ورش صناعية بدائية بقلب التجمعات السكنية بالداخل الفلسطيني (الجزيرة)

محمد محسن وتد-أم الفحم

ساهمت سياسة التهميش والإقصاء التي اعتمدتها إسرائيل ضد الداخل الفلسطيني في انتشار البطالة واتساع مظاهر الفقر في ظل غياب المشاريع الصناعية والتجارية المتطورة، دون أن تقام ولو حتى منطقة صناعية فلسطينية واحدة متطورة "لفلسطينيي 48" مقابل إقامة عشرات المناطق الصناعية العصرية والحديثة للبلدات اليهودية في العقد الأخير التي أقيمت أغلبها على أراض صودرت من الفلسطينيين.

وأشارت الإحصائيات الرسمية لمؤسسة التأمين الوطني ودائرة الإحصاء المركزي التابعة للمؤسسة الإسرائيلية، أن البطالة بصفوف الرجال اليهود وصلت لنحو 6.1% بالنصف الثاني من عام 2013 بينما بأوساط العرب واليهود الحريديم (المتدينين) وصلت معدل 12%، إلى ذلك فإن معدل الدخل الشهري للعامل العربي يصل لنحو 1500 دولار بينما العامل اليهودي فمعاشه الشهري يفوق الـ 2500 دولار.

وترجح تقديرات مراكز الأبحاث الاقتصادية بأن البطالة بأوساط الرجال والشباب من فلسطينيي 48 تصل لنحو 30% وبصفوف الفلسطينيات تصل لنحو 78% في ظل غياب مشاريع تدمج المرأة بسوق العمل، في المقابل فإن 60% من اليهوديات يشاركن في سوق العمل بإسرائيل.

وتشير معدلات الفقر وفقا للإحصائيات الإسرائيلية الرسمية إلى أن 50% من عائلات الداخل الفلسطيني تعيش تحت خط الفقر مقابل 15% من العائلات اليهودية، وأن قرابة مليون طفل بإسرائيل يعيشون تحت خط الفقر، ويشكل أطفال الداخل الفلسطيني 60% من هذه الشريحة.

مناطق صناعية متطورة وشركات للتكنولوجيا بالبلدات اليهودية (الجزيرة)

عراقيل وتسهيلات
وكشف تقرير مراقب الدولة واقع التمييز والإجحاف بكل ما يتعلق بسياسات الحكومات الإسرائيلية بإعاقة ووضع العراقيل لإقامة مناطق صناعية بالبلدات العربية، مقارنة مع السياسة ذاتها التي تمنح التسهيلات وتذلل العقبات والإجراءات البيروقراطية بتشجيع وتطوير وإقامة المزيد من المناطق الصناعية الحديثة بالبلدات اليهودية.

ووفقا للتقرير، فإن الحكومة الإسرائيلية ليس لديها مخططات لإقامة مناطق صناعية بالبلدات العربية، دون أن تكون هناك أي آليات وإستراتيجيات مستقبلية لتوسيع وتطوير المناطق الصناعية العربية التي في غالبيتها بدائية وغير عصرية، حيث لا تتعدى المسطحات العربية المعدة للصناعة 2.4% من مجمل مسطحات المناطق الصناعية بإسرائيل.

وسلط التقرير الضوء على الناصرة كبرى مدن الداخل الفلسطيني البالغ عدد سكانها نحو 72 ألف نسمة لديهم منطقة صناعية تصل مساحتها أربعين دونما، مقابل ذلك مدينة "نتسيريت عيليت" المجاورة التي أقيمت على أراض صودرت من البلدات العربية بقضاء الناصرة، يبلغ تعداد سكانها نحو 42 ألف نسمة لديهم منطقة صناعية متطورة ممتدة على مساحة ثمانية آلاف دونم.

عواودة: جُرد الفلسطيني من أرضه التي كانت تمده بأسباب الحياة ليلجأ لصاحب العمل والمشغّل الإسرائيلي (الجزيرة)

إقصاء وتبعية
"إذا كانت اللقمة من الفأس كانت الفكرة من الرأس" بهذه المقولة لخص مدير عام جمعية إعمار للتنمية والتطوير الاقتصادي يوسف عواودة سياسة المؤسسة الإسرائيلية تجاه الداخل الفلسطيني، لذلك كان الهدف الرئيسي للسياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه المجتمع العربي بالداخل الفلسطيني، قديما وحديثا، تكريس تبعية وتعلّق الفلسطيني - إنسانا ومجتمعا- بالاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي قبول ومعايشة الواقع السياسي الذي تم فرضه الاحتلال منذ نكبة عام 1948.

وقال عواودة في حديثه للجزيرة نت إنه تم تجريد الفلسطيني من أرضه التي كانت تمده بأسباب الحياة ليلجأ لصاحب العمل والمشغّل الإسرائيلي، وليلجأ قبلها إلى الحاكم العسكري للحصول على تصريح للعمل، وهكذا تمت عملية صناعة الفقر وتوظيفه في فرض الواقع الجديد.

ويرى أن السياسات الإسرائيلية وُظفت لتحويل المجتمع الفلسطيني في الداخل إلى مجتمع استهلاكي وإيهامه بتحسن وضعه الاقتصادي، ففتحت البنوك الإسرائيلية فروعها بالقرى والمدن العربية وبدأت بتقديم التمويل اللازم لهذا الاستهلاك، أما تمويل هذا البنوك لقطاع الأعمال العربي فكان وما زال متواضعا مما يؤكد أن الهدف هو دعم النشاط الاستهلاكي دون النشاط الإنتاجي وخلق اقتصاد فلسطيني مشّوه يصب في مصلحة المنتج والمصنّع الإسرائيلي.

 ميعاري: استغلال الاقتصاد الإسرائيلي للفلسطيني نتيجة طبيعية (الجزيرة)

نمو وركود
بدوره، استعرض المحاضر بجامعة تل أبيب والباحث الاقتصادي د. سامي ميعاري، المعوقات التي تحد من التطور والنمو الاقتصادي بالداخل الفلسطيني، مقدرا المشاركة بسوق العمل بأنها لا تتعدى 40% بأوساط المجتمع الفلسطيني بالداخل مقابل 63% عند اليهود، يضاف لذلك اتساع دائرة الفقر والبطالة وانعدام مسطحات الأرض للتوسع، ناهيك عن معدل دخل الأسرة الفلسطينية الذي يصل لنحو 50% من معدل دخل العائلة اليهودية.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت بأن نهج المؤسسة الإسرائيلية هو اعتماد منظومة الاقتصاد الليبرالي مع غياب لقواعد السوق الحر وعدم حياد الدولة ومؤسساتها في الانحياز للاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي خلق ما يسمى "الاقتصاد الثنائي" في هيمنة اليهود على الاقتصاد المتين والتكنولوجيا، مقابل النظر لفلسطينيي 48 كسوق استهلاكي واقتصاد هش ومهمش لا يملك القدرة على التأثير يصدر بأحسن الأحوال قوى عاملة رخيصة للسوق اليهودي.

ولفت إلى أن النتيجة الطبيعية لهذا الواقع والعلاقة ما بين الاقتصادينْ تكون علاقة الاستغلال، حيث تحول اقتصاد الداخل الفلسطيني لصمام الأمان للاقتصاد الإسرائيلي إن كان في حالتي النمو أو حتى الركود، فهو سوق استهلاكي رئيسي يوفر أيدي عاملة رخيصة، وعند الأزمات يكون من يدفع ثمن البطالة وسحب نشاطات الشركات الإسرائيلية واستثماراتها لتحافظ على النظام الاقتصادي لشركاتها بالمجتمع اليهودي، يختم الدكتور ميعاري.

المصدر : الجزيرة