تشانغ مونان

بيع غير مسبوق للديون الأميركية
مشكلة الصين الدائن الأجنبي الأكبر لأميركا
مخاوف من انهيار سوق السندات

بيع غير مسبوق للديون الأميركية
تعتبر سوق سندات الخزانة الأميركية واحدة من أضخم وأنشط أسواق الديون على مستوى العالم، فهي تزود المستثمرين بمخزون آمن للقيمة والدخل المستمر الجدير بالثقة، في حين تساعد في خفض

تحتفظ الحكومة الأميركية بنحو 40% من ديونها لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي والهيئات الحكومية مثل الصندوق الائتماني للضمان الاجتماعي، في حين يحتفظ المستثمرون الأميركيون والأجانب بنحو 30% لكل منهما.

تكاليف خدمة ديون الحكومة الأميركية. 

لكن وفقاً لوزارة الخزانة الأميركية، فإن المستثمرين في الخارج باعوا كماً غير مسبوق من ديون الولايات المتحدة الطويلة الأجل (54.5 مليار دولار) في شهر أبريل/نيسان من هذا العام، حيث خفضت الصين حيازاتها من ديون الولايات المتحدة بنحو 5.4 مليارات دولار.

ولا شك في أن التخلص من سندات الحكومة الأميركية على هذا النحو من قِبَل المستثمرين الأجانب ينذر بنهاية عصر التمويل الرخيص بالنسبة للولايات المتحدة.

في هذه الأثناء تحتفظ حكومة الولايات المتحدة بنحو 40% من ديونها لمجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) والهيئات الحكومية مثل الصندوق الائتماني للضمان الاجتماعي، في حين يحتفظ المستثمرون الأميركيون والأجانب بنحو 30% لكل منهما.

وتُعَد الاقتصادات الناشئة -والتي يستخدم الكثير منها الفوائض التجارية الضخمة لتحريك نمو الناتج المحلي الإجمالي، واستكمال احتياطياتها من النقد الأجنبي بالاستعانة بتدفقات رأس المال الناتجة- المشتري الرائد لديون الولايات المتحدة.

وعلى مدى العقد الماضي، سجلت احتياطيات النقد الأجنبي لدى هذه البلدان نمواً هائلا، من 750 مليار دولار إلى 6.3 تريليونات دولار -أكثر من 50% من الإجمالي العالمي- الأمر الذي وفر مصدراً رئيسياً للتمويل، والذي عمل على خفض تكاليف اقتراض الولايات المتحدة الطويلة الأجل بشكل فعّال.

ومع انخفاض العائدات على سندات عشر سنوات الأميركية بنسبة 45% سنوياً في المتوسط على مدى الفترة من 2000 إلى 2012، تمكنت الولايات المتحدة من تمويل ديونها بشروط مواتية للغاية.

لكن الانخفاض المستمر لقيمة الدولار الأميركي -الذي انخفض بمقدار النصف تقريباً منذ انهيار نظام بريتون وودز في عام 1971- إلى جانب ارتفاع حجم ديون الحكومة الأميركية، يعمل على تقويض القوة الشرائية للمستثمرين في السندات الحكومية الأميركية.

وهذا يعمل بدوره على تقليص قيمة احتياطيات هذه البلدان من النقد الأجنبي، ويهدد سياساتها المالية وسياسات سعر الصرف، ويقوض أمنها المالي.

مشكلة الصين الدائن الأجنبي الأكبر لأميركا
وتتجلى المشاكل المترتبة على هذا بأكبر قدر من الوضوح في الصين، التي على الرغم من عمليات البيع الأخيرة تظل الدائن الأجنبي الأكبر لأميركا على الإطلاق، حيث تمثل أكثر من 22% من الديون الأميركية المحتفظ بها في الخارج.

مع انخفاض العائدات على سندات عشر سنوات الأميركية  بنسبة 45% سنوياً في المتوسط على مدى الفترة من 2000 إلى 2012، تمكنت الولايات المتحدة من تمويل ديونها بشروط مواتية للغاية.

وقد مكن الطلب الصيني على سندات الخزانة الأميركية الولايات المتحدة من زيادة ديونها الحكومية إلى ثلاثة أمثالها تقريباً على مدى العقد الماضي، من نحو ستة تريليونات دولار إلى 16.7 تريليونا. وهذا بدوره كان سبباً في تغذية توسع سنوي بنسبة 28% تقريباً في احتياطيات الصين من النقد الأجنبي.

وقد عملت مشتريات الصين من الديون الأميركية فعلياً على تحويل الاحتياطيات الرسمية المكتسبة عن طريق الفائض التجاري لدى الصين إلى سوق الولايات المتحدة.

ففي أوائل عام 2000، كانت الصين تحتفظ بنحو 71.4 مليار دولار فقط من الديون الأميركية، وكانت تمثل 8% من إجمالي الاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة. وبحلول نهاية عام 2012، بلغ هذا الرقم 1.2 تريليون دولار، وهو ما يمثل 22% من الاستثمار الأجنبي القادم إلى الداخل.

لكن احتياطيات الصين عانت لفترة طويلة نتيجة لهذا. فكان العائد على سندات عشرة أعوام 2% فقط، في حين كان من الواجب أن يكون العائد بين 3% و5%. ومن ناحية أخرى فإن عائدات الاستثمار المباشر الأجنبي في الخارج تبلغ 20% سنوياً في المتوسط. لذا ففي حين لن تعود احتياطيات النقد الأجنبي لدى الصين -والتي تبلغ ثلاثة تريليونات دولار أميركي- إلا بنحو 100 مليار دولار سنويا، فإن استثماراتها المباشرة الأجنبية -التي تبلغ 1.53 تريليون دولار- قد تدر عائدات سنوية تبلغ في مجموعها 300 مليار دولار.

وبرغم هذه العائدات المنخفضة، واصلت الصين استثمار احتياطياتها في الولايات المتحدة، ويرجع هذا -إلى حد كبير- إلى عدم قدرة سوقها المالية غير المكتملة النضوج على توليد المدد الكافي من الأصول الآمنة.

في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، أضافت الصين 44.3 مليار دولار من سندات الخزانة الأميركية إلى احتياطياتها، وهذا يعني أن هذا الدين يشكل الآن 38% من إجمالي احتياطيات الصين من النقد الأجنبي. ولكن الخطر المتنامي المرتبط بسندات الخزانة الأميركية لابد أن يدفع الصين إلى الحد من حيازاتها من الديون الأميركية.

مخاوف من انهيار سوق السندات
وكان إعلان مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي في مايو/أيار بأنه قد يخفض برنامج التيسير الكمي -وهو البرنامج الذي يشتري بموجبه كميات هائلة من الأصول المالية الطويلة الأجل- بحلول نهاية هذا العام سبباً في إثارة المخاوف من انهيار أسواق السندات أشبه بما حدث في عام 1994.

وأسهمت المخاوف من أن يؤدي الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة إلى انخفاض حاد لقيمة محافظ السندات في الموجة الأخيرة من تخلص المستثمرين الأجانب من ديون الولايات المتحدة، وهو الاتجاه الذي من المرجح أن يستمر بما يتناسب مع استمرار الاحتياطي الاتحادي في الخروج من التيسير الكمي.

مكن الطلب الصيني على سندات الخزانة الأميركية الولايات المتحدة من زيادة ديونها الحكومية إلى ثلاثة أمثالها تقريباً على مدى العقد الماضي، من نحو ستة تريليونات دولار إلى 16.7 تريليونا.

إن العائدات على سندات الخزانة الأميركية لعشر سنوات تبلغ الآن 2.94%، بزيادة بلغت 58% منذ الربع الأول من هذا العام، الأمر الذي يدفع الفجوة في أسعار الفائدة بين سندات العامين وسندات السنوات العشر إلى الاتساع إلى 248 نقطة أساس.

ووفقاً لمكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي، فإن معدل العائد على سندات السنوات العشر سوف يستمر في الارتفاع، ليبلغ 5% بحلول عام 2019 ليظل عند ذلك المستوى أو أعلى منه على مدى الأعوام الخمسة التالية.

ورغم أنه من غير المرجح أن يؤدي هذا إلى كارثة على غرار ما حدث عام 1944 -وخاصة لأن معدل العائد الحالي يظل منخفضاً للغاية وفقاً للمعايير التاريخية- فإنه سوف يعمل على زعزعة استقرار سوق الديون الأميركية.

وبالنسبة للصين، فإن الفوائد المترتبة على الاحتفاظ بكميات ضخمة من الدولارات الأميركية لم تعد تفوق المخاطر، لذا فيتعين عليها أن تبدأ في خفض حصة الأوراق المالية الأميركية في احتياطياتها من النقد الأجنبي.

ولأن الصين سوف تخفض حجم احتياطياتها الإجمالي مع زيادة شيخوخة سكانها والتحول الطارئ على نموذج النمو الاقتصادي الذي تتبناه باتجاه الاستهلاك المحلي، فإن بيع كمية ضخمة من ديون الولايات المتحدة سوف يكون أمراً حتميا، وسوف تصاحب هذا زيادة كبيرة ودائمة في تكاليف التمويل في أميركا.
ــــــــــــــــ
زميلة مركز معلومات الصين، وزميلة مؤسسة الصين للدراسات الدولية، وباحثة لدى منبر الصين لبحوث الاقتصاد الكلي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت