ستيفن إس روتش

المسار نحو تطبيع السياسات
التحول في توجه السياسات الاقتصادية للصين
قيادة الصين الجديدة وسياسة الائتمان

المسار نحو تطبيع السياسات
يبدو أن البنكين المركزيين في أكبر اقتصادين في العالم: الولايات المتحدة والصين، أقدما أخيراً على سلوك مسار نحو تطبيع السياسات، أي العودة إلى السياسات الاعتيادية التي سبقت مرحلة الأزمة المالية.

كما يبدو أن الأسواق المالية التي اعتادت على الترتيبات النقدية التي تأسست في أوج الأزمة بين عامي 2008 و2009، تلهث حاليا لالتقاط الأنفاس.

ولأن تأثير السياسات غير التقليدية كان دائما محدودا، فإنه سيكون كذلك بالنسبة للاقتصادات الكلية أيضا.

إن مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) وبنك الشعب الصيني يسيران في نفس الاتجاه، لكن لأسباب مختلفة تماما.

تأثير السياسات غير التقليدية كان دائما محدودا, وسيكون كذلك بالنسبة للاقتصادات الكلية أيضا

فمن منظور رئيس الاحتياطي الاتحادي بن برنانكي وزملائه، يبدو أن هناك شعوراً متزايداً بأن حالة الطوارئ الاقتصادية مرت، بما يعني ضمناً أن التدابير غير العادية أو -على وجه التحديد- تبني سياسة أسعار الفائدة الأقرب إلى الصفر ومضاعفة ميزانيته العمومية إلى أربعة أمثالها تقريبا، لم تعد مناسبة.

وعلى النقيض من هذا، يعمل بنك الشعب الصيني وفقاً لنهج أكثر استباقية في محاولة لضمان الاستقرار عبر تقليص الاستدانة المفرطة التي استند إليها لفترة طويلة الجانب الحقيقي من الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على الائتمان بشكل متزايد.

والواقع أن كلا النهجين صحيح وطال انتظاره، فبينما ساعدت الجولة الأولى من التيسير الكمي التي تبناها المركزي الأميركي في إنهاء اضطرابات الأسواق المالية التي حدثت في أوج الأزمة الأخيرة، كان تأثير جولتين متعاقبتين من التيسير الكمي -بما في ذلك الجولة الثالثة الحالية المفتوحة- ضئيلاً في ما يتصل بتخفيف الضغوط التي لا تزال تقض مضاجع المستهلكين الأميركيين المنهكين. والواقع أن ديون القطاع الأسري لا تزال تتجاوز 110% من الدخل الشخصي المتاح، ولا يزال معدل الادخار الشخصي أدنى من 3%، ومن الواضح أن هاتين النسبتين أسوأ كثيراً من المتوسط الذي كان سائداً خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين (75% و7.9% على التوالي).

ومع استجابة المستهلكين الأميركيين بالتقوقع على نحو غير مسبوق، فقد ظل الطلب على السلع الاستهلاكية -المعدل وفقاً للتضخم- عالقاً عند مسار نمو سنوي هزيل لم يتجاوز 0.9% منذ أوائل العام 2008، الأمر الذي أبقى على الاقتصاد الأميركي غارقاً في حالة من التعافي الهزيل الأدنى من المستوى بوضوح.

بل إن التيسير الكمي بعجزه عن تيسير عملية إصلاح الميزانية العمومية أو تحفيز النشاط الاقتصادي الحقيقي، تحول بدلاً من ذلك إلى مصدر خطير لعدم الاستقرار في الأسواق المالية العالمية.

ومع تعرض السيولة التي يستحثها التيسير الكمي -بطريقة التغذية بالتنقيط- للخطر الآن، فإن التشنجات التي ظهرت مؤخراً على الأسواق المالية لا تدع مجالاً كبيراً للشك بشأن الأخطار المتنامية المتمثلة في تجاوزات المضاربة التي كانت في تراكم مستمر. ولكن من حسن الحظ أن المركزي الأميركي بدأ أخيراً يواجه الجانب السلبي من تجربته المتكلفة.

التحول في توجه السياسات الاقتصادية للصين
وتنبئنا التطورات الأخيرة في الصين بقصة مختلفة، ولكن عواقبها قوية بنفس القدر. فهناك، لا يرجع تشديد القيود الائتمانية إلى تدابير حازمة من قِبَل بنك مركزي مستقل، بل إن الأمر يعكس تحولاً بالغ الأهمية في التوجه الأساسي للسياسات الاقتصادية التي تنتهجها الدولة.
يبدو أن القيادة الصينية الجديدة عازمة على إنهاء هوس القيادة السابقة بالحفاظ على وتيرة نمو اقتصادي سريعة, وإعادة تركيز السياسات على نوعية النمو

ويبدو أن القيادة الصينية الجديدة بزعامة الرئيس شي جين بينغ ورئيس مجلس الدولة لي كه شيانغ، عازمة على إنهاء هوس القيادة السابقة بالحفاظ على وتيرة نمو اقتصادي سريعة، وإعادة تركيز السياسات على نوعية النمو.

وهذا التحول لا يزيد من أهمية الأجندة الداعمة للاستهلاك في الخطة الخمسية الثانية عشرة للصين فحسب، بل إنه يدعو أيضاً إلى التشكيك في التكتيكات الاستباقية التي ظلت السلطات المالية والنقدية في البلاد تنتهجها لفترة طويلة. وتشكل الاستجابة السياسية -أو بدقة أكبر عدم الاستجابة السياسية- للتباطؤ الحالي، توثيقاً بالغ الأهمية لمصداقية هذا النهج الجديد.

ويشير غياب جولة جديدة من التحفيز المالي إلى أن الحكومة الصينية راضية عن معدل نمو 7.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو اتجاه جديد بعيد كل البعد عن إدمان معدلات نمو تدور حول 10%. ولكن النمو الأبطأ في الصين من غير الممكن أن يستمر في دعم التنمية إلا إذا تحولت بنية الاقتصاد من الطلب الخارجي إلى الطلب المحلي، ومن التصنيع إلى الخدمات، ومن النمو القائم على الاستهلاك الكثيف للموارد إلى النمو الذي لا يعتمد على الموارد إلا قليلا. ولم تكتف القيادة الجديدة في الصين بخفض هدف النمو، بل إنها رفعت أيضاً الرهان على ضرورات إعادة التوازن إلى الاقتصاد.

وتمشياً مع هذه العقلية الجديدة، فإن عدم رغبة بنك الشعب الصيني في وضع نهاية سريعة لأزمة السيولة في الأسواق القصيرة الأجل لتمويل البنوك في يونيو/حزيران الجاري، يرسل إشارة قوية إلى أن أيام التوسع الائتماني المفتوح قد ولت، وهو تطور محمود. فقد ارتفعت ديون القطاع الخاص في الصين من نحو 140% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2009 إلى أكثر من 200% أوائل العام 2013، وفقاً لتقديرات مؤسسة برنشتاين للبحوث، وهي الطفرة التي ربما أدت إلى تفاقم اختلالات التوازن التي يعاني منها الاقتصاد الصيني غير المتوازن بالفعل.

قيادة الصين الجديدة وسياسة الائتمان
وهناك سبب وجيه يدفعنا إلى الاعتقاد بأن قيادة الصين الجديدة عازمة الآن على تقليل اعتماد الاقتصاد على الديون المتزايدة التراكم (والمزعزعة للاستقرار)، وخاصة في ظل نظام "الظل المصرفي" السريع التوسع.

ويبدو هذا الموقف متوافقاً بشكل وثيق مع تعليقات شي المستترة مؤخراً عن حملة التوعية (الخط الجماهيري) التي تهدف إلى معالجة المشاكل الناشئة عن "الرياح الأربع" المتمثلة في الشكلية، والبيرقراطية، والبحث عن المتعة، والبذخ.

إن الأسواق المالية تواجه وقتاً عصيباً في محاولة فهم العقلية السياسية الجديدة والتعامل معها في الدولتين الأضخم اقتصاداً على مستوى العالم. وفي الوقت نفسه، يثير المستثمرون تساؤلات جادة ومشروعة حول نظام السياسة الاقتصادية في اليابان تحت قيادة رئيس الوزراء شينزو آبي، والتي تعتمد للأسف على الهندسة المالية (التيسير الكمي وخفض قيمة الين) بشكل أكبر من اعتمادها على أجندة جديدة للإصلاح البنيوي.

السياسات النقدية التقليدية لم تكن قط بمثابة الدواء المعجزة كما كان مفترضا، كما أنها لم تفعل أي شيء يُذكر لتعزيز التعافي القوي ومعالجة المشاكل العميقة الجذور التي يعاني منها الاقتصاد الحقيقي

والواقع أن مثل هذه الشكوك مفهومة، ففي نهاية المطاف إذا عجز المركزي الأميركي بعد أربع سنوات من التيسير النقدي غير التقليدي عن إنهاء ركود الميزانية العمومية في الولايات المتحدة، فما الذي قد يدفع أي شخص إلى الاعتقاد بأن شراء بنك اليابان للأصول بهذا القدر من التوسع قد يتمكن سريعاً من إنهاء عقدين ضائعين من الركود والانكماش في اليابان؟

مع تصالح الأسواق المالية مع تطبيع السياسة النقدية في الولايات المتحدة والصين، ومواجهتها -في الوقت نفسه- أوجه القصور التي تعيب جهود المحاكاة التي يبذلها بنك اليابان، فإن الجانب الحقيقي من الاقتصاد العالمي يصبح أقل عرضة للخطر من أسعار الأصول.

ويرجع هذا في قسم كبير منه إلى أن السياسات النقدية التقليدية لم تكن قط بمثابة الدواء المعجزة كما كان مفترضا. صحيح أنها أضافت زخماً بلا قيمة حقيقية للأسواق المالية، ولكنها لم تفعل أي شيء يُذكر لتعزيز التعافي القوي ومعالجة المشاكل العميقة الجذور التي يعاني منها الاقتصاد الحقيقي.

إن الإقلاع عن العادات السيئة ليس بالتجربة الخالية من الآلام بالنسبة للمستثمرين الذين أدمنوا السيولة. ولكن من الأفضل أن يتم هذا الآن، وليس لاحقاً عندما تفرز التجاوزات في أسواق الأصول والائتمان تشوهات جديدة وخطيرة للجانب الحقيقي من الاقتصاد العالمي. وهذا هو على وجه التحديد ما دفع العالم إلى حافة الهاوية عامي 2008 و2009، وليس هناك من الأسباب ما يمنع ذلك من الحدوث مرة أخرى.
_____________
عضو هيئة التدريس بجامعة ييل، ورئيس مورغان ستانلي في آسيا سابقا، ومؤلف كتاب "آسيا التالية".

المصدر : بروجيكت سينديكيت