البرلمان الإسباني شهد سجالات حادة بشأن السياسات الاقتصادية

آمن عجاج-مدريد

ما زالت الأزمة الاقتصادية وسبل معالجتها تثير الجدل بين الأحزاب السياسية في إسبانيا، ومن الطبيعي وجود خلاف بين الحكومة والمعارضة إزاء سبل الخروج منها، إلا أن اختلافات وجهات النظر امتدت حتى طالت صفوف الحزب الشعبي الحاكم وطفت على السطح هذا الأسبوع.

ففي تصريحات له عارض رئيس الحكومة الأسبق والرئيس الشرفي للحزب الشعبي خوسيه ماريا أزنار السياسة المالية التي تتبعها الحكومة، وانتقد ضمنا مسؤولي تلك السياسة الذين كان من بينهم وزراء في حكومته، وطالب بخفض الضرائب "الآن" لحفز الاقتصاد.

والتقطت أحزاب المعارضة تلك التصريحات لتشن هجوما حادا الأربعاء على الحكومة وسياساتها الاقتصادية في جلسة الرقابة على أعمال الحكومة بالبرلمان، ولتواصل المطالبة بالتخلي عن سياسات التقشف وبخفض الضرائب.

وهي السياسات التي ترى المعارضة أنها السبب الرئيسي في ركود الاقتصاد الإسباني المتواصل منذ العام الماضي، والذي لا تشير التوقعات الاقتصادية المحلية والعالمية إلى بوادر خروج منه حتى نهاية العام الجاري.

وحسم وزير المالية كريستوبال مونتورو الجدل في البرلمان مؤكدا أنه يتمنى خفض الضرائب، إلا أنه أقر باستحالة ذلك في ظل الركود الاقتصادي القائم ومعدلات النمو السلبي للاقتصاد الإسباني.

واعترف الوزير بعدم وجود طريقة للنكوص عن مواصلة سياسات التقشف والسياسة الضريبية الحالية حتى ينخفض عجز الموازنة، وهو ما سيؤدي إلى تحقيق نمو اقتصادي يسمح بخفض الضغوط الضريبية على المواطنين.

دييث مؤلف كتاب "هناك حياة بعد الأزمة"

حلول
ولم يبق خبراء الاقتصاد بمعزل عن هذا الجدل السائد بين الساسة، فكثير منهم يؤيد "حرفيا" طرح مونتورو، إلا أن هناك فريقا آخر يختلف تماما مع الوزير.

والتقت الجزيرة نت بالأستاذ بجامعة "إيكادي" للدراسات الاقتصادية في مدريد خوسيه كارلوس دييث، وهو أحد أشد المعارضين للسياسات الاقتصادية الحكومية، وأصدر كتابا يفند فيه سياسات الحكومة يحمل عنوان "هناك حياة بعد الأزمة".

وينصح دييث بتطبيق سياسات تدعم النمو، وبالتالي تطبيق سياسات حفز مالية وضريبية، إضافة إلى إعادة هيكلة الديون وإبقاء معدل التضخم تحت السيطرة وخفض سعر العملة -وهو أمر بيد الاتحاد الأوروبي- لتنشيط النمو عبر الصادرات.

وقال الأستاذ الجامعي إن هذا هو ما فعلته الولايات المتحدة وأدى إلى استحداث ستة ملايين وظيفة منذ عام 2009، وفعلت اليابان الشيء نفسه مؤخرا فحققت نموا نسبته 3.5%. أما أوروبا فتفعل نقيض ذلك تماما.

واستطرد أن دول الاتحاد الأوروبي تطبق خططا تقشفية في آن واحد، وليس هناك توجه لخفض سعر العملة، فعاد سعر اليورو مرة أخرى إلى مستوى 1.30 دولار، وحتى إعادة هيكلة الديون يقوم بها الاتحاد بصورة سيئة مثلما حدث في حالة قبرص، والنتيجة هي تواصل ارتفاع معدلات البطالة في أوروبا.

واعتبر أن بطء الاتحاد في اتخاذ القرارات وعدم قيامه بأي إجراءات لإصلاح تلك الأوضاع، ستكون له كلفة عالية ومخاطر قد تصل إلى حد تفكك اليورو واختفائه، وهو أمر ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

كتاب "هناك حياة بعد الأزمة"
يشرح الأزمة الاقتصادية في إسبانيا

جذور الأزمة
ويرى دييث أنه إذا تم تطبيق سياسات تدعم النمو في إسبانيا ومزيد من الإصلاحات في القطاع المصرفي ليتمكن من الحصول على التمويل بصورة طبيعية من الأسواق المالية العالمية، فإن ذلك سيسهل تقديم المصارف قروضا للشركات والمواطنين وبهذا يعود الاقتصاد الإسباني إلى النشاط.

وأشار إلى أن كتابه "هناك حياة بعد الأزمة" يشرح جذور الأزمة الاقتصادية الراهنة ويُفصِّل جدوى السياسات الآنفة الذكر المقترحة للخروج من الأزمة على المستوى العالمي والأوروبي والإسباني، مع التركيز على الحالة الإسبانية التي لا يمكن حلها إلا بالأخذ في الاعتبار عوامل العولمة وعضوية إسبانيا في الاتحاد الأوروبي، وأكد أن هناك حلولا للأزمة وأنها ليست نهاية العالم، بل إن هناك "حياة بعد الأزمة".

واختتم دييث بالقول إنه ينبغي أن يفهم المواطن الأزمة الاقتصادية وبهذا ينخفض شعوره بالخوف، وإن يجب القضاء على هذا الخوف لأنه يشل الاقتصاد، وكما قال روزفلت "علينا ألا نخاف إلا من الخوف".

وأضاف أن كتابه أورد حججا يراها صائبة، فإذا قبلها المواطن واقتنع بها فسيضغط على الحكام والساسة لتغيير السياسات الاقتصادية المتبعة التي ترسخ الركود والأزمة الحالية.

المصدر : الجزيرة