من المؤمل أن تبرز المشروعات الصغيرة في الجيل الجديد من أودية السليكون (الأوروبية-أرشيف)

إدوارد يونغ

حفز الطلب
طريق النجاح
مراكز إبداع

يريد الجميع أن يعرف كيف يبنون وادي السليكون التالي بحيث يكون مركز إبداع يجتذب المواهب ورأس المال، والذي ينشأ فرص عمل وشركات وصناعات جديدة بالكامل، وتتبارى حكومات الدول المتقدمة في دعم التكنولوجيا التي قد تكون البدعة الكبرى القادمة، ويأمل صناع السياسات في الأسواق الناشئة أن تعمل بعض الحوافز مثل الإعفاءات الضريبية والأراضي المجانية على حث المبدعين على الاستقرار هناك، وتحقيق الازدهار، ولكن أغلب هذه المخططات الحسنة النيات تفتقد مكوناً أساسياً وهو الطلب.

كان الطلب على الإبداع في مجالات محددة من التكنولوجيا بمثابة القوة الدافعة وراء نشأة كل مراكز التكنولوجيا الفائقة، ووراء أكثر الاختراعات أهمية. لقد برزت طفرات تكنولوجية عظيمة مثل المضادات الحيوية والسيارات كاستجابة لحاجة ملحة شعر بها عدد كبير من المستهلكين، وعملت المشاريع الحكومية مثل برنامج أبولو في الولايات المتحدة -والذي كان الهدف منه حمل إنسان إلى سطح القمر- على النهوض بالطلب على التكنولوجيات الأساسية (وهي ببساطة اختراعات لم يطلبها أحد).

وقد شُـيد وادي السليكون نفسه بناء على وجود طلب، فقد استثمرت وزارة الدفاع الأميركية عشرات المليارات من الدولارات في عقود الإلكترونيات الدقيقة، وهو الالتزام الذي نجح في تقليص المخاطر التي تواجه المبدعين وإيجاد بنية أساسية قادرة على دعم نمو المشاريع الناشئة، ولكن لا نستطيع أن نقول إن كل أشكال الطلب متساوية، ومن المفيد أن ندرس الاختلافات بينها.

إن الطلب الاستهلاكي أو الطلب الذي تحركه السوق -ذلك النوع الذي نفكر فيه غالباً عندما نسمع الكلمة- لا يمكن التكهن به، وبالتالي فإنه أشد خطورة من الطلب الذي تتولى الدولة رعايته من قبيل الرغبة في هبوط إنسان على سطح القمر.

كان الطلب على الإبداع في مجالات محددة من التكنولوجيا بمثابة القوة الدافعة وراء نشأة كل مراكز التكنولوجيا الفائقة، ووراء أكثر الاختراعات أهمية

وتتسم الشركات التي تعتمد على جاذبية منتجاتها التجارية فقط بمحدودية أشكال الإبداع التي يمكنها تقديمها بأمان، لأنه في حال فشل أحد منتجاتها في السوق فإنها قد لا تتمكن من البقاء حتى يتسنى لها أن تقدم منتجاً آخر. ويصدق هذا بشكل خاص على المشاريع الناشئة والشركات الصغيرة، والتي يتمنى الجميع أن تظهر في الموجة التالية من أودية السليكون.

حفز الطلب
ومن حسن الحظ أن الحكومات قادرة -من خلال رعاية المبادرات الطويلة الأجل- على تحفيز المزيد من الطلب الذي يمكننا التنبؤ به بشكل أفضل، فقد أعطى برنامج أبولو المبدعين أهدافاً محددة بوضوح ورسم لهم خطة طريق للوصول إلى هذه الأهداف وهي وضع حيوانات في مدار حول الأرض أولاً، ثم إرسال مسبارات إلى القمر، ثم إرسال البشر في مرحلة تالية.

وعلى القدر نفسه من الأهمية قدمت الحكومة الأميركية مكافآت لأي تقدم مرحلي يتم إحرازه، وليس فقط تحقيق نجاح نهائي، فربما لم يكن إرسال قرد إلى الفضاء أكثر الإنجازات إثارة، ولكن الحكومة كانت تكافئ مثل هذه النجاحات، ولهذا تحققت، والحكومة الذكية هي التي تعمل على خلق الطلب المضمون ليس فقط كحل في حد ذاته، بل من أجل خطوات أخرى على الطريق.

وبفضل المزاوجة بين الابتكارات التقنية الوسيطة الفارقة والحوافز المضمونة تمكنت الشركات من التركيز على المشاكل التي قد يستغرق حلها عشرة أعوام أو أكثر، وهذا من شأنه أن يحفز أيضاً المبدعين المنتمين إلى مجموعة متنوعة من الصناعات على التصدي لمشاكل معقدة يحتاج حلها إلى أكثر من نوع واحد من الإبداع. فلم تكن مبادرة الإلكترونيات الدقيقة التي أطلقتها وزارة الدفاع الأميركية تحتاج لمواد ودوائر جديدة فحسب، بل إنها كانت تتطلب أيضاً ابتكار طرق جديدة للتصنيع. وبسبب طبيعة المكافأة أصبح من الممكن التنسيق بين هذه الجهود بدلاً من تنفيذ كل منها في عزلة عن الجهود الأخرى.

وعلى النقيض من الطلب الذي تحركه السوق، والذي يؤدي غالباً إلى ديناميكية يحصل الفائز بمقتضاها على كل شيء، فإن الطلب الذي ترعاه الدولة يخلق بيئة يمكن أن تتزايد وتتعايش فيها حلول متعددة للمشاكل الفنية، فقد جرب رواد الإلكترونيات الدقيقة العديد من الإستراتيجيات للاستغناء عن أنابيب الفراغ، فتوصلوا إلى مجموعة من أشباه الموصلات وتصاميم الرقاقات: الجرمانيوم، والسليكون، والألمنيوم، والغاليوم الثلاثي، وهلم جرا.

ولم يتم فقط تنفيذ بعض هذه الجهود البحثية، ولكن العديد منها وجدت طريقها إلى أن تصبح أجهزة متخصصة، وسمح تنوع الخيارات باستخدامها على نطاق واسع، الأمر الذي مهد الطريق للثورة الرقمية.

كما كانت الحال مع برنامج الإلكترونيات الدقيقة فإن الحوافز الحكومية لا ينبغي لها بالضرورة أن تمهد الطريق كله أمام النجاح التجاري

طريق النجاح
وكما كانت الحال مع برنامج الإلكترونيات الدقيقة فإن الحوافز الحكومية لا ينبغي لها بالضرورة أن تمهد الطريق كله أمام النجاح التجاري. ففي وقت معين تصبح الشركات جاهزة لبيع المنتجات، وبعد ذلك يتولى الطلب الموجود في السوق بقية الأمر، فبعدما كانت وزارة الدفاع الأميركية المستهلك الوحيد للدوائر المتكاملة في العام 1962، أصبح المستهلكون في نهاية العقد نفسه يشترون أجهزة الراديو الترانزيستور والآلات الحاسبة الصغيرة بكميات هائلة.

وعلى نحو مماثل ينبغي ألا تتولى الحكومات رعاية الطلب شكل إعانات دعم موجهة لتكنولوجيات أو شركات بعينها، فلا يجوز للحكومات أن تقامر بأموال دافعي الضرائب في مشاريع معينة. إن خوض هذه المجازفة هي مهمة أصحاب رؤوس الأموال وغيرهم في مجال التمويل، وليس دور الموظفين العموميين، ولكن المخاطر المنطوية على تقديم عقد وظيفة منجزة بشكل ممتاز تظل ضئيلة، إذ لن يحصل الطرف الآخر على مقابل مادي إذا ظلت المشكلة بلا حل.

وهذه النفقات تبقى متواضعة مقارنة بجهود البحث والتطوير التي تحفزها، فالبرنامج الذي يقدم مكافآت من مليار دولار إلى خمسة مليارات دولار في هيئة عقود أو التزامات قادر على توليد أضعاف هذه القيمة في مشاريع البحث والتطوير في القطاع الخاص.

ولا شك أن المبدعين والمستثمرين على استعداد للمراهنة بالكثير على مثل هذه الفرص، لأنهم يدركون أن المكافأة النهائية المتمثلة في العائدات من قاعدة عالمية من العملاء سوف تتجاوز كثيراً ما أنفقوه من استثمار أولي، وهذا من شأنه أن يجعل من الطلب الذي تتولى الدولة رعايته آلية بالغة الكفاءة والفعّالية في توليد الإبداع.

مراكز إبداع
وبسبب التأثيرات المضاعفة فإن الحكومات والدول الصغيرة، بل وحتى المدن الكبيرة، تستطيع أن تتولى بنجاح رعاية ذلك النوع من الطلب الذي يعمل على تشجيع نشوء مراكز إبداع عالمية المستوى. والواقع أن بعض الدول الإسكندنافية والأقاليم الصينية -فضلاً عن دولة سنغافورة الصغيرة- تعتبر في وضع مثالي يسمح لها بتجربة هذا النهج.

الحكومات والدول الصغيرة، بل وحتى المدن الكبيرة، تستطيع أن تتولى بنجاح رعاية ذلك النوع من الطلب الذي يعمل على تشجيع نشوء مراكز إبداع عالمية المستوى

قبل بضعة أعوام قمت بحساب عدد الوحدات من منتج ما ينبغي بيعها من أجل إطلاق العنان لأي تكنولوجيا جديدة، وكان الرقم متواضعاً للغاية في واقع الأمر، فإذا تمكنت من تحريك ما بين مائة ألف وحدة إلى مليون وحدة من منتج جديد فائق التكنولوجية فسوف يكون بوسعك أن تؤسس المعايير التكنولوجية لهذه الفئة وأن تصبح بمرور الوقت الرائد العالمي لصناعة جديدة. وستضمن الرعاية الحكومية أن يعتمد عدد معين من الناس منتجك، وليس بالضرورة أن يكون العدد كبيراً في البداية.

وقد عرف واضعو الخطط الاقتصادية وصانعو السياسات الذين يحاولون مضاهاة وادي السليكون بأنهم لا يستطيعون دوماً استنساخ ثقافة المبادرة التجارية وآليات التمويل المزدهرة هناك الآن، ولكنهم نسوا كيف بدأ كل شيء، فالطلب المضمون الذي يشجع على تحفيز فئة الإبداع الأكثر طموحاً.
والدرس المستفاد هنا بسيط: لا تحاول بناء وادي سليكون آخر، بل يتعين عليك بدلاً من ذلك أن تحاول بناء جبل من الطلب وسوف يأتيك المبدعون.

ــــــــــــ
كبير مخططي المشاريع في شركة مايكروسوفت سابقا، وكبير مسؤولي التكنولوجيا في شركة المشاريع الفكرية حالياً

المصدر : بروجيكت سينديكيت