مارسيل فراتزشير

رفض شديد
أسباب الرفض
رد فعل الأسواق

عادة ما يلجأ الناس أو المؤسسات إلى المحاكم عندما تسوء الأمور وينشأ شجار حول من المسؤول عن حدوث الضرر. ومن هنا فإن الجلسة التي عقدتها المحكمة الدستورية الألمانية في الحادي عشر والثاني عشر من يونيو/حزيران الجاري للنظر في مشروعية ما تسمى المعاملات النقدية الصريحة التي أعلن عنها البنك المركزي الأوروبي كانت غريبة. فهنا يدور النزاع حول التدبير الأكثر نجاحاً على الإطلاق في مجال السياسة النقدية طيلة العقود الأخيرة، ليس فقط في أوروبا، بل في أي مكان آخر.

كان الإعلان عن خطة المعاملات النقدية الصريحة في يوليو/تموز 2012 سبباً في خفض أسعار الفائدة بالنسبة للشركات والحكومات على حد سواء، كما ساعد في عودة رأس المال الخاص المطلوب بشدة إلى الدول التي ضربتها الأزمة، وبالتالي ساعد في تخفيف الركود العميق في الدول الواقعة على أطراف أوروبا. وساعد الإعلان أيضاً في عودة أكثر الأصول ندرة: الثقة في قدرة اقتصادات منطقة اليورو وعملتها الموحدة.

والأمر الأفضل على الإطلاق هو أنه لا شيء من هذه الإنجازات تكلف يورو واحدا. فكل المطلوب كان مجرد تصريح من رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي ومجلس إدارة البنك يفيد باستعداد هذه المؤسسة للقيام "بكل ما يلزم" لشراء الديون السيادية للبلدان الأعضاء في منطقة اليورو، شريطة التزامها بالشروط المالية الأشد صرامة، وحتى الآن لم تتقدم أي دولة بطلب.
استطلاع حديث للرأي أظهر أن ثلث الألمان فقط يفضلون برنامجا وضعه المركزي الأوروبي لإنقاذ اليورو، في حين يعارضه غالبيتهم. والآن يُطلب من المحكمة الدستورية الألمانية أن تصدر قراراً بإلغاء البرنامج

وعلى الرغم من أن التأثير الإيجابي الذي خلفه برنامج المعاملات النقدية الصريحة على الأسواق المالية كان دليلاً على نجاحه، فإنه لم يسلم من الهجوم الشرس من قِبَل عامة الناس والأحزاب السياسية وخبراء الاقتصاد في ألمانيا. ويبين استطلاع حديث للرأي أن ثلث الألمان فقط يفضلون هذا البرنامج الآن، في حين يعارضه غالبيتهم. والآن يُطلب من المحكمة الدستورية أن تصدر قراراً بإلغائه.

رفض شديد
ولكن ما الذي قد يحرك في نفس أي شخص، وخاصة في أوروبا، مثل هذه الرغبة الشديدة في "قتل" البرنامج الذي ساعد حتى الآن في إنقاذ العملة الموحدة؟

يزعم معارضو برنامج المعاملات النقدية الصريحة بألمانيا أنه غير دستوري، لأنه لا يشكل سياسة نقدية، بل سياسة مالية تهدف إلى تمويل حكومات منطقة اليورو المفلسة والكسولة. كما يزعمون أنه ليس من مهام البنك المركزي الأوروبي أن ينقذ اليورو أو يمنع الدول من الخروج من الوحدة النقدية.

وتزداد هذه الشكاوى غرابة عندما نعلم أن ألمانيا هي المستفيد الأكبر من الإعلان عن برنامج المعاملات النقدية الصريحة، فقد تقلصت المخاطر المالية المباشرة التي تواجهها برلين من خلال إيجاد التوازنات في نظام تارجت 2 لمنطقة اليورو، وأيضاً من خلال حجم الموازنة العمومية للبنك المركزي الأوروبي على الرغم من الركود الذي تعيشه المنطقة.

