آلان إتش ميلتزر

إغفال أسباب انخفاض التضخم
هل وجد الاحتياطي الاتحادي طريقة جديدة؟

على الاحتياطي الاتحادي إنهاء الجولة الثالثة

إغفال أسباب انخفاض التضخم
نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مؤخرا مقالا على الصفحة الأولى ذكر أن "حمائم" السياسة النقدية الذين توقعوا انخفاض معدل التضخم في الولايات المتحدة، تغلبوا على "الصقور" الذين زعموا أن مشتريات بنك الاحتياطي الفدرالي الشهرية من الأوراق المالية الطويلة الأجل (أو ما يسمى بالتيسير الكمي) من شأنها أن تطلق العنان لنمو الأسعار بشكل أسرع.

وكان التقرير صحيحا، لكنه مضلل، إذ إنه تغافل عن ذكر الأسباب وراء انخفاض معدل التضخم في الولايات المتحدة إلى حد كبير اليوم.

ضخ مجلس الاحتياطي الاتحادي تريليونات من الدولارات من الاحتياطيات، ولكن لم يسبق له من قبل قط أن استخدم كل هذا القدر من الاحتياطيات لإنتاج نمو نقدي ضئيل إلى هذا الحد. ولم يتوقع ذلك لا الصقور ولا الحمائم (ولا أي شخص آخر)

لكن تُرى هل كان الحمائم على صواب أم أن الحظ حالفهم فحسب؟

لقد ضخ مجلس الاحتياطي الاتحادي تريليونات من الدولارات من الاحتياطيات، ولكن لم يسبق له من قبل قط أن استخدم كل هذا القدر من الاحتياطيات لإنتاج نمو نقدي ضئيل إلى هذا الحد. ولم يتوقع ذلك لا الصقور ولا الحمائم (ولا أي شخص آخر).

ويصر أنصار النظرية النقدية على أن الاقتصادات تعاني من التضخم عندما يتجاوز نمو المعروض النقدي نمو الناتج بشكل مستمر. ولم يحدث هذا بعد، لذا فقد تم تأجيل التضخم.

هل وجد الاحتياطي الاتحادي طريقة جديدة؟
ويتعين على جيش الكهنة في وول ستريت بدلاً من رفض النظرية النقدية والتاريخ أن ينظروا إلى ما هو أبعد من بيانات مجلس الاحتياطي الاتحادي الصحفية وأن يسألوا أنفسهم: هل من المنطقي أن نتجاهل قرونا من الخبرة؟ وهل نحن على يقين حقا من أن بنك الاحتياطي الاتحادي وجد طريقةً جديدة؟

لقد طبع بنك الاحتياطي الاتحادي احتياطيات مصرفية جديدة باندفاع متهور. لكن كل الاحتياطيات تقريبا تقبع ساكنة على الموازنات العمومية للبنوك التجارية. وعلى مدى 12 شهرا انتهت في يوليو/تموز، أفاد بنك الاحتياطي الاتحادي في سانت لويس في تقرير له أن احتياطيات البنك ارتفعت بنسبة 31%. وخلال نفس الفترة فإن المقياس المستخدم عادة لقياس النمو النقدي ازداد بنسبة 6.8% فقط. ولا يتصور خبير نقدي عاقل أن هذه الأرقام قد تنبئ بالتضخم الحالي.

والواقع أن كل الاحتياطيات تقريبا التي أضيفت في الجولتين الثانية والثالثة من التيسير الكمي، أكثر من 95%، تشكل احتياطيات فائضة، فلا تُقرَض ولا تقترض ولا تستخدم أبدا لزيادة النقد المتداول. ويدفع بنك الاحتياطي الفدرالي للبنوك 0.25% لإبقائها خاملة.

ومع وجود 2 تريليون دولار في هيئة احتياطيات فائضة، واحتمال إضافة 85 مليار دولار إلى هذا المبلغ كل شهر، فإن البنوك تلقى 5 مليار دولار سنويا، ويستمر هذا المبلغ في الارتفاع، من دون خوض أي مجازفة. وبالنسبة للمصرفيين فإن هذا بمثابة منجم ثراء، يُدفَع لهم من أموال كان بنك الاحتياطي الفدرالي يدفعها عادة لوزارة الخزانة الأميركية. ولكي يزيد الطين بلة فإن ما يقرب من نصف المدفوع يذهب إلى فروع بنوك أجنبية.

في الأوقات العادية، هناك أسباب وجيهة لسداد فائدة على الاحتياطيات الفائضة. ولكن هذا من شأنه أن يؤدي في الوقت الحالي إلى نتائج عكسية بكل تأكيد. وقد بدأت القروض المصرفية تزداد، ولكن البنوك ترفض بانتظام إقراض صغار المقترضين، والمقترضين الجدد، والشركات المبتدئة.

ولا تغطي أسعار الفائدة المنخفضة الحالية المخاطر التي قد تتحملها البنوك. لا شك أنها تستطيع أن ترفع سعر الفائدة بالنسبة للمقترضين الجدد والصغار، ولكنها في المناخ السياسي الحالي قد تتهم بخنق التعافي الاقتصادي إذا فعلت ذلك.

ويشكل مجلس الحماية المالية للمستهلك الجديد رادعا أيضا، حيث ترى البنوك أن إقراض الحكومة والشركات الكبيرة وكبار المضاربين في العقارات أكثر أمانا. وبوسع البنوك أن تتحدث عن تسجيل أرباح قياسية من دون خوض مجازفات كبرى، وأن تعيد بناء رأس المال ودفع الأرباح والمكافآت. كما يستطيع بنك الاحتياطي الاتحادي أن يهنئ نفسه عن الطريقة غير الخاضعة للمراقبة في أغلبها والتي استخدمت بها البنوك الكبيرة أموال دافعي الضرائب.

على الاحتياطي الاتحادي إنهاء الجولة الثالثة
ويتعين على الاحتياطي الاتحادي بدلاً من الاستمرار على هذا المسار العقيم أن ينهي الآن الجولة الثالثة المفتوحة من التيسير الكمي. كما يتعين عليه أن يتوقف عن دفع الفائدة على الاحتياطيات الفائضة إلى أن يعود الاقتصاد الأميركي إلى مسار أقرب إلى حالته الطبيعية. ومن الأهمية بمكان أن يعلن عن إستراتيجية واضحة لإزالة الحجم الهائل من هذه الاحتياطيات.

والحق أنني في حيرة، وأشعر بالفزع إزاء فشل بنك الاحتياطي الفدرالي في شرح الكيفية التي يعتزم بها إعادة ميزانيته العمومية إلى مستوى غير تضخمي. وإلى الآن تزيد هذه الإعلانات ببساطة من عدم اليقين من دون إبلاغ عامة الناس بأي خبر مفيد.

إن بيع 2 تريليون دولار من الاحتياطيات سوف يستغرق سنوات. ويتعين عليه أن يقوم بما هو أكثر من مجرد تكرار أن بنك الاحتياطي الفدرالي من الممكن أن يرفع أسعار الفائدة المدفوعة على الاحتياطيات لتشجيع البنوك على الاحتفاظ بها. وسوف يتطلب الأمر إستراتيجية واضحة ومفهومة على نطاق واسع -من ذلك النوع الذي قدمه بول فولكر في الفترة 1979-1982- لإتمام المهمة.

هل تأتي نهاية التيسير الكمي في سبتمبر/أيلول أو ديسمبر/كانون الأول أو في وقت لاحق؟ وهل يهم هذا؟

على الاحتياطي الاتحادي بدلاً من الاستمرار على هذا المسار العقيم أن ينهي الآن الجولة الثالثة المفتوحة من التيسير الكمي, كما يتعين عليه أن يتوقف عن دفع الفائدة على الاحتياطيات الفائضة إلى أن يعود الاقتصاد الأميركي إلى مسار أقرب إلى حالته الطبيعية

تاريخيا، كان الاحتياطي الاتحادي بطيئا عادة في الاستجابة للتضخم. والانتظار إلى أن يأتي التضخم، كما يقترح البعض، هو الأسلوب المعتاد. ولكن هذا لن يسفر إلا عن تغذية توقعات التضخم وجعل المهمة أكثر إيلاما.

وإلى أي حد قد يدفع بنك الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة إلى الارتفاع؟ بمجرد أن تصل أسعار الفائدة إلى 5% أو 6%، بفرض أن التضخم سوف يظل ساكنا، فبوسع بنك الاحتياطي الفدرالي أن يتوقع ردا عنيفة من قِبَل الكونغرس والإدارة والنقابات وشركات بناء المساكن وغير ذلك من الجهات.

وعندما نتأمل في العواقب المترتبة على هذا فعلينا أن نتذكر أن 40% من ديون الحكومة الأميركية سوف تكون مستحقة في غضون عامين. وترحيل الديون بأسعار فائدة أعلى تصل إلى 4% أو 5% من شأنه أن يضيف أكثر من 100 مليار دولار إلى عجز الميزانية. وهذا في العامين الأولين فقط. فتكاليف الميزانية تزداد كل سنة، مع ترحيل المزيد من الديون وهذا لا يشمل ديون الوكالة والزيادة الكبيرة في عجز الحساب الجاري من أجل السداد للصين واليابان وغير ذلك من دائني الولايات المتحدة الأجانب.

وينبغي لهؤلاء الذين يعتقدون أن التضخم سوف يظل منخفضا أن يمعنوا النظر بقدر أكبر من الدقة وأن يفكروا بشكل أكثر وضوحا. وهناك العديد من الكتب الجيدة التي تشرح ما يفضل الكثير من صناع السياسات والمشاركون في الأسواق المالية نسيانه.
_________________
أستاذ السياسة العامة في جامعة كارنيغي ميلون، وزميل زائر متميز لدى معهد هووفر، ومؤلف كتاب "تاريخ مجلس الاحتياطي الفدرالي".

المصدر : بروجيكت سينديكيت