ريكاردو هوسمان


- تناقضات النمو والصادرات
- ظواهر متباينة ومترابطة

لقد تبخر الحماس للأسواق الناشئة هذا العام، ليس فقط بسبب التخفيضات المزمعة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي) لبرنامجه للتحفيز النقدي للاقتصاد، بل انخفضت أسعار الأسهم والسندات في الأسواق الناشئة على مدار السنة، كما تباطأ نموها الاقتصادي.

 
ولكي نعرف السبب، فمن المفيد أن نفهم كيف وصلنا إلى هذا الحال.

بين عامي 2003 و2011 سجل الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الحالية نمواً بنسبة تراكمية بلغت 35% في الولايات المتحدة، و32% في بريطانيا العظمى و36% في اليابان و49% في ألمانيا، وكل هذه النسب قياساً على سعر الدولار الأميركي.

وفي الفترة نفسها ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (دون احتساب معدل التضخم) بنسبة 348% في البرازيل و346% في الصين و331% في روسيا و203% في الهند، وهذه النسبة محتسبة أيضاً بالدولار الأميركي.

ولم يكن الازدهار حكراً على دول البريك (البرازيل والصين وروسيا والهند)، فقد توسع الناتج في كازاخستان بنسبة تتجاوز 500%، في حين سجلت بلدان مثل إندونيسيا ونيجيريا وأثيوبيا ورواندا وأوكرانيا وتشيلي وكولومبيا ورومانيا وفيتنام نمواً تجاوز 200% لكل منها. وهذا يعني أن متوسط مبيعات المتاجر الكبرى وشركات المشروبات والاتصالات ومحلات الكمبيوتر وباعة الدراجات النارية الصينيين سجل نمواً بمعدلات مشابهة في هذه البلدان بالدولار الأميركي.

ومن المنطقي بالنسبة للشركات أن تنتقل إلى حيث تزدهر المبيعات بالدولار، والأسرع بالنسبة لمديري الأصول أن يضعوا الأموال حيث يقاس نمو الناتج المحلي الإجمالي بالدولار. وقد يكون المرء ميالاً إلى تفسير الأداء المذهل من جانب الأسواق الناشئة كنتيجة لنمو عدد المنتجات الحقيقية التي تنتجها هذه الاقتصادات.

من المنطقي بالنسبة للشركات أن تنتقل إلى حيث تزدهر المبيعات بالدولار، والأسرع بالنسبة لمديري الأصول أن يضعوا الأموال حيث يقاس نمو الناتج المحلي الإجمالي بالدولار

الناتج بين الحقيقي والاسمي
ولكن هذا خطأ في الأغلب، ولنتأمل هنا حالة البرازيل، فنسبة 11% فقط من نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي تجاوزت به الصين بين عامي 2003 و2011 كانت راجعة إلى نمو الناتج الحقيقي (معدلاً حسب التضخم). فيما كانت نسبة 89% الباقية راجعة إلى زيادة بنسبة 222% في أسعار الدولار في تلك الفترة، حيث ارتفعت أسعار العملات المحلية بسرعة أكبر من الأسعار في الولايات المتحدة، وارتفع سعر الصرف في الولايات المتحدة.

وكانت بعض الأسعار التي ارتفعت تخص السلع الأساسية التي تصدرها البرازيل، ولقد انعكس هذا في زيادة بلغت 40% في أسعار التبادل التجاري للبلاد (سعر الصادرات نسبة إلى سعر الواردات)، وهذا يعني أن نفس أحجام الصادرات ترجمت إلى المزيد من الدولارات.

كما مرت روسيا بتجربة مماثلة بعض الشيء، فنمو الناتج الحقيقي هناك لا يمثل سوى 12.5% من الزيادة في القيمة الدولارية للناتج المحلي الإجمالي الاسمي في فترة 2003-2011، في حين ترجع البقية إلى ارتفاع أسعار النفط، الأمر الذي أدى إلى تحسن سعر الصادرات نسبة إلى سعر الواردات في روسيا بنسبة 125%، فضلاً عن ارتفاع قيمة الروبل الحقيقية بنسبة 56% مقابل الدولار.

وعلى النقيض من هذا، كان النمو الحقيقي في الصين يعادل ثلاث مرات نظيره في البرازيل وروسيا، ولكن سعر صادراتها في مقابل وارداتها تدهور في واقع الأمر بنسبة 25%، لأن صادراتها المُصَنعة أصبحت أرخص في حين أصبحت وارداتها من السلع الأساسية أكثر تكلفة. وكانت حصة النمو الحقيقي في النمو الاسمي للناتج المحلي الإجمالي بالدولار في الدول الناشئة الرئيسية 20%.

تناقضات النمو والصادرات
إن الظواهر الثلاث التي تعزز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، وترفع الناتج الحقيقي والسعر النسبي للصادرات وسعر الصرف الحقيقي لا تعمل بشكل مستقل عن بعضها البعض. والبلدان التي سجلت نمواً أسرع تميل إلى تسجيل ارتفاع في سعر الصرف الحقيقي، وهي الظاهرة المعروفة باسم "تأثير بالسا-سامويلسون".

وتعرف البلدان التي شهدت تحسناً في سعر الصادرات نسبة إلى سعر الواردات نمواً بشكل أسرع وارتفاعاً في سعر الصرف الحقيقي في ظل الإنفاق المحلي، بفضل المكاسب المتزايدة من التصدير، الذي يعمل على توسيع الاقتصاد ويجعل الدولار أكثر توفراً نسبياً (وبالتالي أرخص).

الزيادة الحقيقية في الناتج المحلي الإجمالي قد تكون راجعة أيضاً إلى سياسات الاقتصاد الكلي غير المتسقة، والتي تضع أي بلد في موقف محفوف بالمخاطر، كما حدث في الأرجنتين وفنزويلا

وقد ترتفع أسعار الصرف الحقيقية أيضاً بسبب الزيادات في تدفقات رأس المال إلى الداخل، والتي تعكس حماس المستثمرين الأجانب فيما يتصل بآفاق البلد المعني. فعلى سبيل المثال في الفترة ما بين 2003 و2011 ازدادت التدفقات إلى تركيا بنسبة 8% تقريباً من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يفسر جزئياً الزيادة التي بلغت 70% في الأسعار قياساً على الدولار. وقد تكون الزيادة الحقيقية راجعة أيضاً إلى سياسات الاقتصاد الكلي غير المتسقة، والتي تضع أي بلد في موقف محفوف بالمخاطر، كما حدث في الأرجنتين وفنزويلا.

ظواهر متباينة ومترابطة
والتمييز بين هذه الظواهر المتباينة المترابطة يشكل أهمية كبرى، لأن بعضها غير قابل للاستمرار بشكل واضح. فبشكل عام لا يستمر التحسن في سعر الصادرات نسبة إلى سعر الواردات، ولا في تدفقات رأس المال إلى الداخل بشكل دائم، فهي إما أن تستقر عند مستوى معين أو تعكس اتجاهها في نهاية المطاف.

والواقع أن سعر الصادرات نسبة إلى سعر الواردات لا يبقى على وتيرة واحدة في أجل طويل، بل إنه يظهر ارتداداً واضحاً إلى الوسط. ورغم ارتفاع أسعار النفط والمعادن والمواد الغذائية بشكل كبير للغاية بعد عام 2003، وبلوغها ارتفاعات تاريخية بين عامي 2008 و2011، فإنه لا أحد يتوقع زيادات مماثلة في الأسعار في المستقبل. والنقاش يدور الآن حول ما إذا كانت الأسعار ستظل حيث هي الآن أم ستنحدر كما انحدرت بالفعل أسعار المواد الغذائية والمعادن والفحم.

وبوسعنا أن نقول الشيء نفسه عن تدفقات رأس المال إلى الداخل والضغوط التي تفرضها على سعر الصرف الحقيقي وتدفعه للارتفاع. ففي نهاية المطاف يضع المستثمرون الأجانب أموالهم في أي دولة لأنهم يتوقعون أنهم سوف يخرجون منها أموالاً أكثر في المستقبل، وعندما يحدث هذا فإن النمو يميل نحو التباطؤ إن لم يكن الانهيار الكامل، كما حدث في إسبانيا والبرتغال واليونان وإيرلندا.

وفي بعض البلدان مثل الصين وتايلاند وكوريا الجنوبية وفيتنام، كان نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي مدفوعاً إلى حد كبير بنمو حقيقي. فضلاً عن ذلك -ووفقاً لكتاب أطلس التعقيد الاقتصادي الذي سينشر قريبا- فإن هذه الاقتصادات بدأت تنتج منتجات أكثر تعقيدا، مما يبشر بالنمو المستدام. وكان النمو الحقيقي كبيراً للغاية أيضاً في أنغولا وأثيوبيا وغانا ونيجيريا، ولكن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي عززته التأثيرات الناجمة عن الفارق الضخم جداً بين أسعار الصادرات والواردات، فضلاً عن ارتفاع القيمة الحقيقية.

ولكن بالنسبة لأغلب بلدان الأسواق الناشئة كان نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي في فترة 2003-2011 راجعاً إلى التحسن في سعر الصادرات نسبة إلى سعر الواردات، وتدفقات رأس المال إلى الداخل، وارتفاع القيمة الحقيقية. وهذه الارتدادات إلى المتوسط بدأت في واقع الأمر تتراجع، وهذا يعني ضمناً أن الأداء المزدهر في الماضي القريب من غير المرجح أن يعود في وقت قريب.

في أغلب البلدان تجاوزت القيمة الدولارية لنمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ ما كنا نتوقع من النمو الحقيقي والسماح بقدر معقول من التأثير المحدود لما يسمى "بالسا-سامويلسون" المصاحب. والواقع أن نفس الديناميكيات التي ضخمت القيمة الدولارية لنمو الناتج المحلي الإجمالي في السنوات الطيبة التي شهدتها هذه البلدان ستعمل الآن في الاتجاه المعاكس: فأسعار التصدير المستقرة أو الآخذة في التدني قد تقلص النمو الاقتصادي الحقيقي، وتتسبب في توقف عملات هذه البلدان عن الارتفاع أو حتى الانخفاض من حيث القيمة الحقيقية. ولا عجب إذن أن الحفل قد انتهى.

ــــــــــ
وزير التخطيط الأسبق في فنزويلا، وكبير الاقتصاديين لدى بنك التنمية بين الأميركيتين سابقا، وأستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، حيث يتولى أيضاً إدارة مركز التنمية الدولية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت