التجاني الطيب إبراهيم


- مداخيل الأسر والتحديات


- تضارب أرقام الدعم
- الخيارات الصعبة
- كبح التضخم
- الإصلاحات الهيكلية

تزاحم التكلفة المالية للدعم الشامل الإنفاق العام ذا الأسبقية القصوى مثل التنمية والاستثمار الخاص، وتعيق بالتالي التوسع في الإنفاق التنموي على البني التحتية كالصحة والتعليم، وتحد من مقدرة الموازنة العامة على تنفيذ برامج أمان اجتماعي فعالة لحماية الفقراء.

فالجزء الأكبر من فوائد الدعم الشامل يذهب للأسر الميسورة، الشيء الذي يعزز من عدم المساواة الجماعية السائدة في المداخيل والاستهلاك. في السودان مثلا تشير بعض المعلومات المتوفرة إلى أن 50% من الدعم تذهب لأغنى 20% من الأسر مقارنة مع 24% لأفقر 20% من الأسر، وهذا بدوره يصعب من حماية الأسر الفقيرة وانتشالها من دائرة الفقر.

إن دول الجوار التي لا تدعم الأسعار كلية أو تدعمها بقدر قليل قد تكون المستفيد الأكبر من دعم الأسعار المحلية عن طريق التهريب عبر الحدود، مما قد يتسبب في خلق أزمات عرض في السوق المحلية، فضلا عن نشأة سوق سوداء نشطة وأوكار للفساد المالي والإداري. وهذا ما يحدث الآن في السودان رغم أن الفوارق الهائلة في الأسعار بين الأقاليم المختلفة، خاصة أسعار المحروقات، تقلل كثيراً من جاذبية التهريب عبر الحدود نتيجة للصراعات المسلحة التي تدور في بعض تلك الأقاليم.

مداخيل الأسر والتحديات
يتجلى تأثير إصلاح دعم المحروقات برفع أسعارها على مداخيل الأسر عبر قناتين، أولا ينخفض الدخل الحقيقي للأسر مباشرة عند زيادة أسعار الطاقة المستهلكة بواسطة تلك الأسر (الأثر المباشر)، وثانيا ينخفض الدخل الحقيقي للأسر أيضا نتيجة لزيادة أسعار السلع والخدمات الأخرى التي تستعمل الطاقة في إنتاجها وتوزيعها الأثر غير المباشر نتيجة الارتفاع في أسعار الإنتاج والترحيل (الأثر غير المباشر).

وأدى عدم توفر المعلومات الكافية عن الحجم الحقيقي للدعم الشامل والمستفيدين منه وتفاخر الخرطوم بالدعم باعتباره من سمات الحكومة البارة الرحيمة بمواطنيها، (أدى) إلى عدم الإلمام بالتشوهات التي يسببها هذا النوع من الدعم، فقد نتج عن استمرار الدعم لزمن طويل مصالح مكتسبة يصعب التغلب عليها بسهولة.

مقاومة إصلاح الدعم تعكس في جزء منها ضعف توفير الخدمات العامة، فمعظم الأسر أصبحت تعاني كثيرا من صعوبة الأوضاع المعيشية لأنها لا تستطيع الاعتماد على الخدمات العامة

وتعكس مقاومة إصلاح الدعم في جزء منها ضعف توفير الخدمات العامة، فمعظم الأسر أصبحت تعاني كثيرا من صعوبة الأوضاع المعيشية لأنها لا تستطيع الاعتماد على الخدمات العامة، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمنافع العامة. وفي هذا الإطار فإن دعم الأسعار ينظر إليه كأحد المنافع القليلة مقابل دفع الضرائب الباهظة، ولهذا تقاوم إزالة الدعم بشدة.

إذا نظرنا إلى الأمام، فالهيكل المناسب لشبكات الأمان الاجتماعي المطورة وسرعة الإصلاح الجذري لسياسة دعم الأسعار سيعتمدان على أوضاع السودان الداخلية، بما في ذلك طاقة البلاد الإدارية والمناخ السياسي العام، والوضع المالي والاقتصادي الكلي.

رغم ذلك فإن تجارب البلدان الأخرى (مثل الأردن والعراق وإيران) قد تفيد في رسم مبادئ عامة تساعد في وضع إستراتيجيات ناجحة لإصلاح الدعم تشمل جمع وتحليل المعلومات عن تكلفة الدعم والمستفيدين منه مع تحديد هدف الإصلاح، ووضع وتنفيذ إستراتيجية تواصل عام شاملة وتقوية حاكمية (محاربة الفساد) وتوصيل الخدمات العامة، وتحسين استهداف الدعم تدريجيا وتعويض الفقراء المتضررين من إصلاح الدعم، وتقوية شبكات الأمان الاجتماعي الشاملة، وإنشاء آليات لتكييف الأسعار تلقائيا للتأكد من عدم رجوع دعم الأسعار مرة أخرى. كل المبادئ أعلاه تحتاج إلى عمل فني مكثف لا يمكن إنجازه في أقل من عام ونصف إلى عامين على أقل تقدير.

تضارب أرقام الدعم
تبقى المعلومات الإحصائية عن إجمالي التكلفة الحقيقية للدعم شحيحة، والمتوفر منها في الموازنة العامة للدولة لا يعكس الحجم الحقيقي لمخصصات الدعم المعمم والفاقد من إيرادات الخزينة العامة.
فأرقام ومعلومات السودان تبدو في غاية التواضع مقارنة مع توقعات خبراء صندوق النقد الدولي التي قدرت دعم المحروقات وحدها بحوالي عشرة مليارات جنيه (2.2 مليار دولار) في العام 2012، و11 مليار جنيه (2.5 مليار دولار) في العام 2011 قبل الإجراءات المالية والاقتصادية التي نفذت في يونيو/حزيران 2012.

وهذا يعني أن التكلفة الكلية للدعم تناهز 13 مليار جنيه (قرابة ثلاثة مليارات دولار) إذا اعتبرنا الفرق وهو 7.3 مليارات جنيه (1.6 مليار دولار) في تكلفة دعم المحروقات بين أرقام الحكومة وتوقعات الصندوق، التي ليس هناك مبرر للشك في صحتها لأنها بنيت على إحصائيات رسمية.

وبغض النظر عمن يتحمل المسؤولية عن هذه الحالة فإن التضارب الشديد في الأرقام المتداولة بين المسؤولين في الدولة عن تكلفة الدعم يشير لغياب المعلومة الإحصائية الصحيحة لحجم الإنفاق على الدعم، مما يقلل كثيرا من مصداقية صناع القرار الاقتصادي والسياسي وجدية الحكومة في التعامل مع الهاوية المالية التي يقف على حافتها اقتصاد البلاد.

التضارب الشديد في الأرقام المتداولة بين المسؤولين في الدولة عن تكلفة الدعم يشير لغياب المعلومة الإحصائية الصحيحة لحجم الإنفاق على الدعم، مما يقلل كثيرا من مصداقية صناع القرار

إن خفض الدعم على المحروقات بمعدل 50%، مع تقدير استهلاك الدولة بحوالي 50% من الاستهلاك الكلي للطاقة، وزيادة تعويضات العاملين بنسبة 10%، ورفع الحد الأدنى للأجور من 156 جنيها (35.4 دولارا) إلى 425 جنيها (96 دولارا) كما هو معلن، والزيادة المتوقعة لدعم شبكات الأمان الاجتماعي بنحو 250 مليون جنيه (56.7 مليون دولار) والزيادة في تكلفة الدعم الكلي بنسبة 15% كلها آثار غير مباشر لزيادة أسعار المحروقات.

الخيارات الصعبة
الإجراءات والتدابير الإصلاحية المقترحة ستؤدي إلى المزيد من الانكماش الاقتصادي، على الأقل في المدى القصير، لأنها تسير في الاتجاه المعاكس، فالتحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد الآن هو ارتفاع الأسعار المحموم، حيث بلغ متوسط معدل التضخم 41% في النصف الأول من العام الجاري مقارنة مع معدل 22% الذي بنيت عليه موازنة العام 2013.

وقد أصبحت كيفية معالجة هذا الوضع الخطير اقتصاديا واجتماعيا ذات أهمية قصوى، لأن التضخم يرفع التكلفة الكلية في الاقتصاد ويضعف النمو والطاقة الشرائية للمداخيل مما يزيد من معدلات البطالة والفقر، خاصة بالنسبة لشرائح المجتمع الضعيفة.

لهذا كان الخيار بين اتخاذ إجراءات لخفض التضخم بتقليص الإنفاق الحكومي التشغيلي أو لمزيد من التضخم برفع الأسعار إلى مستويات أعلى وبوتيرة أسرع. لكن الحكومة اختارت الطريق الثاني وقررت النأي بنفسها عن تحمل العبء ودفعت به إلى المواطنين في شكل إجراءات ضريبية وجمركية وزيادات في أسعار المحروقات وسعر الدولار الجمركي الذي تحسب به قيمة الوارد بالعملة المحلية.

ومن المتوقع أن ترفع هذه الإجراءات وزيادة الأجور معدل التضخم من 23% في الشهر الماضي إلى 50% في مرحلة الصدمة الأولى، وإلى نسبة 60% بعد أن تجد الآثار التراكمية لتلك الزيادات طريقها إلى جيوب المواطنين. ومن الواضح أن الزيادات المزمعة في الأجور هي مجرد مُسكن بلا مفعول، إذ إن ضررها في تأجيج نار الأسعار أكثر من نفعها في دعم الطاقة الشرائية في وجه الغلاء الطاحن، لذلك تزيد الإجراءات في مجملها من تأزيم الوضع الاقتصادي، الشيء الذي سيعقد ويصعب من عملية الإصلاح لاحقا.

من منظور السياسة الاقتصادية، ليست الإجراءات كفيلة بمعالجة التردي الاقتصادي لأنها ستؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار مما قد يضاعف معدل التضخم في مرحلة الصدمة الأولى، وهذا بدوره سيؤثر سلبا على المؤشرات الاقتصادية الرئيسية والتي هي في حالة تراجع أصلا.

كبح التضخم
صحيح أن القفزة في معدل التضخم ستكون مرة واحدة، لكن الأسعار ستظل في مستويات عالية، مما يعني أن عملية الإصلاح لتحريك الاقتصاد ستظل مؤجلة إلى مرحلة لاحقة ستكون أصعب وأكثر تعقيدا من الوضع الاقتصادي الراهن، خاصة إذا علمنا أن الحكومة تتوقع أن ينخفض معدل التضخم بعد مرحلة الصدمة التضخمية الأولى إلى أقل من 25%.

هذا التوقع من الحكومة هو في حد ذاته اعتراف بأن الإجراءات غير كافية لوقف التدهور الاقتصادي، وهذا الرقم ناهيك عن أن بلوغ معدلات 50% و60% يتطلب إعلان حالة طوارئ اقتصادية في البلاد للهبوط به إلى معدل مستدام في خانة الأرقام الأحادية، ما يتطلب المزيد من الإجراءات الصعبة في فترة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات.

ويمكن البدء على الفور بالسياسات المالية والنقدية المطلوبة لمعالجة الطلب الزائد، خصوصا بالقطاع العام، وذلك إذا كان الاقتصاد يعاني من صدمات التضخم المحموم كما هو حال الاقتصاد السوداني، لهذا فتركيز الاقتصاد ثم خفض التضخم تدريجيا يجب أن يكون الهم الأول لصناع القرار الاقتصادي.

لا بد من تقليص الطلب الحكومي الزائد في المرحلة الإسعافية عن طريق خفض الإنفاق التشغيلي أو الجاري بهدف خفض معدل التضخم لا زيادته والوصول به إلى عجز كلي

وبما أن دور السياسة النقدية لمعالجة التضخم محدود في السودان نسبة لعدم استعمال سعر الفائدة، فإن عبء المعالجة يقع على السياسة المالية. في هذا الإطار، فلا بد من تقليص الطلب الحكومي الزائد في المرحلة الإسعافية عن طريق خفض الإنفاق التشغيلي أو الجاري بهدف خفض معدل التضخم لا زيادته والوصول به إلى عجز كلي مستدام، ومعالجة اختناقات العرض بتوظيف الموارد المتاحة في القطاعات الحقيقية كالزراعة والصناعة.

فمثلا لو خفضت الحكومة الإنفاق الجاري بمقدار أربعة مليارات جنيه (908 ملايين دولار) وفق جدول مفصل أعد من موازنة  2013، فمن الممكن خفض معدل التضخم من 23% إلى 15% مما يؤدي إلى تركيز الاقتصاد وإحداث انفراج نسبي للأوضاع المعيشية والاقتصادية بدلا من السير بمعدلات التضخم في الاتجاه المعاكس وتحميل المواطن والاقتصاد عبء أخطاء سياسات الحكومة الاقتصادية والمالية.

وهذا يعني أن أي إجراء في ظل الوضع الاقتصادي الحالي يزيد من معدلات التضخم ولا يحل المشكلة بقدر ما يفاقمها ويزيد من تعقيدات الحل. لكن المؤسف أننا نعيش في زمن إدارة الاقتصاد بعقلية وفهم أفندية الاقتصاد لا بفكر وخبرة مهنيي الاقتصاد، وطالما بقي هذا حالنا، فستظل الساقية على دورانها.

إصلاحات هيكلية
وإذا نظرنا إلى أبعد من المدى القصير، فلابد من الاستمرار في سياسات الإصلاح المالي مع البدء في إصلاحات هيكلية لتحسين أداء السياسات الكلية، خاصة التضخم، تتضمن تقوية فعالية السياسة النقدية بالابتعاد عن تثبيت أو إدارة أسعار الصرف، والتأكيد الفعلي لاستقلالية البنك المركزي، فضلا عن تشجيع تنمية سوق المال المحلي للتقليل من الدولرة (تحويل المدخرات إلى الدولار)، وتحفيز المنافسة في القطاع المصرفي بعد إعادة هيكلته وتنظيفه من الشوائب التي ألمت به.

ومن الضروري كذلك القيام بالعمل الفني الضروري لوضع سياسات وإستراتيجيات فعالة لإصلاح الدعم، بما في ذلك إنشاء شبكات حماية اجتماعية أحسن بهدف دعم مداخيل الطبقات الفقيرة بتكلفة فعالة على أساس برامج نقدية أو شبه نقدية، بعد التأكد من السيطرة على غول التضخم.

والمطلوب أيضا تقوية استجابة العرض عن طريق إصلاحات جذرية، خاصة في قطاع الزراعة، من أجل تحسين التنافس، وضمان مرونة سوق العمل والإنتاجية وتشجيع الاستثمار في تمويل وتخزين وتسويق الإنتاج، وإعفاء كل مدخلات إنتاج القطاعات الحقيقية من الجمارك والضرائب ما عدا ضريبة القيمة المضافة التي تمثل مصدر إيرادات رئيسيا للدولة.

وضمن الإصلاحات الضرورية تحسين فهم السياسة المالية من خلال شرح الأسباب الحالية والمتوقعة للتضخم وأهداف التضخم لتخفيف حدة التوقعات، وأخيرا ثبات واستقرار السياسات الاقتصادية الكلية بهدف تشجيع الإنتاج والاستثمار المحلي والأجنبي.

ــــــــــ
خبير سابق في صندوق النقد والبنك الدوليين وحاليا مستشار اقتصادي ومالي في منظمات دولية وإقليمية.

المصدر : الجزيرة