خمس سنوات من غياب الإصلاح المالي
آخر تحديث: 2013/9/26 الساعة 02:59 (مكة المكرمة) الموافق 1434/11/22 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/9/26 الساعة 02:59 (مكة المكرمة) الموافق 1434/11/22 هـ

خمس سنوات من غياب الإصلاح المالي



أنات أدماتي

بعد خمس سنوات من انهيار بنك ليمان براذرز وما ترتب على ذلك من اندلاع الأزمة المالية العالمية الأضخم منذ أزمة الكساد العظيم في عشرينيات القرن العشرين، تسببت بتضخم قطاع البنوك المتضخم في تدمير اقتصادات أيرلندا وأيسلندا وقبرص. في حين لا تقرض البنوك في إيطاليا وإسبانيا وأماكن أخرى بالقدر الكافي، وتحول رواج الإقراض في الصين إلى ركود اقتصادي، وباختصار لا يزال النظام المالي العالمي في وضع خطر ويعاني من خلل وظيفي.

والأسوأ من هذا أنه رغم سنوات من المناقشات لم يتم التوصل لتوافق في الآراء حول طبيعة المشاكل التي يواجهها النظام المالي، ناهيك على حلها. ويبدو أن هذا يعكس القوة التي تتمتع بها البنوك على المستوى السياسي.

على سبيل المثال، اتهم وزير الأعمال البريطاني فينس كيبل في الفترة الأخيرة القائمين على التنظيم في بنك إنجلترا المركزي، الذين وصفهم بأنهم "طالبان رأس المال"، بعرقلة تعافي الاقتصاد في البلاد بفرض أعباء مفرطة على البنوك. ويبدو أن كيبل صَدَّق جماعات الضغط في البنوك عندما زعموا بأن الإقراض والنمو سيعانيان إذا أجبِرَت البنوك على "الاحتفاظ بالمزيد من رأس المال".

رغم سنوات من المناقشات لم يتم التوصل لتوافق في الآراء حول طبيعة المشاكل التي يواجهها النظام المالي، ناهيك عن حلها. ويبدو أن هذا يعكس القوة التي تتمتع بها البنوك على المستوى السياسي

والواقع أن مثل هذه المزاعم من لدن كبار صناع السياسات لا تقتصر على المملكة المتحدة، ولكنها زائفة ومضللة. فرأس مال البنوك ليس احتياطيات نقدية لا بد من "تنحيتها جانبا"، بل إنها أموال غير مقترضة ويمكن استخدمها لتقديم القروض.

الأمر ببساطة أن الإقراض والنمو الاقتصادي كانا في ضائقة منذ العام 2007، لأن المؤسسات المالية المثقلة بالديون لم تتمكن من استيعاب خسائرها، ليس بسبب القائمين على التنظيم الذين سعوا للحد من مديونيات هذه المؤسسات، بل إن القيود التنظيمية التي كانت قائمة عندما اندلعت الأزمة لم تكن كافية ولم تطبق بالقدر الكافي من القوة، ولم تكن الإصلاحات المقترحة منذ ذلك الحين أفضل حالا إلا في حالات قليلة.

مخاطر الاقتراض المفرط
فإصلاحات بازل 3 المقترحة على سبيل المثال سوف تسمح للبنوك بتمويل ما قد يصل إلى 97% من أصولها بأموال مقترضة، وبعض الاستثمارات يمكن تمويلها بالكامل بأموال مقترضة. ولا بد أن تكون المخاطر المحيطة بهذا النهج واضحة الآن، فقد يخسر أصحاب المساكن منازلهم إذا عجزوا عن سداد أقساط رهنهم العقاري، فتضطرب أحوال الحي بالكامل. ويصدق الأمر نفسه على المؤسسات المالية، كما أظهر إفلاس بنك ليمان براذرز.

وعلاوة على ذلك فإن التأثيرات المترتبة على الاقتراض المفرط تكون محسوسة قبل أن يعجز المقترضون عن السداد. وأصحاب المساكن المتعثرون أو الذين أصبحت الأقساط المتبقية على مساكنهم أكبر من قيمة مساكنهم في السوق لا يستثمرون الكثير في الصيانة أو التحسينات. وعلى نحو مماثل فإن البنوك الضعيفة التي تراكمت عليها أعباء الديون التي تمنعها من تمويل استثمارات حقيقية تشكل عبئا على الاقتصاد.

وتعمل القيود التنظيمية المعيبة على إلحاق المزيد من التشوهات بسلوك البنوك الضعيفة، وكمثال على ذلك ما يجري من التجني عليها لصالح تقديم القروض للحكومات أو الاستثمار في أوراق مالية قابلة للتسويق بدلا من إقراض الشركات. وتتسامح الهيئات التنظيمية غالبا مع البنوك الضعيفة، بل وتدعمها في بعض الأحيان، فتنفي بذلك حقيقة مواقفها البالغة السوء، وهي ممارسة هدّامة وتأتي بنتائج عكسية.

ويتعين على الهيئات التنظيمية بدلا من ذلك أن تتخذ خطوات صارمة لتفكيك البنوك "الميتة الحية"، وإلزام البنوك القابلة للحياة بالاعتماد بشكل أكبر على أسواق الأسهم، حيث يمكن مقايضة المخاطر وتسعيرها، لكي تصبح أقوى.

وبحظر توزيع الأرباح على المساهمين وإلزام البنوك بجمع الأموال من خلال بيع أسهم جديدة يصبح من الممكن دعمها من دون تقييد قدرتها على الإقراض. والبنوك التي لا تستطيع بيع أسهمها بأي سعر قد تكون أضعف من أن تظل دون إعانات دعم، وهذه البنوك مختلة ولا بد من تفكيكها.

على الهيئات التنظيمية للقطاع البنكي أن تتخذ خطوات صارمة لتفكيك البنوك "الميتة الحية"، وإلزام البنوك القابلة للحياة بالاعتماد بشكل أكبر على أسواق الأسهم، حيث يمكن مقايضة المخاطر وتسعيرها، لكي تصبح أقوى

إذا كنا راغبين في بنوك أكثر أمنا وصحة، فلا يوجد بديل لإلزام البنوك بالحد من اعتمادها على الاقتراض. فالبنوك بوصفها جهات مقرضة تخسر عندما يعجز المقترضون عن السداد، غير أن البنوك نفسها هي الجهات الأكثر إقبالا على الاقتراض، حيث تمول عادة أكثر من 90%، وفي بعض الأحيان أكثر من 95%، من استثماراتها بالاستدانة.

وعلى النقيض من هذا، نادرا ما تقترض الشركات أكثر من 70% من أصولها، وفي كثير من الأحيان أقل من هذا كثيرا، رغم غياب أي قيود تنظيمية تحدد نسب الاستدانة للشركات.

حالة البنوك القبرصية
وتوضح حالة قبرص طبيعة المشكلة، فابتداء من العام 2010 استثمرت البنوك المحلية بعض ودائعها في سندات الحكومة اليونانية، التي وعدت بأسعار فائدة أكثر من 10%، وفي بعض الأحيان 15% أو حتى 20%. وطالما كانت اليونان تدفع هذه المعدلات العالية فإن البنوك القبرصية كان بوسعها أن تدفع للمودعين لديها معدلات جذابة مثل 4.5%.

وفي يوليو/تموز 2011 اجتازت البنوك القبرصية اختبارات تحمل الأزمات، ولكن في أوائل 2012 خسرت سنداتها اليونانية نسبة 75% من قيمتها. ولأن البنوك كانت تدير استثماراتها بقدر ضئيل للغاية من الأموال غير المقترضة أصبحت معسرة.

