت الوزير إلى "نجاح إجراءات الحكومة في الحدّ من ارتفاع الأسعار والتحكّم في مسالك التوزيع" مؤكدا تراجع التضخم إلى 6% في أغسطس/آب الماضي مقابل 6.2% في الشهر الذي سبقه.

وعلى مستوى المخزون من العملة الصعبة، أكد السعيدي أنّ العملة "تكفي لتغطية 104 أيام من الواردات، وهو مؤشر ايجابي". علما أنّ هذا المخزون بلغ أدنى مستوى له في يونيو/حزيران الماضي، 94 يومَ توريدِِ فقط.

وأبرز الوزير المكلف بالملف الاقتصادي والاجتماعي "النتائج الإيجابية" التي حققها قطاع السياحة، مشيرا إلى أنّ الأرقام الحالية اقتربت من المعدلات المسجلة ما قبل الثورة عام 2010. وبلغت المداخيل السياحية 1.2 مليار دينار بالأشهر السبعة المنقضية.

صمود السياحة
ولئن صمد قطاع السياحة إزاء التقلبات السياسية والأمنية فإنّ تراجع الاستثمار الخارجي بالأشهر السبعة الماضية بـ3.3% فسره بعض المحللين بتردد المستثمرين الأجانب بسبب انعدام وضوح الرؤية السياسية.

وكانت وكالة "ستاندرد أند بورز" العالمية قد خفضت الشهر الماضي التصنيف الائتماني لتونس بسبب استمرار الاحتقان السياسي بين الترويكا الحاكمة، التي تقودها حركة النهضة وحزبي المؤتمر والتكتل، والمعارضة التي تطالب بإسقاط الحكومة.

وأعرب البنك المركزي التونسي عن انشغاله من تداعيات الاحتقان السياسي على سلامة الاقتصاد. ويأتي هذا التحذير وسط مخاوف أطلقها محللون من احتمال "إفلاس" البلاد الأشهر المقبلة متحججين بتفاقم عجز الموازنة وارتفاع نسبة التداين.

غير أنّ المحلل الاقتصادي معز العبيدي استبعد سيناريو الإفلاس معتبرا أنه مبني على "قراءات مسيسة" لكنه انتقد أيضا القراءة الرسمية للأرقام التي توحي -وفق قوله- بأن الأمور تسير على أحسن حال بينما "يمرّ الاقتصاد بمرحلة حرجة للغاية".

العبيدي: الحكومة ساهمت في تفاقم الاحتقان (الجزيرة)

تراجع النمو
وأشار إلى أنّ تراجع النمو إلى 3.6% عن النسبة المرجوة (4.5%) يعكس تراجعا في عائدات الضرائب مما "سيعمق عجز الموازنة" التي ارتفعت نفقاتها بسبب الزيادة في الأجور وهو ما "سيجبر الحكومة على الزيادة في بعض الأسعار كالمحروقات".

وتوقع أن تشهد نسبة التضخم ارتفاعا بسبب استمرار التهريب وارتفاع أسعار المواد الأولية بالأسواق العالمية ومنها النفط إضافة إلى ارتفاع العجز التجاري وتراجع احتياطي العملة الصعبة.

وأشار إلى ارتفاع عجز الموازنة من 5.6 إلى 7.4% بسبب تراجع عائدات الضرائب وارتفاع نفقات دعم الأسعار والأجور.

وحمّل العبيدي الحكومة مسؤولية ما أسماه "تلويث" مناخ الأعمال، مؤكدا أنها ساهمت في تفاقم الاحتقان نتيجة خلقها لجبهات توتر وأزمات في عدّة مجالات، لكنه حمّل في الوقت ذاته النقابات مسؤولية تدهور الوضع الاقتصادي جراء الاعتصامات.

وحذّر من تعكر الأوضاع أكثر "في حال لم تخرج البلاد من المأزق السياسي" معتبرا أن تشكيل حكومة كفاءات قد يكون الحلّ الأنسب للخروج من الأزمة خاصة إذا كان لها الشجاعة في القيام ببعض الإصلاحات وتقليص عجز الموازنة برفع بعض الأسعار.

ورأى العبيدي أن انتعاش الاقتصاد يحتاج إلى "صدمة ثقة" من جميع الفرقاء للخروج من الأزمة واستعادة الاستقرار وخلق هدنة اجتماعية.

المصدر : الجزيرة