في الذكرى الخامسة لانهيار ليمان براذرز
آخر تحديث: 2013/8/29 الساعة 14:38 (مكة المكرمة) الموافق 1434/10/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/8/29 الساعة 14:38 (مكة المكرمة) الموافق 1434/10/23 هـ

في الذكرى الخامسة لانهيار ليمان براذرز

محمد عبد الله العريان

 

تحليل النتائج التي لم تكن متوقعة
محركات النمو العتيقة تعيق العديد من البلدان
تهديدات متجددة باستمرار غياب الاستقرار 

تحليل النتائج التي لم تكن متوقعة
مع اقتراب الذكرى الخامسة لانهيار بنك ليمان براذرز الاستثماري، سوف يعيد بعض المحللين فحص الأسباب وراء حدوث ذلك الانهيار الفوضوي العالمي التاريخي الذي أسفر عن اضطرابات اقتصادية ومالية هائلة.

وسوف يصف آخرون العواقب المترتبة على حدث يستمر في إنتاج قدر كبير من المعاناة الإنسانية, ويتقاسم البعض تجاربهم الشخصية في وقت مروع بالنسبة للاقتصاد العالمي وبالنسبة لهم شخصيا مثل صناع السياسات، والمشاركين في الأسواق المالية، وفي حياتهم اليومية.
عدد كبير للغاية من الاقتصادات الغربية لم يرتد بعد إلى الانتعاش بالشكل الصحيح منذ الأزمة المالية، ناهيك عن العودة إلى معدلات النمو الكفيلة بالتعويض بشكل كامل عن خسارة الوظائف والدخول

وبقدر ما قد تثيره مثل هذه المساهمات من تشويق، فأنا أتمنى أن نرى أيضا نوعًا آخر: تحليل النتائج التي كانت غير متصورة في وقت سابق ثم تحولت إلى حقيقة واقعة -مع آثار عميقة يتحملها الجيل الحالي وأجيال المستقبل- والتي لا يزال لزاما على أنظمة الحكم والإدارة لدينا أن تعالجها على النحو اللائق. ومع وضع كل هذا في الاعتبار، فاسمحوا لي أن أقدم أربع نتائج.

أولى هذه النتائج، وأكثرها أهمية إلى حد بعيد، يتلخص في الصعوبات المستمرة التي تواجهها الاقتصادات الغربية في توليد النمو الاقتصادي القوي والقدر الكافي من فرص العمل.

وبصرف النظر عن الهبوط الحاد الأولي في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير من عام 2008 والربع الأول من عام 2009، فإن عددا كبيرا للغاية من الاقتصادات الغربية لم يرتد بعد إلى الانتعاش بالشكل الصحيح، ناهيك عن العودة إلى معدلات النمو الكفيلة بالتعويض بشكل كامل عن خسارة الوظائف والدخول.

وبشكل أكثر عموما فإن قِلة قليلة فقط من هذه الاقتصادات تغلبت بشكل حاسم على ثلاثية الأمراض التي كشفت عنها الأزمة: عدم كفاية وعدم توازن الطلب الكلي، ونقص المرونة البنيوية اللازمة وخفة الحركة، وأعباء الديون الملحة.

وتتجاوز النتيجة الصافية ضعف النمو، وتفاقم التفاوت في الدخول، والبطالة المرتفعة الطويلة الأمد، والبطالة المنذرة بالخطر بين الشباب.

محركات النمو العتيقة تعيق العديد من البلدان
فبعد خمس سنوات من اندلاع الأزمة المالية العالمية، لا تزال محركات النمو العتيقة المنهكة تعمل على إعاقة العديد من البلدان. ونتيجة لهذا فإن التوقعات حول التعافي الاقتصادي السريع والدائم والشامل تظل تشكل مصدرا للقلق الشديد.

لا تزال محركات النمو العتيقة المنهكة تعمل على إعاقة العديد من البلدان, ونتيجة لهذا فإن التوقعات حول التعافي الاقتصادي السريع والدائم والشامل تظل تشكل مصدرا للقلق الشديد

ومن غير المستغرب في ظل هذا الواقع القاسي أن تكون النتيجة الثانية التي لم تكن متصورة من قبل متعلقة بعدم كفاية الاستجابات السياسية، وهي على وجه التحديد الاختلال الكبير والمستمر في التوازن بين فرط نشاط البنوك المركزية والسلبية المحبطة التي يتسم بها صناع سياسات آخرين.

والمفاجأة الكبرى هنا ليست أن البنوك المركزية تصرفت بشكل حازم وجريء عندما تجمدت الأسواق المالية وتراجع النشاط الاقتصادي. فبسبب قدرتها غير المقيدة نسبيا في ما يتصل باستخدام مطبعة النقود وما تتمتع به من درجة عالية من الاستقلال، فإن المرء كان ينتظر من البنوك المركزية أن تكون أول المستجيبين وأكثرهم نشاطا وفاعلية.  والواقع أنها استجابت بطريقة مثيرة للإعجاب ومنسقة على مستوى العالم.

وما يثير الدهشة هو أن الاقتصادات الغربية، رغم مرور خمس سنوات على اندلاع الأزمة، وأربع سنوات على عودة الأسواق المالية المعطلة إلى استئناف عملها، لا تزال تعتمد بدرجة مفرطة على البنوك المركزية لتجنب الأداء الاقتصادي الأسوأ. ولقد دفع هذا البنوك المركزية بعيدا عن صلاحياتها الأساسية مع اضطرارها إلى استخدام أدوات سياسية جزئية ومنقوصة لفترة طويلة.

وتعكس هذه النتيجة الاستقطاب السياسي المحلي في الولايات المتحدة وتعقيد التفاعلات الإقليمية في أوروبا، والتي تسببت في حجب أي نهج سياسي شامل ومتوازن.

ولتقدير حجم المشكلة، فعليك أن تفكر في الفشل المتكرر في الكونغرس الأميركي لتمرير الميزانية السنوية (ناهيك عن تقديم إصلاحات متوسطة الأجل) أو المبادرات غير المكتملة في نطاق منطقة اليورو في وقت يتسم بالبطالة المزعجة والتهديد الباقي باندلاع اضطرابات مالية.

وكان هذا الاختلال السياسي سببًا في تقويض قدرة كيانات أخرى صانعة للسياسات على الاستجابة، بما في ذلك تلك التي تمتلك أدوات أفضل من البنوك المركزية.

ولقد ألزم هذا البنوك المركزية بالبقاء في طليعة عملية صنع السياسات، فهي تعمل على بناء امتداد لجسر تلو الآخر وتنتظر جمع صناع السياسات الآخرين لشتات أنفسهم. وكانت النتيجة تعريض الاقتصادات الغربية لتدابير تجريبية متزايدة، في ظل قدر كبير من عدم اليقين بشأن التأثير الأطول أمدًا المترتب على تشغيل أنظمة متطورة قائمة على السوق على أساس أنماط صناعية.

وتتعلق النتيجة الثالثة التي لم تكن متصورة من قبل بأداء البلدان النامية. فبعد أن عانت في مستهل الأمر من الأزمة المالية بقدر ما عانت منها الدول الغربية (بل وربما أكثر منها من حيث الناتج والتجارة)، نظمت هذه الاقتصادات الأقل قوة تاريخيا عودة مبهرة إلى الحد الذي أصبحت معه المحرك للنمو العالمي. ولكن في إطار هذه العملية انزلقت هذه الاقتصادات إلى مزيج غير متوازن من السياسات يهدد الآن قدرتها على الاستمرار في تحقيق النمو والاستقرار المالي.

تهديدات متجددة باستمرار غياب الاستقرار المالي
وتشير التهديدات المتجددة بعودة عدم الاستقرار المالي إلى المفاجأة الرابعة والأخيرة: الفشل في إعادة

انزلقت الاقتصادات الناشئة إلى مزيج غير متوازن من السياسات يهدد الآن قدرتها على الاستمرار في تحقيق النمو والاستقرار المالي

صياغة العوامل المساهمة الرئيسية في الأزمة بطريقة تتسم بالمصداقية والاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.

ولنتأمل هنا حال البنوك الغربية الكبيرة. فبفضل أهميتها للنظام بالكامل، تم إنقاذ العديد منها، وعادت بسرعة كبيرة إلى تحقيق الأرباح في ظل الدعم الرسمي المستمر. ولكنها رغم ذلك لم تخضع لضريبة الأرباح غير المتوقعة، ولم يعمل صناع السياسات بالشكل الكافي على تغيير الحوافز البنيوية التي تشجع الإفراط في خوض المجازفات. وفي حالة أوروبا، فالآن فقط يتم دفع البنوك إلى التعامل بشكل حاسم مع نقص رأس المال والمشاكل المرتبطة بالاستدانة والأصول الضعيفة المتبقية.

قد يرى البعض أنني أبالغ في الشعور بالقلق، ولكنني لا أزال أشعر بالقلق والانزعاج إزاء مدى تأخر أنظمة الإدارة الاقتصادية لدينا في معالجة هذه النتائج الأربع. وكلما طال بقاء هذه البيئة غير العادية، زادت مخاطر استمرار تداعيات أزمة 2008 في الامتداد والتوسع إلى أجيال المستقبل.
______________
الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر : بروجيكت سينديكيت
كلمات مفتاحية:

التعليقات