وبعد أن ظلت محمية من هذه الخسائر لمدة عام بمساعدة البنك المركزي الأوروبي اضطرت البنوك القبرصية إلى مواجهة خسائرها، فأغلق أحد البنوك، وتحملت الودائع التي تتجاوز 100 ألف يورو (134 ألف دولار) بعض الخسائر، وساهم دافعو الضرائب في منطقة اليورو بنحو 10 مليارات يورو (13.4 مليار دولار) في أموال إنقاذ نيقوسيا.

ومن اللافت أن الهيئات التنظيمية سمحت للبنوك القبرصية بالانخراط في ممارسات أدت إلى وقوعها في المتاعب. ورغم أن الاستثمار في السندات اليونانية كان محفوفا بالمخاطر، وهو ما انعكس في المعدلات العالية التي وعدت بها السندات، فإن الهيئات التنظيمية تجاهلت احتمال الخسارة. وفي حين لعب الجانب الإيجابي من المخاطر دوره فإن أرباح البنوك أفادت المساهمين فيها ومديريها، وكان الساسة سعداء وحققت البنوك نموا هائلا مقارنة بنمو الاقتصاد.

وتعين تنظيمات بازل 3 المقترحة حدا أدنى غير كاف على الإطلاق من متطلبات رأس المال، كما تحافظ على نهج فاشل فيما يتصل بضبط المتطلبات المالية وفقاً للمخاطر. فداخل منطقة اليورو على سبيل المثال تستطيع البنوك أن تقدم القروض إلى أي حكومة باستخدام أموال مقترضة بالكامل. والواقع أن بنك ديكسيا الفرنسي البلجيكي فشل كما فشلت البنوك القبرصية وغيرها الكثير منذ العام 2008 أو تم إنقاذها من الخسائر في الاستثمارات التي عدتها الهيئات التنظيمية آمنة.

المطلوب من الهيئات التنظيمية إرغام المستثمرين في البنوك على تحمل قدر أعظم كثيرا من المسؤولية عن المخاطر التي تخوضها

فكرة زائفة والبديل عنها
ويبدو أن القيود التنظيمية تستند في كل مكان إلى فكرة زائفة مفادها أن البنوك لا بد أن يكون لديها ما يكفي من "الأصول الصافية"، فالأصول الصافية ليست نادرة بالنسبة للبنوك القابلة للحياة، والواقع أن "علم" قياس المخاطر المعقدة واختبارات التحمل ليس أكثر من وهم ضار.

ولا بد أن يسعى التنظيم بدلا من هذا إلى إرغام المستثمرين في البنوك على تحمل قدر أعظم كثيرا من المسؤولية عن المخاطر التي تخوضها، وبالتالي الاهتمام بدرجة أكبر كثيرا بإدارة هذه المخاطر، من أجل الحد من الأضرار الجانبية المترتبة على إفراطها في الاقتراض.

يزعم البعض أن البنوك حالة خاصة بطبيعتها، لأنها توزع مدخرات المجتمع وتخلق السيولة، والواقع أن البنوك أصبحت خاصة في قدرتها أساسا على الإفلات من المساءلة عن كل هذه المقامرة على حساب آخرين. ولا شيء فيما يتصل بالوساطة المالية يبرر السماح للبنوك بتشويه الاقتصاد وتعريض عامة الناس للخطر بقدر ما فعلت.

ولكن من المؤسف، ورغم الضرر الهائل الناجم عن الأزمة المالية، أن ما تغير في السياسة البنكية كان أقل القليل، والعديد من الساسة والقائمين على التنظيم يضعون مصالحهم ومصالح "بنوكهم" قبل واجبهم في حماية دافعي الضرائب والمواطنين. ومن الواجب علينا أن نطالبهم بأداء أفضل من هذا بكثير.

ــــــــــ

أستاذة التمويل والاقتصاد في كلية دراسات الإدارة العليا في جامعة ستانفورد، ومشاركة في تأليف كتاب "المصرفيون وملابسهم الجديدة: الخلل في العمل المصرفي وماذا نفعل لإصلاحه".

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات