العلاقات الاقتصادية بين تركيا ومصر عرفت نموا حتى قبل ثورة 25 يناير وانتخاب محمد مرسي رئيسا (الفرنسية-أرشيف)

عبد الحافظ الصاوي


تنويع العلاقات


الصادرات التركية
سيناريو التصعيد
سيناريو التهدئة

منذ أحداث ثورة 25 يناير تبنت تركيا موقفاً مؤيداً للثورة المصرية، وطالب رئيس الوزراء التركي الرئيس المخلوع حسني مبارك بالتخلي عن السلطة لتحقيق مصالح مصر القومية، وقد أدانت تركيا أحداث 30 يونيو/حزيران الماضي ووصفتها بأنها انقلاب عسكري، وطالبت المجتمع الدولي، خاصة الاتحاد الأوروبي، بتبني موقف مماثل تجاه الأحداث في مصر.

غير أن هذا الموقف التركي تجاه أحداث 30 يونيو قابلته بعض المؤسسات المصرية المتمثلة في اتحاد الصناعات المصرية وبعض رجال الأعمال بالرفض، والمطالبة بتجميد اتفاق التجارة بين البلدين، خاصة اتفاق منطقة التجارة الحرة بين مصر وتركيا، الذي وقع في العام 2005 وبدأ العمل به منذ 2007.

وفي المقابل أكد منير فخري عبد النور وزير التجارة والصناعة في حكومة حازم الببلاوي على عدم تأثر اتفاق التجارة مع تركيا بالأحداث السياسية الراهنة، ومحاولته للتأكيد على التفرقة بين المسارين التجاري والسياسي بعبارة "ستبقى التجارة تجارة، والسياسية سياسة".

بعد موقف أنقرة الرافض لعزل الرئيس محمد مرسي دعت بعض المؤسسات المصرية المتمثلة في اتحاد الصناعات المصرية وبعض رجال الأعمال إلى تجميد اتفاق التجارة بين البلدين، خاصة اتفاق منطقة التجارة الحرة

ورغم أن المصالح الاقتصادية لا تعرف قرارات مفاجئة، نظراً لما تحويه العلاقات الاقتصادية من تشابكات، لا سيما إذا كان قوام هذه العلاقة هو القطاع الخاص الذي يعتمد في جزء كبير في تمويل نشاطه على التمويل الذاتي والاقتراض من البنوك، وهي مخاطرة قد تكون أضرارها أكبر بكثير من أن تتحملها مؤسسة أعمال، أو منظمة تمثل شريحة من المجتمع الاقتصادي.

وفي ظل هذه الأجواء التي لا تساعد على وجود علاقات اقتصادية مستقرة بين البلدين، أو على الأقل تمنع تنامي هذه العلاقة التي كان ينظر إليها على أنها مفتاح لمحور اقتصادي إقليمي جديد عماده تركيا ومصر. وقد حمل تصريح رئيس اتحاد الصناعات المصرية لوسائل الإعلام العديد من السلبيات لاتفاق التجارة بين مصر وتركيا، وأن هذا الاتفاق حوَّل مصر لمجرد سوق للمنتجات التركية.

كما اختفى من وسائل الإعلام المصرية ذلك الخطاب المعجب بالتجربة التنموية في تركيا، وإمكانية الاستفادة منها في مصر. وكل ما سبق يجعلنا بحاجة لإلقاء نظرة على مستقبل العلاقات الاقتصادية المصرية التركية، بعد أحداث 30 يونيو/حزيران 2013.

تنويع العلاقات
منذ مجيء حكومة حزب العدالة والتنمية لسدة الحكم في تركيا، وهي تعتمد سياسة توسيع علاقاته الاقتصادية والتجارية مع دول العالم العربي والإسلامي ومن بينها مصر، ولذلك شهدت العلاقات الاقتصادية المصرية التركية تناميا ملحوظا على مدار السنوات الماضية، حتى قبل ثورة 25 يناير.

وقد أعلنت تركيا غير مرة عن استعدادها لتقديم كل المساعدات للاقتصاد المصري بعد نجاح ثورة 25 يناير، وقد ترجم هذا التوجه خلال العام المالي 2012/2013، الذي تولى فيه محمد مرسي سدة الحكم في مصر، حيث قدمت تركيا مليار دولار بمثابة قرض للقاهرة من أجل تحسين أوضاع الاحتياطي من النقد الأجنبي، ومليار دولار أخرى من أجل تمويل الواردات المصرية من تركيا.

ويصل حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا 4.2 مليارات دولار، تستحوذ الصادرات التركية لمصر منها على نحو 3.9 مليارات دولار، وبالتالي فالميزان التجاري بين البلدين لصالح تركيا، ومما يعزز وجود فائض تجاري لصالح تركيا طبيعة الواردات المصرية التي تتمثل بشكل رئيسي في حديد التسليح والإسمنت والكيماويات والمنسوجات والسيارات والسلع الكهربائية.

أما الصادرات المصرية لتركيا فتتمثل في السماد والرمال والكيماويات والملابس الجاهزة والملح والبولي إثيلين، إلا أن واقع الصادرات المصرية لتركيا يعكس تواضعها مقارنة بالواردات المصرية من تركيا، فالصادرات المصرية لا تتجاوز 300 مليون دولار، وبذلك تكون الصادرات المصرية كنسبة من الواردات المصرية من تركيا بحدود 7.6% فقط.

الصادرات المصرية لتركيا متواضعة مقارنة بالواردات المصرية من تركيا، فالصادرات المصرية لا تتجاوز 300 مليون دولار، أي ما يشكل 7.6% فقط من وارداتها من تركيا

الصادرات التركية
ويمثل الحديد التركي عصب الواردات المصرية، خاصة في ظل أزمة الطاقة التي تعاني منها مصر تجاه الصناعات كثيفة استخدام الطاقة ومنها الحديد، وقد فرضت السلطات المصرية رسوم إغراق في مرات عديدة على الصادرات التركية من الحديد، وذلك منذ نهاية تسعينيات القرن العشرين.

غير أن بعض التقديرات تذهب إلى تقدير حجم التبادل التجاري بين البلدين بحدود ستة مليارات دولار، وأن الصادرات المصرية بحدود ملياري دولار، وعلى أي حال فإن المتابع لتطور حجم العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين يجد أنها في تزايد، ولكن المخاوف تحيط بمستقبل هذه العلاقات في ظل اختلاف الموقف السياسي بين البلدين بعد أحداث 30 يونيو/حزيران الماضي.

وحسب تقديرات جمعية رجال الأعمال المصريين تقدر الاستثمارات التركية في مصر بنحو 1.5 مليار دولار، من خلال نحو 300 شركة ومصنع، تشغل قرابة 51 ألف عامل مصري.

ونحن نتناول قضية اقتصادية لا بد أن نستحضر أنها خلقت في إطار مناخ سياسي، وأن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة لا تنفك، خاصة في ظل طبيعة العلاقات الدولية.

والواقع يدل على وجود مسلمات واضحة في عالم السياسة، بأنه لا توجد خصومة مطلقة ولا توجد مصالحة مطلقة، ولكن الواقع يجمع ما بين الأمرين، وتأتي المصالح المنتظرة بين الطرفين لتعمل على ترجيح كافة المخاصمة أو المصالحة. ويمكننا أن نستطلع مستقبل العلاقات الاقتصادية المصرية التركية ضمن اثنين من السيناريوهات:

سيناريو التصعيد
ويعتمد هذا السيناريو على أن تتجه كل من مصر وتركيا نحو مسار تراجع لعلاقتهما الاقتصادية، وهذا هو السيناريو الأسوأ، وينتج عنه خفض معدلات التجارة والاستثمارات التركية في مصر، بل وتصفيتها على الأجل المتوسط.

وفي هذه الحالة ستكون مصر أمام استبدال تجارتها مع تركيا بالتوجه نحو دول أخرى، خاصة أن السلع التركية التي تستوردها مصر يمكن بسهولة استجلابها من دول أخرى. وتبقى وفق آليات هذا السيناريو هناك معضلة الاستثمارات التركية في مصر، خاصة أن التصرف بشأن 50 ألف عامل ليست بالعملية السهلة في ظل ظروف مصر الاقتصادية الحالية.

وقد يكون المخرج خليجيا بإحلال استثمارات خليجية مكان الاستثمارات التركية من أجل الحفاظ على وظائف العمالة المصرية، ولكن التصرف في هذا المجال لن يكون وليد الأجل القصير، فهذه الشركات عادة تكون لها تشابكاتها في الداخل والخارج، وينطوي الخروج في الأجل القصير على خسائر كبيرة للطرفين.

وثمة أمر آخر وهو مبلغ المليار دولار الذي قدمته أنقرة لتمويل الواردات المصرية من تركيا، ونحن هنا أمام مصلحة مشتركة، فتراجع تركيا عن إتمام هذا القرض سيؤثر على الصادرات التركية، التي تريد أن تستمر علاقاتها الخارجية في توسع وليس في انكماش، كما أن مصر لن تسعى لإغلاق مصدر تمويلي لوارداتها في ظل حاجتها الآن للتمويل الأجنبي، واعتمادها على المنح والقروض لتغطية العجز الشديد في النقد الأجنبي.

نحن هنا أمام مصلحة مشتركة، فتراجع تركيا عن إتمام قرض لمصر سيؤثر على الصادرات التركية، كما أن مصر لن تسعى لإغلاق مصدر تمويلي لوارداتها في ظل حاجتها الآن للتمويل الأجنبي

وبالتالي فإن هذا السيناريو مستبعد في ضوء المصالح المتبادلة وما يترتب عليه من خسائر كبيرة للطرفين، إلا إذا وجد طرف ثالث يتحمل تكلفة تراجع العلاقات، ويكون على استعداد لتقديم ثمن تلك الفاتورة في الأجل القصير.

سيناريو التهدئة
إذا كان بعض رجال الأعمال المصريين قد تبنوا وجهة نظر تقوم على مراجعة العلاقات التجارية والاقتصادية بين مصر وتركيا، كنوع من العقاب لأنقرة على موقفها من أحداث 30 يونيو، فإن هناك فريقا آخر من رجال الأعمال يرى عدم المساس بهذه العلاقة، وأن ما تمر به العلاقات السياسية بين البلدين سيستغرق زمناً معيناً لن يطول، وهي وجهة النظر التي تبناها مسؤولون في جمعية رجال الأعمال المصريين.

ومن الصعب أن تغامر الحكومة الانتقالية برئاسة الببلاوي بالدخول في مواجهة اقتصادية مع تركيا في ظل المشكلات الاقتصادية التي تعانيها البلاد، وبالتالي لن تقدم على خطوة تصفية الاستثمارات التركية في مصر، أو حتى استبدالها بأخرى من دول خليجية أو غربية، فمصر بحاجة شديدة أصلاً لاستقدام استثمارات أجنبية جديدة بغض النظر عن وجهتها من أجل استرجاع معدلات النمو الاقتصادي الذي تراجع منذ الأزمة المالية العالمية في العام 2008، وفي أعقاب ثورة 25 يناير 2011 لتصل إلى 2.8% في أحسن الأحوال.

من الضروري أن ننظر إلى العلاقات الاقتصادية المصرية التركية في إطارها الإستراتيجي، وليس فقط من خلال أرقام لحجم التبادل التجاري أو استثمارات بينية، فمصر وتركيا كانتا لبنة في محور اقتصادي وسياسي إقليمي كان من شأنه أن يؤسس لعلاقات إقليمية ودولية جديدة.

ومن هنا يجب تقييم الموقف، فإذا أدى مستقبل العلاقة بين البلدين لاستمرار هذا المحور فسوف يجني الطرفان ثماره الإيجابية، أما إذا حدث السيناريو الآخر -لا قدر الله- فإن المستقبل الإقليمي لقوتين كمصر وتركيا ستعرف خسارة فادحة، لا تعوضها حركة التجارة ولا الاستثمارات.

ـــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة