جانب من شارع سوريا بمدينة طرابلس اللبنانية (الجزيرة نت)

هشام ناسيف-طرابلس

تمكنت الجزيرة نت من دخول شارع سوريا -بؤرة التوتر الطائفي الأبرز والأخطر بمدينة طرابلس اللبنانية- ورصدت من قلب المكان واقع التجار الذين بلغت بهم المعاناة حدا لم يعد يطاق، مما اضطر العديد منهم إلى مغادرة المنطقة، في حين يعاني من لا خيار له في صمت في ظل عدم اكتراث الحكومة اللبنانية وفشل كل الفرقاء السياسيين باختلاف انتماءاتهم في وقف الشحن الطائفي ونزيف الدم المتواصل هنا منذ أكثر من ثلاثة عقود.

دخول هذا الشارع الفاصل بين منطقتي باب التبانة السنية وجبل محسن ذي الأغلبية العلوية الموالية للنظام السوري كان محفوفا بالمخاطر، حيث لقي أحد السكان مصرعه بعد ساعات فقط على خروجنا منه.

وكانت التجربة مثيرة بكل المقاييس، إذ ينتابك شعور بأنك داخل إلى المجهول، وكلما توغلت في الشارع متجاوزا نقاط تمركز الجيش اللبناني الذي أخبرنا الكثيرون أن وجوده في المنطقة "صوري فقط" ولا يغير شيئا في معادلة توازن الرعب القائمة هناك، تجلى لك بوضوح حجم الشرخ الذي يفصل أبناء البلد الواحد في شارع حافل بالرمزية تختزل الجدران التي اخترقها الرصاص على جانبيه أحداثا ومآسي كان لها أثر في رسم خريطة الولاءات السياسية والمذهبية ليس فقط داخل لبنان بل أيضا مع الجارة سوريا.

وضع سيئ
المنطقة -حسب شهادة أحد أبنائها ويدعى غسان ريفي وهو صحفي خبر جيدا تفاصيل وحساسية المشهد هنا- هي أسوأ منطقة مصنفة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على الساحل المتوسط، حيث يعيش 60% من العائلات بها تحت سقف الفقر وبدولارين فقط في اليوم الواحد، كما أن نسبة البطالة بها تناهز 30%، في حين يعمل 45% مياومين، مما يفسر، حسب رأيه، الاستخدام الأمني للمنطقة.

وأضاف قائلا "كيف تفسر أن تجد رجلا لا يستطيع أن يشتري علبة حليب لطفله وهو يحمل على كتفه وقت المواجهات أسلحة بقيمة 10 آلاف دولار أو يزيد".

غسان ريفي تحدث عن الوضع السيئ بشارع سوريا (الجزيرة نت)

شارع سوريا الذي عرف يوما ما بـ"شارع الذهب" نظرا للرواج الاقتصادي الذي عرفه في فترة ما قبل الحرب الأهلية بسوريا وبكل المناطق اللبنانية.

كان يضم سوقا مهمة للقمح وللخضار وكان شريانا حيويا لاقتصاد المنطقة، لكن الوضع تغير بعد الحرب.

ناصر الليبيدي، تاجر مواد غذائية بالشارع تحدث للجزيرة نت بألم عما صار إليه حال الاقتصاد والتجارة بالشارع وبالمنطقة ككل، مؤكدا أن الحركة الاقتصادية متوقفة تماما، وهو وضع مستمر منذ الثمانينيات حين استطاع الجيش السوري مدعوما بالأحزاب اللبنانية التقدمية والوطنية دخول المدينة وإنهاء سيطرة حركة التوحيد الإسلامي عليها.

ويضيف الرجل الستيني الذي لا تفارق الابتسامة محياه رغم خطورة ظروف الحوار الذي أجريناه معه "لا حل في الأفق.. المعاناة مستمرة.. ما الذي بوسعنا فعله، الكل غادر والكثيرون أغلقوا محلاتهم"، مشيرا إلى أن من لم يغادر لجأ لتأجير محلاته كحل وسط، فيما اضطر من لا خيار آخر له للبقاء.

ويختم الليبيدي حديثه قائلا "تجارتي في تراجع مستمر كل يوم، ولم يتبق لي سوى أن أنفجر أو أموت.. الوضع لا يطاق.. لا حل باديا في الأفق.. لا حل سوى بنهاية الأزمة هناك.. في سوريا".

منطقة صفر
جهاد طبوش، تاجر معدات منزلية وأجهزة تبريد، كان امتعاضه وحنقه على الوضع أكبر ووصف الشارع بأنه "منطقة صفر" ومكان شبه مغلق لا يجرؤ أحد إلا قلة قليلة على الاقتراب منه، فما بالك بالبيع والشراء بداخله.

ويضيف "نحن لدينا التزامات.. ومضطرون للبقاء هنا.. نضحي بأرواحنا هنا والزبائن يقتلون ويغامرون عندما تطأ أقدامهم هذا المكان.. وما يدفعهم للمجيء هنا رغم الخطر الداهم هي شهرة المنطقة بتجارتها الواسعة منذ القدم والأسعار الرخيصة إذا ما قورنت بأماكن أخرى بحكم أن تجار الشارع تجار جملة".

ويؤكد أنه كان بالشارع تجار مهمون يعدون "رقما صعبا" في التجارة بلبنان، كما كان يضم مصانع تصدر منتجاتها لكل أنحاء الشرق الأوسط كمصانع الحلاوة والطحينة وشركات الأدوات المنزلية، بالإضافة لحوالي ستة بنوك بقي منها بنك واحد فقط مهدد هو أيضا بالإقفال.

صورة لشارع بجبل محسن القريب من شارع سوريا (الجزيرة نت)

وحمل طبوش الحكومة والمسؤولين السياسيين المسؤولية عن أوضاع التجار السيئة، مشيرا إلى أن التجار لا يطلبون أموالا بل يريدون فقط الأمان، مؤكدا أن محاولاتهم لإيصال صوتهم لرئاسة الجمهورية باءت بالفشل حين قاموا في خطوة رمزية بتسليم مفاتيحهم لها تعبيرا عن سخطهم على استمرار الوضع.

وبنبرة حزينة على ما وصل إليه وضعه المادي نتيجة تراكم الديون وعلى واقع بلده لبنان، وجه طبوش رسالة للمسؤولين السياسيين قائلا "عليهم أن ينزلوا إلى الأرض أن يأتوا إلى هنا لمشاهدة ما يحدث لنا.. يظهرون فقط في فترة الانتخابات".

وأضاف "هم لا يقومون بأي شيء بل يخربون البلد.. أقول لهم اذهبوا وشاهدوا ما يحدث في بلدان العالم.. النائب والسياسي يمشي في الشارع العام كأي مواطن، بينما نحن هنا ساستنا يمرون ومعهم عشرات السيارات والحماية الخاصة.. فلينزلوا إلى الأرض ليروا هذا الشعب المسحوق .. أين هم.. أين هم".

المصدر : الجزيرة