عبد الحافظ الصاوي




تأثر المؤشرات الاقتصادية

أسباب المشكلة
تداعيات وتحديات


تصاعدت حدة المظاهرات على مدار الأسابيع والأشهر الماضية في العديد من الدول العربية المستوردة للنفط (السودان واليمن والمغرب والأردن) بسبب عزم حكومات هذه الدول رفع الدعم عن أسعار الوقود، أو قيامها بالفعل بذلك، مما يستتبع تأثيرا سلبيا على حياة الأفراد، وبخاصة تلك الشريحة من أصحاب الدخول الثابتة من الموظفين الحكوميين، أو أصحاب الدخول المحدودة، لما لمسوه من ارتفاع أسعار مختلف السلع والخدمات.

وسوف تظل هذه الدول تعاني من هذه المشكلة، إذ تعتبر الطاقة من أهم متطلبات الحضارة الحالية، فضلاً عن طموح هذه الدول في تحقيق معدلات مناسبة من التنمية والنمو الاقتصادي، وهو الأمر الذي يجعلها في احتياج دائم ومتزايد للوقود من مختلف مصادر الطاقة.

ولكن تبقى المعضلة في التدابير المالية اللازمة لتوفير احتياجات هذه الدول من الوقود، وبخاصة أنها دول نامية، بل بعضها يصنف ضمن الدول الأشد فقراً أو الأقل نمواً في العالم، مثل اليمن والسودان وموريتانيا.

 تأثر المؤشرات الاقتصادية
ويبين التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2011 أن هناك تأثيراً سلبياً لمشكلة الوقود بالدول العربية المستوردة للنفط على العديد من المؤشرات الاقتصادية الكلية، حيث تضاعفت أسعار النفط بالمتوسط من خمسين دولارا للبرميل عام 2000 إلى ما يزيد على تسعين دولارا عام 2008، ثم 77 دولارا عام 2010، وتجاوز المائة دولار عام 2011.

وقد لمسنا حدة المشكلة عامي 2007 و2008 فيما عرف بأزمة الطاقة، حيث تصاعدت أسعار النفط بمعدلات متسارعة بالأسواق العالمية، ولم يكن بمقدرة الدول النامية مسايرة هذه الارتفاعات، فكان ارتفاع الأسعار شديدة التكلفة على الدول النامية من خلال ارتفاع تكلفة النقل، بل الأدهى أن بعض الدول اتجهت لإنتاج الوقود الحيوي لاقتراب تكلفته الاقتصادية من تكلفة استيراد أو إنتاج النفط، وهو ما ساعدها آنذاك في تعظيم أزمة الغذاء ليجتمع على الدول النامية همان، هَمُ الطاقة وهَمُ الغذاء.

من خلال قراءة البيانات نجد أن الفارق بأسعار النفط خلال ما بين 2000 و2010 لا بد أن يترجم على شكل زيادة في التضخم بالدول العربية المستوردة للنفط، وهو ما يعرف بالتضخم المستورد لأن أسبابه تعود لعوامل خارجية

ومن خلال قراءة هذه البيانات، نجد أن الفارق في أسعار النفط خلال الفترة ما بين 2000 و2010 لا بد أن يترجم على شكل زيادة في معدلات التضخم في الدول العربية المستوردة للنفط، وهذا النوع من التضخم يعرف بالتضخم المستورد، وذلك لأن أسبابه تعود إلى عوامل خارجية.

وقد أدى هذا الارتفاع في أسعار النفط عالمياً إلى زيادة العجز بالميزانيات العامة للدول العربية المستوردة للنفط بنحو تسعة مليارات دولار عام 2009. أما على مستوى العجز بالميزان التجاري لهذه الدول نتيجة لارتفاع أسعار النفط، فقد وصل إلى 13 مليار دولار عام 2000 ثم إلى 31.5 مليارا عام 2007، ثم 42 مليارا عام 2008، ثم انخفض عام 2010 ليصل إلى 36 مليار دولار.

ومن مخاطر العجز في الميزان التجاري التي نلمسها بالأرقام المذكورة وجود تأثير سلبي على مؤشرات أخرى بشكل غير مباشر، مثل الضغط على قيمة العملات المحلية لهذه الدول، لأن الأمر يتطلب تدبير العملات الأجنبية التي يتم بها استيراد السلع من الخارج، ومنها النفط، وبالتالي فهناك طلب أكثر من المعروض من النقد الأجنبي.

أما المؤشر الثالث الذي تأثر سلبياً نتيجة لارتفاع أسعار النفط فهو الواردات السعلية للدول العربية المستوردة للنفط، والتي كانت قيمتها 29 مليار دولار عام 2000، وزادت إلى 51.7 مليارا عام 2005، و96.4 مليارا عام 2008 و87.6 مليارا عام 2010.

ودلالات هذه الأرقام الخاصة بزيادة قيمة الواردات السلعية، ومنها النفط، أننا أمام سلع ضرورية، ومن الصعب الاستغناء عنها، سواء لاستخدام الأفراد أو المؤسسات الخدمية والإنتاجية.

أسباب المشكلة
ثمة مجموعة من العوامل أدت إلى تفاقم مشكلة الوقود بالدول العربية المستوردة للنفط على مدار السنوات الماضية منها عامل ندرة النفط، حيث لا تمتلك هذه الدول من حقول النفط أو الغاز ما يكفي لاحتياجاتها، لذلك تلجأ إلى الاستيراد، وهو الأمر الذي أصبحت تكلفته عالية مقارنة بالإمكانيات المالية لهذه الدول. ويجب ألا ننسى أن معدلات استهلاك هذه الدول في تزايد مستمر في ظل تزايد أعدادها السكانية.

ويتجلى العامل الثاني في أن هذه الدول لم تغير من سياستها النفطية على مدار العقود الماضية، والتي كانت تتبع فيها سياسة الاقتصاد الموجه، وتوفر دعما كاملا للعديد من السلع من أهمها النفط ومشتقاته، وظلت على هذه السياسة بعد تحولها لاقتصادات السوق، مما خلق قناعة لدى المواطنين وباقي المؤسسات بأن من حقهم أن توفر لهم الدولة الوقود الرخيص، نظرا لما تمثله تكلفة الوقود من رقم أساسي في أسعار مختلف السلع والخدمات.

وأهملت تلك الدول سياسة التدرج في جعل المواطنين يواجهون تكلفة الوقود بقيمتها الحقيقية، واتبعت نظام الصدمة بإعلانها أخيرا أو كل عدة سنوات عن رفع قيمة أسعار الوقود فتندلع مظاهرات احتجاجية للاعتراض على رفع الأسعار.

لا توجد لدى الدول العربية المستوردة للنفط برامج حقيقية وفاعلة في مجال ترشيد الطاقة، سواء من قبل الحكومات أو منظمات المجتمع الأهلي، لذلك فمعدلات استهلاك الطاقة في تزايد مستمر، ولا يوجد وعي لدى المواطنين بأهمية ترشيد استهلاك الوقود.

الدول العربية غير النفطية أهملت سياسة التدرج في جعل المواطنين يواجهون تكلفة الوقود بقيمتها الحقيقية، واتبعت نظام الصدمة بإعلانها أخيرا أو كل عدة سنوات عن رفع قيمة أسعار الوقود فتندلع مظاهرات احتجاجية

كما يتسم استهلاك الوقود بالارتفاع في الدول العربية المستوردة للنفط بغياب الترشيد لعدم توفر مواصلات عامة مريحة وبأسعار مناسبة، مما يدفع شريحة معينة من المواطنين لامتلاك سيارات خاصة، كما أن المؤسسات الحكومية تتوسع في استخدام مكيفات الهواء، في الوقت الذي تتبنى فيه بعض الدول المتقدمة مثل اليابان أو ماليزيا توجهاً للتخلي عن هذه الأجهزة داخل أروقة المؤسسات الحكومية.

ومن العوامل أيضا التي فاقمت مشكلة الوقود عدم لجوء هذه الدول لتحميل الأغنياء أو الاستثمارات الأجنبية للأسعار الحقيقية للوقود، وهو ما يعني في حالة الأغنياء أن الدعم للجميع، وفي حالة الاستثمارات الأجنبية بأنها تقدم دعماً للمستهلكين الأجانب في حالة قيام هؤلاء المستثمرين بتصدير منتجاتها جزئيا أو كلياً.

إن مشكلة الوقود بالدول العربية المستوردة للنفط لا تحتمل سياسة ترحيل المشكلات أو انتظار مساعدات أو منح لتغطية العجز الحاصل، فالترحيل له حدود، وسوف تنفجر المشكلة بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية بل والأخطر هو ما ينجم عنها من خلق واستمرار حالة من عدم الاستقرار في مجتمعات هذه الدول، وأما منحى المساعدات والمنح فينطوي على مخاطر تتمثل في تحمل تبعات أجندة الدول المانحة، سواء كانت عربية أو أجنبية.

تداعيات وتحديات
ووفق البيانات الخاصة بإنتاج النفط بالدول العربية فإن هناك 14 دولة منتجة للنفط، ولكن لا يعني هذا أن هذه الدول لديها فوائض تغنيها عن استيراد النفط، فدول الخليج والعراق وليبيا والجزائر، هي فقط التي لديها فوائض تصديرية من النفط والغاز.

وباقي الدول المنتجة للنفط والغاز لديها عجز في موازينها التجارية الخاصة بالنفط والغاز، وهي دول مصر وسوريا وتونس واليمن والسودان. وتعاني الأخيرة بشكل كبير في مجال النفط بعد انفصال الجنوب الذي استحوذ على كافة حقول النفط السودانية، كما أن مصر لديها ملف ضخم في مشكلات الوقود والطاقة منذ سنوات، وتعمل على ترحيله الآن في ظل أزمتها السياسية.

وستظل هذه الدول تحت ضغط التقلبات السعرية في سوق النفط الدولية، وهي سوق يحتكرها الكبار، ومنذ عام 2000 وحتى الآن نجد أن أسعار النفط في تزايد مستمر، مما خلق موجات تضخمية بشكل عام في الاقتصاد العالمي، إلا أن حدة مشكلة التضخم في الدول العربية المستوردة للنفط تكون أكبر بسبب ضعف بنيتها الاقتصادية والتنموية.

وسوف تجد الدول العربية المستوردة للنفط أنها مضطرة لإعادة النظر في عروضها السخية للمستثمرين الأجانب، حيث كانت تضمن لهم توفير الطاقة بالأسعار المدعومة محلياً، وهي الفرصة التي استغلتها العديد من الشركات التي تعمل في الصناعات كثيفة استخدام الطاقة للحضور في أسواق هذه الدول سيما في قطاعات صناعات الأسمدة والإسمنت والحديد وغيرها.

كما ستجد الدول العربية المستوردة للنفط نفسها أمام تحد لا يمكن احتماله خلال السنوات القادمة ما لم تغير من سياستها في مجال الطاقة بشكل عام، وفي استخدام النفط والغاز بشكل خاص، فالعجز في الميزانية العامة والميزان التجاري ليس له ما يعوضه من موارد أخرى، وبالتالي فأمامها خيارات محدودة، منها -وأهمها- رفع الدعم عن مواد الطاقة، أو التوسع في مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، وللأسف فإن هذه الدول لا تمتلك تكنولوجيا إنتاج هذه الطاقة، فضلًا عن التكلفة المالية العالية لإنتاج هذه الطاقة في المرحلة الحالية.

وإلا فالبديل الثاني هو المزيد من الديون المحلية والأجنبية، التي ستصل لحد لا يمكن أن تستمر بعده هذه الدول في الاستدانة.

ــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة