جوزيف ستيغليتز-حميد رشيد


- أسباب الإقبال

- مخاطر الاستدانة
- تفادي الكارثة
- تعلم الدرس

في الأعوام الأخيرة أصدر عدد متزايد من الحكومات الأفريقية سندات باليورو، سعياً إلى التنويع والابتعاد عن المصادر التقليدية للتمويل، مثل الديون المُيسرة والاستثمار المباشر الأجنبي. وأصبحت غانا أول دولة في المنطقة الواقعة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا -باستثناء جنوب أفريقيا- تصدر سندات لأجل ثلاثين عاما، وكان هذا البلد قد تصدر الدول الأفريقية بإصدار سندات باليورو في أكتوبر/تشرين الثاني 2007 بنسبة عائد بلغ 8.5%.

والواقع أن هذا الإصدار الأول الذي تم الاكتتاب فيه بما يتجاوز أربعة أمثال قيمته، كان بمثابة شرارة الانطلاق لموجة من الانغماس في استدانة الحكومات في المنطقة. فقد حذت حذو غانا تسع دول أخرى هي الغابون والكونغو الديمقراطية وساحل العاج والسنغال وأنغولا ونيجيريا وناميبيا وزامبيا وتنزانيا.

وبحلول فبراير/شباط الماضي جمعت هذه الاقتصادات الأفريقية العشرة مجتمعة نحو 8.1 مليارات دولار من أول إصدار للسندات السيادية، بمتوسط أجل استحقاق يصل إلى 11.2 عاما، ومتوسط معدل عائد على السندات بحدود 6.2%. وفي المقابل فإن الديون الأجنبية لهذه الدول يبلغ متوسط سعر الفائدة عليها 1.6%، وبمتوسط استحقاق مدته 28.7 عاما.

وليس سراً أن السندات السيادية تحمل تكاليف اقتراض أعلى كثيراً مقارنة بالديون المُيسرة. ولكن لماذا إذن يلجأ عدد متزايد من الدول النامية إلى إصدار السندات السيادية؟ ولماذا أبدى المُقرضون اهتمام مفاجئا بهذه الدول؟
قد يكون أحد التفسيرات المحتملة لاهتمام المقرضين المفاجئ بسندات دول جنوب الصحراء الكبرى، هو أن الأمر مجرد مظهر آخر أكثر غرابة من مظاهر بحث المستثمرين عن العائدات

أسباب الإقبال
في ظل هبوط أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة بسبب التيسير الكمي الذي تقوم به البنوك المركزية، فقد يكون أحد التفسيرات المحتملة هو أن الأمر مجرد مظهر آخر أكثر غرابة من مظاهر بحث المستثمرين عن العائدات.

فضلاً عن ذلك، فإن التحليلات الأخيرة التي ظهرت بالتزامن مع تأسيس بنك جديد لمجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) تشير إلى العجز الهائل في مساعدات التنمية الرسمية والإقراض الميسر لتلبية احتياجات البنية الأساسية في أفريقيا، ناهيك عن تحقيق المستويات المطلوبة من النمو المستدام للحد من الفقر بشكل ملموس.

وعلاوة على ذلك فإن الشروط والمراقبة اللصيقة المرتبطة عادة بالمؤسسات المتعددة الأطراف تجعلها مصدراً أقل جاذبية للتمويل. فمن هو السياسي الذي لا يفضل مالاً يمنحه قدراً أعظم من الحرية للقيام بما يشاء؟ وستمر سنوات قبل أن تبرز أي مشاكل للعيان، وحينئذ سيضطر سياسي آخر إلى حلها.

وبقدر ما يستند هذا الإقراض الجديد إلى الأسس الاقتصادية المتزايدة قوتها في أفريقيا فإن الموجة الأخيرة من إصدارات السندات السيادية هي محل ترحيب. ولكن هنا -وكما هي الحال في أماكن أخرى- سجلّ تقييم الائتمان في القطاع الخاص ليس مريحاً. فهل ترسي الأسواق المالية القصيرة النظر، والتي تعمل مع حكومات قصيرة النظر، الأساس لأزمة ديون أخرى في العالم؟

مخاطر الاستدانة
لا شك أن المخاطر ستزيد إذا اكتسبت سلطات داخل تلك الدول ومؤسسات من القطاع الخاص قدرة مماثلة على الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى الإفراط في الاقتراض. وقد أصدرت البنوك التجارية النيجيرية بالفعل سندات دولية، وفي زامبيا تخطط مرافق الطاقة الكهربائية والسكك الحديدية وشركات بناء الطرق لإصدار ما قيمته 4.5 مليارات دولار على شكل سندات دولية.

إن الأدلة على وجود الوفرة غير المعقولة أو توقعات السوق لعمليات إنقاذ مالي آخذة في الارتفاع فعليا، وإلا كيف للمرء أن يفسر قدرة زامبيا على الحصول على سعر فائدة أقل من العائد على السندات الإسبانية، حتى رغم كون تصنيف إسبانيا الائتماني أعلى بأربع درجات من زامبيا؟

الواقع أنه باستثناء زامبيا فإن كل هذه الإصدارات من السندات السيادية في دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا تحمل تصنيفات ائتمانية بدرجة "المضاربة"، الأمر الذي يجعلها في فئة "السندات غير المرغوب فيها" وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر عالية متمثلة في العجز عن السداد.

بل إن مؤشرات مخاطر الضغوط الناتجة عن العجز عن السداد بدأت تظهر بالفعل، ففي مارس/آذار 2009 -بعد أقل من عامين من الإصدار- كانت السندات الكونغولية متداولة بنحو 20 سنتاً، الأمر الذي دفع العائد عليها إلى ارتفاعات قياسية. وفي يناير/كانون الثاني 2011 أصبحت ساحل العاج أول دولة تتخلف عن سداد ديونها السيادية بعد جامايكا في يناير/كانون الثاني 2010.

وفي يونيو/حزيران 2012 أخرت الغابون دفع مستحقات سنداتها التي تبلغ قيمتها مليار دولار في انتظار نتيجة نزاع قانوني، وكانت على وشك التخلف عن السداد. وإذا انهارت أسعار النفط والنحاس فإن أنغولا والغابون والكونغو وزامبيا قد تواجه صعوبات جمة في سداد خدمة سنداتها السيادية.

تفادي الكارثة
ولضمان عدم تحول إصدارات السندات السيادية إلى كارثة مالية، يتعين على هذه الدول أن تقيم هياكل سليمة وبعيدة النظر وشاملة لإدارة الديون. وينبغي لها ألا تستثمر العائدات في النمط السليم من المشاريع ذات العائدات المرتفعة فحسب، بل ويتعين عليها أيضاً أن تضمن عدم اضطرارها إلى المزيد من الاقتراض حتى تتمكن من سداد فوائد ديونها.

باستثناء زامبيا، كل إصدارات السندات السيادية في دول جنوب الصحراء الكبرى تحمل تصنيفات ائتمانية بدرجة المضاربة، وما ينطوي عليه ذلك من مخاطر عالية متمثلة في العجز عن السداد

وربما تتعلم هذه الدول شيئاً من التجربة المريرة التي مرت بها ولاية ديترويت الأميركية، فقد أصدرت سندات بلدية بقيمة 1.4 مليار دولار عام 2005 لتجنب أزمة مالية وشيكة. ومنذ ذلك الحين استمرت المدينة في الاقتراض، وفي الأغلب لخدمة فوائد سنداتها المستحقة. وفي هذه العملية فإن البنوك الأربعة في وول ستريت التي مكنت ديترويت من إصدار ما مجموعه 3.7 مليارات دولار في هيئة سندات منذ عام 2005، حصدت 474 مليون دولار في هيئة رسوم اكتتاب وأقساط تأمين وصكوك مقايضة.

إن فهم المخاطر المترتبة على الإفراط في الاقتراض في القطاع الخاص وعدم كفاية التقييمات الائتمانية للمقرضين من القطاع الخاص، وتضارب المصالح الذي أصبح آفة لدى البنوك، من شأنه أن يملي على دول جنوب الصحراء الكبرى أن تسعى لفرض قيود على مثل هذا النوع من الاقتراض، وخاصة عندما يكون التفاوت كبيراً في أسعار الصرف وتواريخ الاستحقاق.

تعلم الدرس
وينبغي للدول التي تفكر في اللحاق بركب إصدار السندات السيادية أن تتعلم الدرس من أزمات الديون المتكررة في العقود الثلاثة الماضية. وقد تزيد الأمور سوءاً في المستقبل لأن ما يسمى الصناديق "الجشعة" تعلمت كيف تستغل المحن التي تمر بها الدول استغلالاً كاملاً.

وأصدرت محكمة أميركية قراراً لصالح الصناديق الجشعة، وقد يجعل هذا الأمر إعادة هيكلة الديون أمراً أشد صعوبة، في حين تراجع الحماس لعمليات الإنقاذ بوضوح. وقد يرى المجتمع الدولي عن حق أن المقترضين والمقرضين تم تحذيرهم ولكنهم تجاهلوا التحذيرات.

لا توجد مسارات سهلة خالية من المخاطر تقود إلى التنمية والازدهار، ولكن اقتراض المال من الأسواق المالية العالمية إستراتيجية تتسم بقدر هائل من المخاطر، في حين لا تنطوي إلا على قدر ضئيل من الفوائد المحتملة، باستثناء البنوك التي تحصل رسومها مقدماً. ويأمل المرء ألا تضطر دول جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا إلى تكرار الدروس الباهظة التكاليف التي تعلمتها دول أخرى نامية على مدى العقود الثلاثة الماضية.

_____________
جوزيف ستيغليتز حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا.
حميد رشيد كبير المستشارين الاقتصاديين لدى إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت