عبد الحافظ الصاوي

عندما تغيب الشفافية
غياب الرؤية والبرنامج
ارتباك مالي


عندما تغبيب الشفافية
يعتبر الإفصاح والشفافية من المسلمات البديهية لأداء أي اقتصاد يهدف لبناء دولة أو تقدم أمة، ويؤدي غياب هاتين المسلمتين لخلق مشكلات اقتصادية واجتماعية تمثل قنابل موقوتة، ولا تعدو الحلول الاقتصادية التي تقدم في ظل غياب الإفصاح والشفافية سوى مسكنات، أو ترحيل للمشكلات للأجيال القادمة.

ولأن هذه الطريقة في التعامل مع اقتصاديات الدول تعني تدميرا لمستقبل أجيال متعاقبة، فلابد من مواجهة المشكلات الاقتصادية القائمة ووضعها في حجمها الصحيح واطلاع المجتمع على رؤية التعامل معها، وتحديد نصيب كل فئة مجتمعية من ثمن العلاج، لأنه لا يوجد علاج لأي مشكلة اقتصادية بلا ثمن.

والملاحظ في التجربة المصرية بعد "الانقلاب العسكري" الذي تم في 3 يوليو/ تموز الماضي، وترتب عليه من عزل أول رئيس مصري مدني منتخب، أن المشكلات الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها البلاد، يتم تناولها بتبسيط مُخل سواء على مستوى الطرح أو الحلول، وهو أمر يتنافى مع القواعد العلمية الصحيحة.

ويُعد أداء حكومة "الانقلاب العسكري" بمثابة تزييف للواقع الاقتصادي المعاش، وما يزيد الطين بلة أداء الإعلام الاقتصادي المصري، الذي تناسى أداءه النقدي لكل صغيرة وكبيرة، في عهد الرئيس(المعزول) محمد مرسي، وكأن المواطن المصري أصبح بعد "الانقلاب العسكري" يعيش بحبوحة من العيش وتخلو أجندته اليومية من أي منغصات ترتبط بواقعه اليومي.

وهناك شواهد كثيرة تدلل على الزيف الاقتصادي الذي تمارسه حكومة "الانقلاب العسكري أو الإعلام الاقتصادي المؤيد لها، ولا يحتاج المرء لجهد كبير للإشارة لبعض الشواهد الدالة على هذه الظاهرة.

وتطرح الطريقة التي حلت بها مشكلات نقص الوقود وانقطاع التيار الكهربائي العديد من الأسئلة، لأن الأمر كان خارج حسابات المنطق، إذ لم تكن هناك فترة زمنية ولو لساعة واحدة، حتى يمكن تدبير الوقود اللازم لمحطات الوقود الخاصة بالسيارات، أو الوقود المطلوب لتشغيل محطات توليد الكهرباء، مما عزز الشعور بوجود مؤامرة اختلقت هذه المشكلة ضمن ممهدات لـ"الانقلاب" ضد الرئيس محمد مرسي.

ومن حق المواطن أن يعلم من أين تم تدبير هذه الحلول، وما هي تكلفتها المادية التي تحملتها موازنة الدولة، وما لم تقدم إجابة على هذه الأسئلة فإن هذا يعزز فرضية الاختلاق المسبق لهذه المشكلات، وحلها بهذه السرعة الفائقة كنوع من التخدير للمواطن وكسب تأييده للانقلاب العسكري.

غياب الرؤية والبرنامج
كثيرًا ما كرر اقتصاديون معارضون انتقادهم للرئيس مرسي بعدم وجود رؤية اقتصادية لديه، ونفس هؤلاء أصبحوا يرددون الآن أن من أهم مميزات حكومة "الانقلاب العسكري" برئاسة حازم الببلاوي أنها تضم مجموعة من الاقتصاديين المحنكين المصنفين كتكنوقراط.

غير أن هذه الحكومة لم تتقدم حتى الآن للمجتمع المصري برؤية متماسكة أو متكاملة أو حتى مسودة لتصوراتها الاقتصادية، ونظرًا لغياب هذه الرؤية فإن الحكومة تفتقد كذلك امتلاك برنامج للتعامل مع المشكلات الاقتصادية القائمة التي ستظل مصدرا لاستنزاف كافة الموارد الاقتصادية والمساعدات الخارجية.

فعلى سبيل المثال لم تعرض حكومة الببلاوي رؤيتها للتعامل مع الموازنة العامة للدولة ومشكلاتها المختلفة من عجز دائم، وتفاقم الدين العام المحلي، بل إن هذه المشكلات قابلة للتزايد في ظل السلوك الحكومي الحالي من حيث توجهه لزيادة العجز والدين المحلي، وكذلك مشكلات الفقر والبطالة أو العجز في الميزان التجاري.

وإذا كانت قضية الدعم من المشكلات الشائكة المستوجبة وجود رؤية وبرنامج حقيقيين لاستنزاف هذا الدعم للجانب الأكبر من موارد الدولة دون وجود مردود ملموس على حياة المواطن، ومن العجيب أن حكومة الببلاوي المكونة من اقتصاديين تكنوقراط محنكين مازالت تتعامل بنفس آليات حكومة د. هشام قنديل مع هذه القضية لا سيما في مجال دعم الطاقة، من خلال رعاية برنامج الكروت الذكية، فما هو الجديد الذي قدمه هؤلاء المحنكون هنا؟!

وحسب تصريحات وزير التعاون الدولي فإن حكومة الانقلاب تعتمد في تنشيط الاقتصاد على مشروع "مرشال" يمول من دول خليجية وغربية، وبنفس منطق تعاملهم في عهد الرئيس محمد مرسي، فإن هناك أسئلة تطرح نفسها على وزير التعاون الدولي عن حجم مشروعات وزارته وحجم تمويلها وجداولها الزمنية وعائداتها الاقتصادية وقيمتها المضافة.

وتناولت حكومة "الانقلاب العسكري" أمر المساعدات الخليجية التي قدرت بنحو 12 مليار دولار، وكأنها منح لا ترد، فوزير التخطيط صرح بأن مصر ليست في حاجة للدخول في مفاوضات الآن مع صندوق النقد الدولي، وأن المساعدات الخليجية تفي باحتياجات مصر التمويلية، بينما رأى وزير المالية أنه لابد من قرض الصندوق وأنه جزء من الحل للمشكلة الاقتصادية في مصر.

وبالنظر إلى حزمة المساعدات الخليجية نجد أن ستة مليارات دولار منها هي ودائع بالبنك المركزي المصري، أي أنها لا تمثل ملكية خالصة للاقتصاد المصري، حتى وإن قيل إنها لمدة خمس سنوات وبدون فائدة، فهي في النهاية ملك لأصحابها، ولابد من الوفاء بها بعد هذه المدة، أما الجزء الباقي من المساعدة فهو ثلاثة مليارات كقروض في شكل مشتقات بترولية، وثلاثة مليارات أخرى منح لا ترد، ستكون من نصيب الموازنة العامة للدولة.

وقد دأب الإعلام الاقتصادي المصري إبان عهد محمد مرسي على توجيه الانتقادات الشديدة للجوء الحكومة للمساعدات من قطر وتركيا، وكان يطالب الحكومة بالاعتماد على الإمكانيات الذاتية للاقتصاد المصري، فأين هي الإمكانيات الذاتية للاقتصاد المصري الآن في ظل حكومة "الانقلاب العسكري" برئاسة حازم الببلاوي؟

ارتباك مالي
وأما الارتباك المالي الذي تعيشه الحكومة بعد "انقلاب" 3 يوليو/ تموز فهو لا يحتاج إلى دليل، فعلى سبيل المثال تعود العاملون بالدولة المصرية الحصول على علاوة سنوية تعادل نحو 10% من رواتبهم في أول كل عام مالي، أي مع رواتب شهر يوليو/ تموز كل عام، إلا أنهم لم يحصلوا على هذه العلاوة مع رواتب  الشهر الماضي، ووعدتهم الحكومة بالحصول على العلاوة بأثر رجعي مع رواتب أغسطس، رغم أن الموازنة التي اعتمدها مجلس الشورى -الذي تم حله بعد "الانقلاب "– وصدق عليها الرئيس المعزول، تضمنت صرف هذه العلاوة في موعدها. كذلك اعتاد المعلمون أن يحصلوا على مكافآت الامتحانات فور انتهائها، لكنهم لم يحصلوا هذا العام إلا على نسبة 25% فقط من هذه المكافآت.

وثمة أمر آخر كان يعاب فيه على أداء حكومة هشام قنديل وهو الاعتماد على تمويل عجز الموازنة من خلال أذون وسندات الخزانة، بحجة وجود زيادة مفرطة في الدين المحلي، إلا أن حكومة الببلاوي استمرت في هذا النهج بل اتجهت لزيادة الإصدارات من أذون الخزانة، فبلغت إصدارات وزارة المالية خلال يوليو/ تموز الماضي ما قيمته 81.5 مليار جنيه، بزيادة قدرها نحو 11.5 مليار جنيه عن متوسط الاقتراض خلال الأشهر الماضية.

أما عن أداء المؤسسات المالية فلا يزال أكبر بنك مصري، وهو البنك الأهلي، بلا رئيس مجلس إدارة منذ ما يزيد عن ستة أشهر، ولم تحرك حكومة الببلاوي ساكنًا في هذا الأمر، في الوقت الذي كانت توجه فيه تهمة عدم وجود كوادر لحزب الحرية والعدالة.

 ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إن قرار تعيين رئيس البورصة المصرية ونائبه لم ينشر بعد بالجريدة الرسمية، كما أن هيئة الرقابة المالية بلا رئيس على مدار الشهر الماضي، وهو ما يثير مخاوف المتعاملين بالبورصة إذا ما وقعت مخالفات قانونية.

وفي واحد من البنوك المتخصصة المهمة، وهو بنك التنمية والائتمان الزراعي، المالك 1200 فرع ويقدم خدماته لشريحة كبيرة من الفلاحين المصريين، تقدم رئيس مجلس الإدارة ونائبه باستقالتهما في الأيام الاولى لحكومة الببلاوي، احتجاجًا على الأوضاع المالية المتردية للبنك والمطالبة بسداد وزارة المالية نحو ثلاثة مليارات جنيه مصري مستحقات للبنك.

وتقدر التوقعات وصول احتياطي النقد الأجنبي لمصر إلى نحو 21 مليار دولار بفضل المساعدات الخليجية، وبذلك تكون ودائع الدول الأجنبية بالبنك المركزي المصري هي عماد هذا الاحتياطي، والدول صاحبة هذه الودائع هي قطر والسعودية والإمارات وتركيا والكويت.

وفي الحقيقة لم يعد لمصر من هذا الاحتياطي سوى نحو ثلاثة مليارات دولار فقط مقابل الاحتياطي الذهبي بالبنك المركزي المصري، وبذلك يكون احتياطي مصر من النقد الأجنبي حالة فريدة بين دول العالم، إذ أن المعروف أن احتياطي النقد الأجنبي عادة ما يكون من موارد ذاتية، مثل الصادرات أو تدفقات الاستثمارات الأجنبية أو أنشطة اقتصادية أخرى مثل السياحة أو تحويلات العاملين بالخارج.

والملاحظة المهمة بهذا الشأن هي أن احتياجات مصر من النقد الأجنبي لا تزال قائمة، بل ومرشحة للزيادة خلال المرحلة المقبلة، وتقدر هذه الاحتياجات بحوالي 1.2 مليار دولار شهريًا، أي أننا بعد نحو أربعة أشهر سنجد احتياطي النقد الأجنبي لمصر، مرة أخرى دون حاجز الـ15 مليار دولار، وهو رصيد لن يكفي لسد احتياجات البلاد من الواردات الأساسية لمدة ثلاثة أشهر.

المصدر : الجزيرة