السيطرة على العملة الصينية
آخر تحديث: 2013/5/3 الساعة 14:32 (مكة المكرمة) الموافق 1434/6/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/5/3 الساعة 14:32 (مكة المكرمة) الموافق 1434/6/23 هـ

السيطرة على العملة الصينية



تشانغ مونان

- عوامل التقييم
- حلقة مفرغة
- مهام العملة

من المؤكد تماماً أن بكين تفرط في إصدار عملتها المحلية اليوان، ولكن السبب وراء نمو السيولة الضخم لدى الصين والإستراتيجية الأكثر فعالية للسيطرة عليه هي أمور تظل أقل وضوحاً، والواقع أن العقد الماضي كان بمثابة "العصر الذهبي" للنمو الاقتصادي المرتفع والتضخم المنخفض في الصين. فمن العام 2003 إلى 2012 بلغ متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي في الصين 1.05%، في حين ارتفعت الأسعار بنسبة 3% فقط سنويا.

ولكن تظل السرعة غير المسبوقة وحجم التوسع النقدي في الصين مصدر قلق، لأن هذا قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم ونشوء فقاعات أسعار الأصول ونمو الديون وتدفق رأس المال نحو الخارج.

وتُظهِر بيانات بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) أن المعروض النقدي العريض بلغ 97.4 تريليون يوان (15.6 تريليون دولار)، أي 188% من الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من نهاية العام الماضي. وعلى سبيل المقارنة فالمعروض النقدي العريض في الولايات المتحدة يبلغ نحو 63% من الناتج المحلي الإجمالي فقط.

ووفقاً لبنك ستاندرد تشارترد فإن الصين تحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث إجمالي المعروض النقدي العريض والعملة المصْدَرة حديثا، ففي 2011 كانت بكين تستحوذ على ما يقدر بنحو 52% من السيولة المضافة في العالم.

وفق بيانات بنك ستاندرد تشارترد فإن الصين تحتل المرتبة الأولى عالمياً من حيث إجمالي المعروض النقدي العريض والعملة المصْدَرة حديثا، ففي 2011 كانت بكين تستحوذ على ما يقدر بنحو 52% من السيولة المضافة في العالم

عوامل للتقييم
ولكن المقارنة الأفقية للقيم المطلقة لا تكفي لتقييم الحجم الحقيقي للإصدارات النقدية في الصين، فلا بد من وضع عوامل أخرى عديدة في الحسبان، بما في ذلك البنية المالية للصين ونماذج التمويل ومعدل الادخار ومرحلة التنمية الاقتصادية، فضلاً عن العلاقة بين العملة والتمويل في الصين.

إن الإصدار الاقتصادي المكثف للنقود في الصين يشكل عاملاً رئيسياً في دفع المعروض النقدي لديها إلى الازدياد، ولكن الارتفاع الحاد الذي سجله معدل إصدار النقود في ثاني أكبر اقتصادات العالم لا يمكن الحكم عليه في مقابل المعدلات المرتفعة الثابتة لدى الدول المتقدمة من دون أن نضع في الحسبان أن عملية إصدار النقود في الصين بدأت في وقت متأخر عنها كثيراً، وأنها تتسم ببنية متميزة وقاعدة مؤسسية.

عندما بدأت بكين في تحرير الاقتصاد وتعميق الإصلاحات وأصبحت متجهة أكثر نحو اقتصاد السوق عملت الحكومة على تيسير التسييل المستمر للموارد بما في ذلك الموارد الطبيعية واليد العاملة ورأس المال والتكنولوجيا، وذلك من خلال ضمان تسليمها بشكل ثابت إلى السوق.

ولقد أدى هذا الأمر لارتفاع الطلب على العملة، وهو ما نتج عنه توسع للقاعدة النقدية، في ظل مُضاعِف مالي -بمعنى التأثير على الإقراض من قِبَل البنوك التجارية- عمل أيضاً على زيادة المعروض النقدي.

ومع اعتماد الناتج المحلي الإجمالي بشكل متزايد على الاستثمار الذي تقوده الحكومة، فقد استمر الطلب على العملة في الارتفاع. والواقع أن التوسع السريع في الائتمان المصرفي والذي كان مطلوباً لتمويل الاستثمار الحكومي الذي ارتفعت معدلاته إلى عنان السماء يعمل على زيادة كم السيولة في النظام المالي في الصين.

