محمد عبد الله العريان

قوة العلامات التجارية
مخاطر الانحراف
تجاوز خطير
أضرار جانبية
الوفاء بالوعود


بدأ "التسويق" للعمل المصرفي المركزي الحديث كعلامة تجارية في الولايات المتحدة في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين في عهد رئيس بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي آنذاك بول فولكر. ففي مواجهة معدلات تضخم مرتفعة وموهنة بدرجة مقلقة للغاية، أعلن فولكر الحرب على التضخم، وكان النصر من نصيبه.

ولم يكتف فولكر في محاولاته الرامية إلى تقليص التضخم مادياً بتغيير التوقعات والسلوكيات الاقتصادية، بل إنه نجح أيضاً في تعزيز مكانة بنك الاحتياطي الفدرالي إلى حد كبير بين عامة الناس، وفي الأسواق المالية، ودوائر السياسة.

وقد اكتسب انتصار فولكر طابعاً مؤسسياً في التشريعات والممارسات التي منحت البنوك المركزية قدراً إضافياً من الاستقلال، وفي بعض الحالات الاستقلال الرسمي عن القيود السياسية القائمة منذ أمد بعيد. وفي نظر كثيرين أصبحت البنوك المركزية الآن رمزاً للجدارة بالثقة والسلطة المسؤولة، أي أنها أصبحت ببساطة محل ثقة واطمئنان إلى قدرتها على القيام بالتصرف الصحيح، وقد وفت بذلك بالفعل.

في نظر كثيرين أصبحت البنوك المركزية الآن رمزاً للجدارة بالثقة والسلطة المسؤولة، أي أنها أصبحت ببساطة محل ثقة واطمئنان إلى قدرتها على القيام بالتصرف الصحيح، وقد وفت بذلك بالفعل

وكما يستطيع أي مسؤول تنفيذي عن شركة أن يخبرك فإن العلامات التجارية قد تكون بمثابة محرك بالغ الأهمية للسلوك. فالعلامة التجارية في جوهرها وعد، والعلامات التجارية القوية تفي بوعودها بشكل منتظم، سواء على أساس الجودة أو السعر أو الخبرة. وفي بعض الحالات، كان من المعروف عن المستهلكين أنهم يتصرفون انطلاقاً من قوة العلامة التجارية وحدها، حتى إنهم يشترون المنتج رغم معرفتهم المحدودة نسبياً به.

قوة العلامات التجارية
والواقع أن العلامات التجارية ترسل إشارات تسهل المهمة. وفي بعض الحالات -على سبيل المثال أبل وبيركشاير هاثاواي وفيسبوك وغوغل- كانت العلامات التجارية تعمل أيضاً كحافز قوي لتعديل السلوك. وفي هذه العملية فإنها في الغالب تدق إسفيناً يفصل جوهرياً بين العوامل الأساسية والتسعير.

وبالبناء على النجاح الذي حققه فولكر، استخدمت البنوك المركزية الغربية علاماتها للمساعدة في الإبقاء على معدلات التضخم عند مستويات منخفضة ومستقرة. ومن خلال الإشارة إلى اعتزامها احتواء ضغوط الأسعار فربما تنجح في تغيير توقعات التضخم، وبالتالي تقنع عامة الناس والحكومة في الأساس بتحمل الأعباء الثقيلة.

ولكن في السنوات القليلة الماضية لم يعد تهديد التضخم يشكل قضية كبرى، بل إن البنوك المركزية الغربية اضطرت إلى مواجهة إخفاقات السوق، والأنظمة المالية المفتتة وآليات انتقال السياسة النقدية المعطلة، وتباطؤ نمو الناتج وتشغيل العمالة. وفي مواجهة تحديات أعظم في تقديم النتائج المرغوبة، دفعت البنوك المركزية في الأساس سياساتها وسلطاتها إلى حدودها القصوى.

ويتجلى هذا في تركيز البنوك المركزية الهجومي على كل من التواصل والتوجيه السياسي الصريح. وقد استخدم كلا الأمرين على نطاق أوسع -بل على مستويات متطرفة- من أجل إتمام التوسع غير التقليدي في الموازنات العمومية في سياق موسوم بفخاخ السيولة.

مخاطر الانحراف
والآن سوف يخبرك المسؤولون التنفيذيون عن الشركات أيضاً أن إدارة العلامة التجارية مسألة بالغة الصعوبة. فمن الصعب بشكل خاص الحفاظ على علامتك التجارية أو السيطرة عليها عندما تنحرف المشاعر الشعبية، وهذا هو ما حدث لأسهم شركة أبل هذا العام.

من الصعب بشكل خاص الحفاظ على علامتك التجارية أو السيطرة عليها عندما تنحرف المشاعر الشعبية، وهذا هو ما حدث لأسهم شركة أبل هذا العام

وكما شرح جي كاواساكي ببراعة في كتابه عن الشركة فإن العلامة التجارية خلقت في الأساس نوعاً من "السحر". ونتيجة لتقدير هذا الأمر ضمن رؤية للسوق مفادها أن أبل ليست قادرة على الإبداع المتواصل فحسب، بل إنها أيضاً قادرة على صد ودرء كل المنافسين، دفع المستثمرون أسعار أسهم أبل إلى مستويات مذهلة من الارتفاع.

وفي كاليفورنيا وجدت شركة فيسبوك أن علامتها التجارية تغذي دعاية هائلة للاكتتاب العام الأولي للشركة. وبتشجيع من انفعال المستثمرين ومؤشرات الاكتتاب المفرط ذهب الضامنون إلى رفع سعر الاكتتاب العام الأولي إلى مستويات أعلى كثيراً من تلك التي اعتبروها معقولة في مستهل الأمر. وبإصدار الأسهم للجمهور بسعر مبالغ فيه قبل عام فإن تداول الأسهم كان أعلى في البداية.

تجاوز خطير
في كل من هذه الحالات -وحالات أخرى عديدة- أدت قوة العلامة التجارية إلى ما هو أكثر من مجرد الدفع إلى سلوكيات سعرية منفصلة عن الأساسيات (الحقائق المالية الأساسية التي تظهر مدى قوة ونجاح شركة ما أو سهم أو اقتصاد أو عملة)، فقد تسببت أيضاً في إحداث تجاوز خطير، وهو التجاوز الذي أضر بالعلامة التجارية عندما انعكس اتجاهه في وقت لاحق.

إن العلامات التجارية، مهما بلغت من قوة، من غير الممكن أن تفصل بين التسعير والأساسيات بشكل كامل وإلى الأبد. بالتالي ورغم الارتفاعات الكبيرة في السوق والتي حملت العديد من الأسهم الفردية إلى ارتفاعات غير مسبوقة، فإن التداول على أسهم شركتي أبل وفيسبوك حالياً يكاد يعادل نصف المستويات القياسية التي سجلتاها من قبل. والآن لم تعد هيمنة مثل هذه الشركات أو نفوذها غير قابل للجدال.

ويتعين على القائمين على البنوك المركزية الغربية أن ينفقوا بعض الوقت في تأمل هذه التجارب. فقد دأب بعضهم بكل نشاط على تشجيع الأسواق على حمل أسعار العديد من الأصول المالية إلى مستويات لم تعد الأساسيات تبررها. ووقف آخرون موقف المتفرج، بل يبدو الأمر وكأن محافظي البنوك المركزية المتقاعدين فقط، مثل مارفن كنغ من بنك إنجلترا، هم من لديهم الاستعداد لإثارة المخاوف علناً.

والواقع أن هذا السلوك مفهوم، ذلك أن محافظي البنوك المركزية يأملون في الأساس أن تكون الدعاية الصاخبة في الأسواق المالية كافية للمساعدة في دفع الأساسيات الاقتصادية إلى مستويات أعلى. والفكرة هنا هي أن تحركات الأسعار سوف تطلق كلا من "تأثير الثروة" و"الغرائز الحيوانية"، فتحفز المستهلكين بالتالي على إنفاق المزيد من المال وتحفز الشركات على الاستثمار أكثر في القدرات المستقبلية.

محافظو البنوك المركزية كانوا مرغمين على الاعتماد لفترات طويلة على إتباع أساليب منقوصة ومعيبة. ومن وجهة نظري المهنية فأنا أستشعر خطراً متصاعداً من الأضرار الجانبية والعواقب غير المقصودة

أضرار جانبية
وبوسعكم أن تعتبروني من بين أولئك الذين يشعرون بالقلق إزاء هذا الوضع. فبعيداً عن عالم السياسة المثلى، كان محافظو البنوك المركزية مرغمين على الاعتماد لفترات طويلة على إتباع أساليب منقوصة ومعيبة. ومن وجهة نظري المهنية فأنا أستشعر خطراً متصاعداً من الأضرار الجانبية والعواقب غير المقصودة.

فقد أصبحت مؤشرات السوق أكثر تشوّها، الأمر الذي يغذي المزيد من سوء توزيع الموارد، ويخوض المستثمرون فضلاً عن هذا المزيد من المجازفات وبأسعار مرتفعة على نحو متزايد. والآن يفسح الاستثمار القائم على الأساسيات المجال أمام البحث المحموم عن صفقات نسبية في عالم مالي مبالغ في تقدير أسعاره بشكل متزايد.

وقد لا يكون لكل هذا أهمية كبيرة إذا ارتقت البنوك المركزية إلى مستوى سمعتها كمؤسسات مسؤولة وقوية تفي بوعودها الاقتصادية. أما إذا لم تفعل -لأنها في الأساس لا تلقى الدعم المطلوب من الساسة وغيرهم من صناع السياسات- فإن الجانب السلبي سوف يشتمل على ما هو أكثر من مجرد نتائج محبطة، فهي بعجزها هذا تلحق الضرر بمكانتها مادياً، وتضر بالتالي بفعالية مواقفها السياسية في المستقبل.

الوفاء بالوعود
وبامتدادها إلى ما يتجاوز المنطقة المريحة، فإن البنوك المركزية تواجه مخاطر غير عادية في ما يتصل بإدارة العلامة التجارية. والواقع أن قدرتها السابقة على الوفاء بالوعود وتحقيق التوقعات جعلت الأسواق المالية اليوم تحمل التسعير الأولي للاقتصاد إلى مستويات تتجاوز قدرة محافظي البنك المركزية وحدهم على الوفاء بها بشكل معقول.

ولا يعني هذا أن البنوك المركزية لابد أن توقف نشاطها المفرط وتدابيرها غير التقليدية على الفور، بل ينبغي لها أن تكون أكثر انفتاحاً بشأن القيود المتأصلة التي تحد من مدى فعالية سياساتها في الظروف الراهنة.

ويتعين على محافظي البنوك المركزية في الغرب أن يكونوا أعلى صوتا، وكما يأمل المرء، أكثر إقناعاً في فرض الضغوط على الساسة وغيرهم من صناع السياسات، وإلا فإنهم بالمجازفة بالإضرار الشديد بعلامتهم التجارية على هذا النحو سوف ينتهي بهم الحال إلى إضافة بند آخر إلى قائمة مكتظة بالفعل بالتحديات التي سيواجهها الجيل القادم.

ــــــــــــــ
الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق"

المصدر : بروجيكت سينديكيت