ونظراً لهذه الفوائد فإن الأمر يبدو وكأن الألمان يعشقون تعذيب الذات عندما يعارضون إستراتيجية البنك المركزي الأوروبي. وبالتالي فلماذا كل هذه المعارضة للبرنامج في ألمانيا؟

أسباب الرفض
يكمن جزء من الإجابة على هذا السؤال في الثقافة الألمانية القوية القائمة على سياسة الاستقرار، التي تكاد تعطي الأسبقية دوماً للقواعد الثابتة وليس للاجتهاد. فالنجاح قد يعني الفشل إذا تحقق بأدوات مشكوك فيها. والسبب الثاني هو أن الألمان ضاقوا ذرعاً بكونهم كبش فداء أوروبا، فهم يتحملون اللوم عن العلل التي أصابت جيرانهم، في حين يُطلب منهم خوض المجازفات وتقديم مساعدات مالية سخية.

انعدام الثقة في أوروبا ومؤسساتها بين أهل النخبة الألمانية المثقفة تمتد جذوره عميقاً، حتى إن أي تدبير سياسي أوروبي جديد أصبح يثير الريب والظنون في أن يكون مجرد خطة لاستجلاب المال من ألمانيا

والواقع أن انعدام الثقة في أوروبا ومؤسساتها بين أهل النخبة الألمانية المثقفة تمتد جذوره عميقاً، حتى إن أي تدبير سياسي أوروبي جديد أصبح يثير الريب والظنون في أن يكون مجرد خطة لاستجلاب المال من ألمانيا.

ويكتسب هذا الرأي الآن أرضاً سياسية أيضاً مع الصعود السريع الذي أبداه حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو الحزب المناهض لليورو بشكل صريح، وعلاوة على ذلك فإن عدداً متزايداً من الألمان يريدون، علناً أو سرا، استعادة العملة الألمانية المارك.

والمشكلة هي أن رغبة هؤلاء هذه قد تتحقق. فإذا فرضت المحكمة الدستورية الألمانية قيوداً على برنامج المعاملات النقدية الصريحة فإن العواقب قد تكون وخيمة، لأن هذا من شأنه أن يجعل تعهد البنك المركزي الأوروبي "بالقيام بكل ما يلزم" من دون أية قيمة.

رد فعل الأسواق
ولا شك أن رد الأسواق المالية سوف يكون سريعاً، وهو ما من شأنه أن يحيي مخاوف الصيف الماضي. ومع عجز أي مؤسسة سياسية عن تولي المسؤولية فإن بعض البلدان مثل إيطاليا وإسبانيا ستصبح مرة أخرى على حافة الإفلاس نتيجة للفزع. وقد يسفر هذا عن ركود أوروبي عميق، بل يكاد يكون من المؤكد أن من شأن هذا الأمر أن يجر الاقتصاد الألماني نحو الأسفل ويشكل عودة للوراء بالنسبة لمسار عملية التكامل الأوروبي.

والواقع أنه من غير المرجح أن تقرر المحكمة الدستورية الألمانية حظر برنامج المعاملات النقدية الصريحة، ولكنها قد تستسلم لإغراء فرض بعض القيود على البنك المركزي الأوروبي فتضع أوروبا بالتالي على مسار يقودها إلى أزمة أشد عمقاً، وحتى إذا امتنعت المحكمة عن فرض قيود فإن المشكلة الأساسية -النفور الألماني المتزايد من كل ما هو أوروبي- لن تختفي.

هناك طريقة واحدة معقولة للمضي قدماً، إذ يتعين على شركاء ألمانيا الأوروبيين، وخاصة فرنسا، أن يسعوا إلى إقناعها بالعودة إلى المشاركة والانخراط في أوروبا وتحمل المسؤولية عن التكامل الأوروبي.

فربما تكون معارضة القادة الألمان لكل اقتراح يتصل بالإصلاح المؤسسي مفهومة الآن، حيث تقترب البلاد من عقد انتخابات عامة في سبتمبر/أيلول المقبل، ولكن بمجرد أن تتولى الحكومة الجديدة مسؤولياتها فإن استمرار رفض ألمانيا لتبني نهج فعال لحل مشاكل أوروبا لن يكون مبرراً على الإطلاق.

ــــــــــــــــ
الرئيس الأسبق لإدارة تحليل السياسات الدولية في البنك المركزي الأوروبي، ورئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية في برلين، وأستاذ الاقتصاد الكلي والتمويل في جامعة هومبولت في برلين حاليا.

المصدر : بروجيكت سينديكيت