حلقة مفرغة
ونتيجة لهذا فقد تضاعف المعروض النقدي العريض في الصين في السنوات الأربع الماضية، والذي تعزز بفعل حزمة التحفيز التي بلغت في مجموعها أربعة تريليونات من اليوان في عامي 2008 و2009.

ويتفاقم هذا الاتجاه بفعل تراجع كفاءة الموارد المالية في قطاع الدولة، وهو نتاج لقيود الموازنة التي يفرضها ضمناً رأس المال الرخيص الذي يسهل الوصول إليه، وبالتالي فإن الحفاظ على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي يتطلب حجماً متزايداً من الائتمان ومعروضاً نقدياً ينمو باستمرار.

وبهذا أصبحت بكين عالقة في حلقة مفرغة من إصدار العملة، حيث يشجع نمو الناتج المحلي الاستثمار وهو ما يعزز بدوره الطلب على رأس المال. وهذا من شأنه أن يولد السيولة التي تعمل بدورها على تحفيز النمو الاقتصادي.

بكين أصبحت عالقة في حلقة مفرغة من إصدار العملة، حيث يشجع نمو الناتج المحلي الاستثمار وهو ما يعزز بدوره الطلب على رأس المال، وهذا من شأنه أن يولد السيولة التي تعمل بدورها على حفز النمو الاقتصادي

ويكمن مفتاح السيطرة على التوسع النقدي في الصين في توضيح العلاقة بين العملة (البنك المركزي) والتمويل (القطاع المالي)، وبالتالي منع الحكومة من الاضطلاع بدور هيئة ثانية لإصدار العملة. ووفقاً لبان جونغ شينغ -نائب محافظ بنك الشعب الصيني- فإن العلاقة بين البنك المركزي والقطاع المالي تستلزم تقسيم العمل وفرض نظام للضوابط والتوازنات.

ومن الناحية النظرية فإن القطاع المالي يقوم بدور محاسب للخزينة والحكومة، في حين يضطلع بنك الشعب الصيني بدور أمين صندوق الحكومة. ورغم ذلك فإن العلاقة بين العملة والتمويل في الممارسة العملية تظل غامضة، حيث يؤدي الطرفان وظائف شبه مالية.

مهام العملة
ويعكس الدين الحكومي الرسمي المنخفض في الصين إلى حد كبير الدور الذي تلعبه العملة في مهام شبه مالية، ولا يظهر الأمر فقط فيما يتصل بتكاليف الشطب المترتبة على إصلاح البنوك الحكومية، بل وأيضاً في الاستحواذ على الديون الرديئة لدى البنوك عن طريق تمويل الأوراق التجارية وشراء سندات شركات إدارة الأصول، والواقع أن مثل هذه الأنشطة تضر بميزانية بنك الشعب الصيني وتقيد السياسة النقدية.

ومن ناحية أخرى، يؤدي هذا التمويل وظائف شبه مالية من خلال استبعاد الودائع المالية الحكومية من المعروض النقدي ويتعلق الأمر بودائع الحكومة لدى الخزينة ومدخرات البنوك التجارية وأموال الخزينة المركزية التي تدار من خلال ودائع البنوك التجارية. ونظراً لحجم الودائع المالية الضخم -والتي بلغ مجموعها 2.4 تريليون يوان (3.3% من المعروض النقدي العريض) في نهاية 2010- فإن تأثيرها على المعروض النقدي لا يمكن تجاهله.

إن توضيح العلاقة بين العملة والتمويل يشكل ضرورة أساسية لضمان أن تكون كل العملة المُصدرة حديثاً مدعومة بالأصول. ويصبح بالإمكان معالجة الإفراط في إصدار العملة على المدى البعيد فقط من خلال فرض قيود ميزانية أكثر صرامة على القطاع الحكومي، والحد من التوسع المالي وتقليل الاعتماد على الاستثمار الذي تقوده الحكومة.

ــــــــــــــ
زميلة مركز معلومات الصين، وزميلة مؤسسة الصين للدراسات الدولية، وباحثة لدى منبر الصين لأبحاث الاقتصاد الكلي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت
كلمات مفتاحية: