باولا سوباتشي

- صنع القرار
- سؤال الاستقلالية
- حالة اليابان

إن تغيير الحرس يجري على قدم وساق في كثير من البنوك المركزية الرائدة في العالم، فقد تم تنصيب هاروهيكو كورودا محافظاً لبنك اليابان المركزي، وهو يواجه المهمة الشاقة المتمثلة في إنهاء عقدين من الركود. وفي كندا من المقرر أن يتولى مارك كارني المحافظ الحالي للبنك المركزي الكندي مهامه في الشهر المقبل محافظا للبنك المركزي البريطاني، وقد بدأ بالفعل يثبت وجوده في مناقشات السياسة النقدية البريطانية، وفي الولايات المتحدة تجري تكنهات حول خليفة بن شالوم برنانكي الذي تنتهي ولايته في يناير/كانون الثاني المقبل رئيسا لـبنك الاحتياطي الفدرالي.

ورغم أن منطقة اليورو والصين تعدان من المناطق القليلة التي تقود الاقتصادات في العالم، ولكن هذا لا يعني بالضرورة وجود استقرار وثبات فيهما، فقد تولى ماريو دراغي رئاسة البنك المركزي الأوروبي منذ سنة واحدة فقط، أما محافظ بنك الصين الشعبي تشو شياو تشوان فكاد يستبدل عندما بلغ سن التقاعد في فبراير/شباط الماضي.

قبل عشرين عاماً كانت مثل هذه التطورات تلقى الاهتمام في الغالب بين المصرفيين ورجال الأعمال فقط، ولكن منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية كانت الحاجة لإحياء ودعم النمو في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان، وتجنب الانهيار المالي في منطقة اليورو سبباً في دفع البنوك المركزية الكبرى إلى تبني قدر أعظم من الصراحة ونهج سياسات نقدية أكثر هجومية وقوة، بما في ذلك اتخاذ تدابير غير تقليدية مثل التيسير الكمي.

ونتيجة لهذا فإن العديد من محافظي البنوك المركزية أصبحت أسماؤهم معروفة حتى لدى الأسر، بل إن بعضهم أطلقت عليهم الصحف الشعبية أسماء تدليل مثل "سوبر ماريو" في إشارة إلى محافظ المركزي الأوروبي.
البروز الجديد أرغم بعض محافظي البنوك المركزية على إعادة تقييم عمليات اتخاذ القرار التي يتبنونها. ففي اليابان فاز الجمهور مؤخراً بفرصة نادرة لإلقاء نظرة سريعة على أنشطة البنك المركزي عندما تم تسريب أحد محاضر الاجتماعات

صنع القرار
كما أرغم هذا البروز الجديد بعض محافظي البنوك المركزية على إعادة تقييم عمليات اتخاذ القرار التي يتبنونها. ففي اليابان فاز الجمهور مؤخراً بفرصة نادرة لإلقاء نظرة سريعة على أنشطة البنك المركزي عندما تم تسريب أحد محاضر الاجتماعات.

وعلى نحو مماثل كان نشر محضر اجتماع بنك الاحتياطي الفدرالي بشكل غير مقصود على مائة شخص قبل اجتماع في شهر مارس/آذار الماضي موضوعه تحديد سعر الفائدة، وكان من بين الذين سرب إليهم المحضر مديرون مصرفيون تنفيذيون ومساعدون في الكونغرس وجماعات ضغط مصرفية، وهو ما أثار تساؤلات حول الكيفية التي يتحكم بها المركزي الأميركي في مسألة الكشف عن المعلومات السرية.

والواقع أن بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي كان خاضعاً لقدر متزايد من التدقيق منذ العام 2008، عندما دفعته أسعار الفائدة الإسمية (التي لا تحتسب فيها نسبة التضخم) القريبة من الصفر إلى أن يصبح أول بنك مركزي يتبنى التيسير الكمي. وفي محاولة لخفض تكاليف الاقتراض اشترى المركزي الأميركي أصولاً طويلة الأجل في السوق لضخ السيولة في شرايين النظام المالي، ومنذ ذلك الوقت تبنى بنك إنجلترا المركزي والبنك المركزي الأوروبي تدابير مماثلة.

وفي أوائل أبريل/نيسان الماضي أعلن بنك اليابان المركزي عن خطط هي الأضخم تتعلق ببرنامج شراء السندات، ووعد بضخ 1.4 تريليون دولار في شرايين الاقتصاد على مدى العامين القادمين من أجل استهداف نسبة تضخم تصل إلى 2%، وهذه هي السياسة النقدية المدعومة بالمنشطات، غير أن المعارضين لهذا التوجه يعتبرون أن الأمر يرقى إلى اللعب بالنار.

ولكن بالنسبة لليابان، التي ظلت تكافح الانكماش على مدى جيل، فإن الأمر يستحق المجازفة، ويبقى أن نرى ما إذا كانت السياسة الهجومية التي انتهجها كورودا قد تنجح في حفز الاستهلاك المحلي والاستثمار.

إن التدابير غير التقليدية تشكل جزءاً من تحول أوسع نطاقاً طرأ على عملية صنع السياسات النقدية، فإلى جانب التحلي بقدر أعظم من الجرأة والتوسع، أصبحت هذه العملية متشابكة على نحو متزايد مع السياسة المالية. وبوسعنا أن نرى هذا بصورة واضحة في اليابان حيث تشكل السياسة النقدية عنصراً مركزياً في إستراتيجية رئيس الوزراء شينزو آبي الاقتصادية، التي أطلق عليها اسم "آبينوميكس"، وهو ما يعني ضمناً التعاون بين الحكومة والبنك المركزي.

التشابك بين السياسة النقدية والسياسة المالية يطرح تساؤلا إذا كان سيؤدي إلى تقويض استقلال البنك المركزي عندما نصل إلى حالة تصبح أمرا واقعا مفاده أن يتبع موظفون تكنوقراطيون غير منتخبين لساسة منتخبين

سؤال الاستقلالية
ولكن هل يؤدي هذا إلى تقويض استقلال البنك المركزي عندما نصل إلى حالة تصبح أمرا واقعا مفاده أن يتبع موظفون تكنوقراطيون غير منتخبين لساسة منتخبين؟ قد يزعم البعض أن اليابان حالة استثنائية، حيث يتطلب قيد الصفر المفروض على أسعار الفائدة الإسمية عدم الاكتفاء بتدابير السياسة النقدية التقليدية.

ولكن في أوروبا وجه رئيس البنك المركزي الألماني ينس ويدمان الانتقادات إلى البنك المركزي الأوروبي لأنه تجاوز صلاحياته من خلال برنامج "المعاملات النقدية الصريحة"، والذي يهدف دراغي من خلاله إلى الوفاء بتعهده بضمان بقاء اليورو.

ونتيجة لهذا فإن التساؤلات حول الدور الذي تلعبه السياسة النقدية واستقلالية ومساءلة البنوك المركزية، والتي كانت ذات يوم تقتصر على المناقشات الأكاديمية النخبوية، أصبحت اليوم من العناصر الثابتة في المناقشات السياسية الواسعة النطاق. ولكن بدلاً من محاولة تعريف نهج واحد فيتعين على محافظي البنوك المركزية أن يستهدفوا وضع نهج فردي في إطار السياسة النقدية المحافظة، والتي تدور حول استقرار الأسعار والاستقلالية.

فعلى سبيل المثال تنص صلاحيات بنك الاحتياطي الفدرالي على أن استقرار الأسعار من الممكن أن يرتبط بشكل واضح بالدعم النشط لنمو الناتج المحلي الإجمالي وتشغيل العمالة، وبالنسبة لبنك إنجلترا المركزي والبنك المركزي الأوروبي فإن هذا قد يكون شرطاً لتحقيق الهدف الأوسع المتمثل في النمو المستدام وتشغيل العمالة. وما دام الساسة ملتزمين بقاعدة عدم التدخل -على الأقل بشكل علني- فسوف يُنظَر إلى البنوك المركزية باعتبارها كيانات لا تقيدها المصالح السياسية.

حالة اليابان
والواقع أن بنك اليابان المركزي خرق ميثاقاً كان يتسم بالقداسة سابقاً من خلال البرهنة على أن طبع المزيد من النقود على هذا النحو الهجومي القوي يشكل نهجاً مشروعاً في مكافحة الانكماش الاقتصادي. وفي الوقت نفسه اتخذ البنك خطوة غير مسبوقة تمثلت في دمج السياسة النقدية في إستراتيجية اقتصادية شاملة تقوم على التنسيق بين المجالات السياسية المختلفة والمؤسسات المرتبطة بها.

وقد يثبت هذا النهج المتكامل فعاليته في البلدان التي يكون فيها الارتباط وثيقاً بين الاقتصاد الحقيقي والقطاع المالي، بما يضمن تنفيذ السياسات في الوقت المناسب وبشكل منتظم، في حين يمنع التداعيات السلبية. ولا يشكل هذا النوع من التنسيق تعدياً على استقلال البنك المركزي إلا بقدر ما يشكل التعاون المتعدد الأطراف تقويضاً لسيادة الدول المشاركة.

وفي حين يتبقى لنا أن نرى تأثير "الآبينوميكس" على اقتصاد اليابان فإن تأثيرها على النقاشات الدائرة حول السياسة النقدية والعلاقة بين البنوك المركزية والحكومات بات واضحاً بالفعل. ولا نملك إلا أن نتمنى أن يسلك كارني المسار نفسه في تحدي الحكمة التقليدية في بنك إنجلترا. ولعل حقبة جديدة من السياسة النقدية النشطة والمتنوعة بدأت للتو بما ينطوي عليها من فوائد محتملة للجميع.

ــــــــــــ
مديرة أبحاث الاقتصاد الدولي في تشاثام هاوس

المصدر : بروجيكت سينديكيت