عبد الحافظ الصاوي-القاهرة

حجم العلاقات
مشكلات معلومة
مستقبل العلاقات
السيناريو الأسوأ

تبنى العلاقات الاقتصادية بين الدول على أساس المصالح المتبادلة، سواء كانت هذه المصالح مباشرة أو غير مباشرة، ومن هنا فالعلاقات الاقتصادية لـمصر مع دول حوض نهر النيل تعد جزءا لا يتجزأ من المجال الحياتي لمصر الممتد من دول المنبع في حوض النيل، ومروراً بالجارة والشريكة في المصب دولة السودان.

وقضية مياه النيل وما يتبعها من علاقات متنوعة وممتدة لمصر مع دول حوض النيل هي محل اهتمام لدى الدوائر الأكاديمية والدبلوماسية والسياسية في مصر، بل وفي إقليم حوض النيل أجمع. ولكن علاقة مصر بدول حوض النيل مرت بمراحل متعددة، حيث بلغت أوجها في عصر الرئيس عبد الناصر في مرحلة الستينيات، فتنوعت العلاقات في عهده مع دول حوض النيل لتشمل الجوانب السياسية والمساعدة في معارك تحرر الدول الأفريقية من الاستعمار، وكذلك الجوانب التعليمية والثقافية، ثم بدأت في الخفوت في السبعينيات وما بعدها وحتى الآن.

ونتيجة لما آلت إليه العلاقات من ضمور من جانب مصر تجاه دول حوض النيل في فترة ما بعد الستينيات، وبخاصة على مدار العقود الثلاثة الماضية، عبثت مخططات كثيرة بدول حوض النيل ودخلت هذه المخططات عبر المساعدات الاقتصادية وتقديم المعونات الفنية والمالية، لتستهدف التأثير بشكل مباشر على حصة مصر من مياه نهر النيل.

وبالمقابل لم تكن القاهرة على مستوى التحدي، على الرغم من المشاهد والدلائل للمخططات التي تستهدفها في دول حوض النيل، فعلى الأقل كان التحدي يفرض عليها أن تحافظ على وجودها، إن لم تكن ظروفها تسمح بمزيد من تقديم الدعم لدول حوض النيل.
علاقات مصر مع دول حوض النيل بلغت أوجها في عصر عبد الناصر في مرحلة الستينيات، فتنوعت العلاقات في عهده ثم بدأت في الخفوت في السبعينيات وما بعدها وحتى الآن

فالوجود الاقتصادي لمصر مع دول حوض النيل يمكن أن يكون متعدد الوجوه سواء في صور الدعم الفني في مجالات التعليم والتدريب وتقديم الاستشارات الفنية وإنجاز دراسات الجدوى لمشروعات قومية تهتم بها دول حوض النيل، أو من خلال حركة تجارية نشطة، أو إقامة بعض الاستثمارات التي تحتاجها دول حوض النيل.

وقد يساعد مصر على القيام بهذا الدور اتساع دور القطاع الخاص المصري في الحياة الاقتصادية، أو أن تستفيد القاهرة من وجود الاستثمارات العربية الملحوظ في دول حوض النيل، فتكون عون مصر في دعم وتوطيد علاقاتها بدول حوض النيل.

حجم العلاقات
وفيما يلي نلقي الضوء على واقع العلاقات الاقتصادية لمصر مع دول حوض النيل، ثم نتناول بالتحليل هذه العلاقة مع بيان ما يعتريه من خلل وما ينبغي عمله مستقبلًا، بما يساعد على تحقيق مصالح اقتصادية واجتماعية ينتج عنها واقع سياسي جامع ومستديم لعلاقة مصر مع دول حوض النيل.

وقبل الحديث عن حجم التبادل التجاري أو الاستثمارات البينية لمصر مع دول حوض النيل فإن الأرقام الصماء لا تعكس علاقات إيجابية، فقد كانت بعثات الأزهر والكنيسة من مصر إلى دول حوض النيل لها مفعول إيجابي، كما كان للبعثات التعليمية التي تستقبلها مصر دور في صناعة القرار تجاه قضايا دولية وإقليمية، حيث كانت دول الحوض بشكل خاص ودول أفريقيا بشكل عام تساند القضايا المصرية والعربية في ضوء ما قدمته مصر من مساعدات مادية ومعنوية لهذه الدول.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى بلوغ صادرات مصر لدول حوض النيل مع نهاية عام 2011 نحو مليار دولار، بانخفاض نسبته 4.9% عما كانت عليه الوضع عام 2010. ووصلت قيمة الواردات المصرية من دول حوض النيل ستمائة مليون دولار بزيادة نسبتها 60.4% عما كان عليه الوضع عام 2010.

ويلاحظ أن حجم التبادل التجاري شديد التواضع، فإذا تجاوزنا وقلنا إنه يبلغ 1.8 مليار دولار، فهو لا يمثل إلا 2.5% من حجم التبادل التجاري لمصر مع العالم بالعام نفسه والمقدر بنحو 75 مليار دولار.

ومع الأخذ بالاعتبار أن مجموعة دول حوض النيل تضم عشر دول منها مصر، ونسبنا حجم التبادل التجاري لمصر مع الدول الشقيقة التسع في حوض النيل فنجد أن متوسط نصيب كل دولة لا يزيد على مائتي مليون دولار من حجم التبادل التجاري مع مصر.

ويتضح حجم ضآلة التبادل التجاري لمصر مع دول حوض النيل إذا ما علمنا أن بيانات عام 2011 تشير إلى استحواذ السودان وكينيا على النصيب الأكبر من التبادل التجاري لمصر مع دول حوض النيل، فقد استحوذ السودان على 52% من صادرات مصر لدول الحوض ونسبة 6.5% من واردات مصر من دول الحوض، أما كينيا فتستحوذ على 23% من صادرات مصر ونحو 81% من وارداتها، ويعني ذلك أن التبادل التجاري لمصر مع دول الحوض مركز أساساً في دولتي السودان وكينيا.

الدراسات الاقتصادية رصدت منذ فترة وجود مجموعة من المشكلات تعوق العلاقات الاقتصادية لمصر مع الدول الأفريقية عموماً، ومع دول حوض النيل بشكل خاص، ومنها غياب خطوط ملاحية بحرية وجوية

مشكلات معلومة
وتمثل أفريقيا بشكل عام بعداً مهماً للعلاقات الاقتصادية مع مصر، وقد رصدت الدراسات الاقتصادية منذ فترة وجود مجموعة من المشكلات تعوق العلاقات الاقتصادية لمصر مع الدول الأفريقية بشكل عام، ومع دول حوض النيل بشكل خاص، ومنها عدم وجود خطوط ملاحية بحرية وجوية بين الطرفين.

وقد تم عام 2007 إيقاف خطوط مصر للطيران إلى إثيوبيا وتنزانيا، وهما من دول حوض النيل، يضاف إلى ذلك ندرة المعارض المصرية في أفريقيا وغياب الدراسات التسويقية عن السوق الأفريقية، وارتفاع تكلفة الشحن لأفريقيا نظراً لاحتكار شركات أوروبية وآسيوية لسوق الشحن إلى أفريقيا، وأيضاً لضعف الخدمات البنكية بين الطرفين.

كل هذه المشكلات ترصدها دراسات لوزارتي التجارة والصناعة في مصر، ولكن السؤال هو: ماذا تم عمله بعد رصد هذه المشكلات؟ فالوجود المصري في أسواق دول حوض النيل ليس ترفًا، كما أن توقيع مصر على اتفاقية الكوميسا لم يحقق الآمال التي علقت عليه، فهذه الاتفاقية لا تضم سوى أربع دول فقط من دول الحوض.

ومن الخطأ الاستمرار في التعامل مع دول الحوض في إطار المعاملة بالمثل، فعلى مصر أن تنفتح اقتصادياً على هذه الدول، حتى تشعر بوجودها وليتسنى لها مواجهة المخططات التي تدار ضدها في دول حوض النيل. وعلى الطرفين أن يستوعبا أن علاقتهما لا بد أن تدار في إطار من المصالح المتبادلة، وأن هناك اتفاقيات دولية تحكم التعامل مع ملف مياه النيل، ومن الصعوبة بمكان أن يستأثر طرف بالمصلحة الكاملة دون الطرف الآخر.

مستقبل العلاقات
وبالتالي فنحن أمام سيناريوهين، الأول تفعيل الملف الاقتصادي وتبادل المصالح، والثاني محاولة أحد الأطراف أن يحقق مصلحته الكاملة على حساب منع الطرف الآخر من الحصول على مصالحه وحقوقه.

ومن المناسب لمصر في ظل إداراتها لملف المياه على الأصعدة المختلفة القانونية والدبلوماسية، أن تفعل الملف الاقتصادي لأهميته بالنظر لإحساس شعوب وحكومات دول حوض النيل بأن لهم مصلحة في استمرار العلاقة التاريخية من خلال اقتسام عادل لمياه نهر النيل.

فما المانع أن تقيم مصر مشروعات زراعية وتصنيعا زراعيا في دول حوض النيل تستفيد منها دول حوض النيل؟ وفي الوقت نفسه تنشط العلاقة الاقتصادية بين الطرفين، وتوفر احتياجات مصر من السلع الزراعية، وبذلك تستفيد مصر من مياه نهر النيل في تلك الدول.

نحن أمام سيناريوهين، الأول تفعيل الملف الاقتصادي وتبادل المصالح بين مصر ودول حوض النيل، والثاني محاولة أحد الأطراف أن يحقق مصلحته الكاملة على حساب منع الطرف الآخر من الحصول على مصالحه وحقوقه

وكذلك بإمكان مصر أن تقدم خبراتها في إقامة السدود، وتوفير الكهرباء لدول حوض النيل في حدودها الجغرافية، دون الإضرار بحصة مصر من مياه النهر، مع الأخذ في الاعتبار أهمية عودة الدعم المصري لدول حوض النيل في كافة المجالات.

وثمة دور مهم من الممكن أن تمارسه مصر على الصعيد الدولي من خلال تبني مطالب دول حوض النيل في المؤسسات الاقتصادية الدولية، سواء في مجال الحصول على المساعدات والمنح، على أن تكون القاهرة طرفاً فيها ولو بحصة صغيرة، وكذلك كافة القضايا المتعلقة بالدول الأكثر فقراً والتي تضم معظم دول حوض النيل.

السيناريو الأسوأ
ومن المستبعد أن يتحقق السيناريو الأسوأ وهو إصرار دول المنبع على حرمان مصر من حصتها المقررة من مياه نهر النيل بموجب اتفاقيات دولية، لأن المضي قدماً في هذا السيناريو سوف يدخل منطقة الحوض في المزيد من الاضطرابات والقلاقل التي لا تسمح بها الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لجميع الأطراف.

وعلى مصر أن تتحسب لهذا السيناريو لأنه قد يكون أحد مستهدفات المخططات التي عملت بمنطقة الحوض منذ عقود مضت، ولذلك فالأمر يحتاج إلى كثير من الحكمة في التعامل مع محاولات فرض هذا السيناريو.

في الختام يبقى أن نشير إلى ضرورة إخراج كافة الدراسات التي تمت بشأن ترشيد استخدام المياه في مصر إلى حيز التنفيذ، وكذلك الدراسات الخاصة بتحلية المياه، والإسراع في استخدام تطبيقات تكنولوجيا النانو في مجال تحلية المياه، فحتى إذا لم يتم المساس بحصة مصر من مياه نهر النيل والمقدرة بنحو 55 مليار متر مكعب فإنها لم تعد تكفي في ظل التزايد السكاني الذي تشهده البلاد، سيما وأن مصر مصنفة ضمن الدول التي تعاني من خط الفقر المائي بمتوسط استهلاك سنوي للفرد بلغ 660 مترا مكعبا.
ــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة