ريتشارد كوبر وريتشارد دوبس

الإبداع في هانغ تشو يحدد المسار
ميزتان لتجارة التجزئة الإلكترونية الصينية
20% من السوق تحت سيطرة الخمس الكبرى

الإبداع في هانغ تشو يحدد المسار
عندما تفكر في مراكز الإبداع التكنولوجي، فلعل أول الأماكن التي تتبادر إلى ذهنك هي وادي السليكون، وسياتل، وسول. فهي في نهاية المطاف مواطن أمازون، وأبل، وفيسبوك، وغوغل، وإنتل، وميكروسوفت، وسامسونغ، تلك الشركات التي كانت إبداعاتها سبباً في تغيير الطريقة التي تزاول بها قطاعات أخرى -من الخدمات المالية إلى الاتصالات ووسائل الإعلام- عملها.

لكن مع صعود تجارة التجزئة الإلكترونية (التجارة الإلكترونية التي تتعامل مع المستهلك بشكل مباشر) في الصين، أصبح بوسع هانغ تشو -مقر سلسلة "علي بابا"، أكبر متاجر بيع التجزئة على شبكة الإنترنت في الصين- أن تنضم إلى مثيلاتها من المدن.

والواقع أن سلسلة متاجر "على بابا" أشارت في التاسع والعشرين من أبريل/نيسان إلى طموحاتها عن طريق شراء حصة 18% في سينا ويبو، النسخة الصينية من تويتر. وكما هي الحال مع مراكز التكنولوجيا الأخرى، فإن الإبداع الذي يولد في هانغ تشو يحدد مسار تطور الصناعات المرتبطة به.

 بحلول عام 2020 من المرجح أن يبلغ حجم سوق تجارة التجزئة الإلكترونية في الصين مجموع حجم مثيلاتها في الولايات المتحدة، واليابان، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا.

إن سوق تجارة التجزئة الإلكترونية في الصين هي ثاني أكبر سوق من نوعها (بعد سوق الولايات المتحدة)، حيث قدرت عائداتها في العام الماضي بنحو 210 مليارات دولار.

ومنذ عام 2003 سجلت السوق معدل نمو سنوياً مجمعاً تجاوز 110%. وبحلول عام 2020 فمن المرجح أن يبلغ حجم سوق تجارة التجزئة الإلكترونية في الصين مجموع حجم مثيلاتها في الولايات المتحدة، واليابان، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا.

وبرغم أن معدل انتشار اتصالات النطاق العريض لا يتجاوز 30%، فإن تجارة التجزئة الإلكترونية سيطرت على ما بين 5% و 6% من إجمالي مبيعات التجزئة في الصين في عام 2012، لتتساوى بذلك مع الولايات المتحدة.

وقد أصبح هذا القطاع مربحاً بالفعل، حيث يسجل تجار التجزئة الإلكترونية الصينيون هوامش ربح تتراوح بين 8% و 10% قبل الفوائد والضرائب واستهلاك الدين، وهذا أكبر قليلاً من متوسط هامش ربح تجار التجزئة التقليدية.

ميزتان لتجارة التجزئة الإلكترونية الصينية
وتبرز ميزتان لتجارة التجزئة الإلكترونية الصينية، الأولى أن ما يقرب من 90% من هذه التجارة في الصين يدار في أسواق افتراضية تمولها الإعلانات. وعلى هذه المنصات -التي تشبه "إي باي" وسوق أمازون- يعرض المصنعون، وتجار التجزئة، والأفراد منتجاتهم وخدماتهم على المستهلكين من خلال واجهات المحال على شبكة الإنترنت.

وعلى النقيض من هذا في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، يتألف نحو 70% من السوق من تجار التجزئة الإلكترونية الذين يديرون مواقعهم الخاصة على شبكة الإنترنت، سواء التجار على شبكة الإنترنت فقط مثل أمازون، أو تجار التجزئة التقليديين الذين يملكون مواقع مادية للبيع مثل كارفور، وديكسونز، ووالمارت.

وعلاوة على ذلك -ووفقاً لدراسة أجراها معهد ماكنزي العالمي- فإن عمليات الشراء في الصين لا تحل ببساطة محل المشتريات التقليدية. بل إن تجارة التجزئة الإلكترونية تدعم استهلاكاً إضافياً متزايدا: فكل دولار من الاستهلاك على شبكة الإنترنت يولد نحو أربعين سنتا كمبيعات إضافية.

والواقع أن الإنفاق المضاف كحصة من إجمالي الإنفاق أعلى حتى في المدن الأقل نمواً في الصين، حيث يعني نقص محال بيع التجزئة المادية أن التسوق على شبكة الإنترنت يوفر القدرة على الوصول إلى منتجات وماركات ما كانت لتصبح متاحة لولا ذلك.

إن الاستهلاك الجماهيري في الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة يقترب من بلوغ مرحلة النضوج في عصر الإنترنت. ولأن هياكل الصناعة ما زالت تتطور في العديد من هذه الدول، فإن تجارة التجزئة الإلكترونية لا تعمل على تشكيل مشهد البيع بالتجزئة فحسب، بل وأيضاً الصناعات المرتبطة بالتصنيع والخدمات المالية، بل وحتى المشهد الحضري ذاته.

وفي أغلب دول العالم، سجل قطاع البيع بالتجزئة غالباً نمواً مر بثلاث مراحل: فأولاً كانت الهيمنة للاعبين المحليين أو الإقليميين، قبل أن يتولى عدد أصغر من الشركات الوطنية الأمر، حيث بات بوسع تجار التجزئة الإلكترونية في نهاية المطاف أن يتحدوا الشركات التقليدية.

20% من السوق تحت سيطرة الخمس الكبرى
لكن الصين تفتقر إلى عدد أكبر من الشركات الوطنية القيادية، حيث يسيطر تجار التجزئة الإلكترونية الخمسة الأكبر في الصين على أقل من 20% فقط من السوق، مقارنة بنحو 60% في الولايات المتحدة.

وتأتي شركات مثل "علي بابا" (التي تمتلك أسواقاً مثل تاو باو) و"360 باي" (التي تركز على الإلكترونيات) بين أكبر عشر شركات تجزئة في الصين، وتوفر بالفعل التغطية الوطنية عبر شركات التسليم السريع. ونتيجة لهذا فإن قطاع بيع التجزئة في الصين يبدو من المرجح أن يتبع مسار تنمية من مرحلتين، حيث تبرز شركات التجزئة الإلكترونية بوصفها اللاعب الوطني الرئيسي.
النهج الذي تتبناه الصين في التعامل مع تجارة التجزئة الإلكترونية يوشك أن يصبح من بين القوى التي تشكل ثورة الإنترنت في الأسواق الناشئة في القرن الحادي والعشرين.

إن القدرة التي تتيحها الأسواق على شبكة الإنترنت للاعبين الجدد لاكتساب القدرة على البروز على المستويين الوطني والدولي -من دون الحاجة إلى استثمارات أولية ضخمة- كفيلة بإحداث تأثير عميق على الكيفية التي يتعامل بها كل من تجار التجزئة والمصنعين مع أسواق المستهلكين الجديدة. على سبيل المثال، استخدمت شركة التجزئة اليابانية يونيكلو مثل هذه الأسواق للتوسع في الصين في عام 2009.

وعلى نحو مماثل -عن طريق إزالة بعض الفوائد المترتبة على الحجم والتخصص، والتي تميز صناعة السلع الاستهلاكية في أماكن أخرى- تعمل تجارة التجزئة الإلكترونية على تمكين المصنعين الجدد من الانضمام إلى السوق، لبيع سلع مثل الملابس ومستحضرات التجميل مباشرة من الورش والمصانع إلى المستهلكين.

وتستغل مثل هذه الشركات أيضاً قدرتها على الوصول إلى قاعدة عريضة، وعلامات تجارية معترف بها على نطاق واسع، من أجل توسيع دورها في قطاع الخدمات المالية.

وأخيرا، تستطيع تجارة التجزئة الإلكترونية أن تعمل على تشكيل التنمية الحضرية وتحويل الأنشطة الترفيهية في الصين. ذلك أن المراكز الحضرية في مختلف أنحاء العالم تدور حول المناطق التجارية، سواء في الشوارع الرئيسية أو عند مجمعات التسوق، حيث ينظر العديد من المستهلكين إلى التسوق باعتباره نشاطاً ترفيهيا.

ومن المرجح أن يتطلب تطور الصين شوارع رئيسية ومجمعات تسوق أصغر، مع تواجد مراكز توزيع كبيرة بالقرب من حدود المدينة. وسوف يقضي المواطنون المزيد من الأوقات الحرة في ممارسة أنشطة أخرى، مثل تناول الطعام خارج المنزل. وقد تعمل كل هذه التغيرات على تغيير استخدامات العقارات وتسعيرها.

ومن المرجح أن تتبع أسواق ناشئة أخرى مساراً مماثلا. إن شركات التجزئة الإلكترونية تستخدم الآن بالفعل المزايا التي تتمتع بها في تصدير المنتجات من مصانع البلاد لكي تتوسع دوليا. وتتبنى الشركات في بلدان أخرى نموذج أعمال مماثلاً على الإنترنت.

لعل الصين لم تلحق بالثورة الصناعية في القرن التاسع عشر. لكن النهج الذي تتبناه في التعامل مع تجارة التجزئة الإلكترونية يوشك أن يصبح من بين القوى التي تشكل ثورة الإنترنت في الأسواق الناشئة في القرن الحادي والعشرين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ريتشارد كوبر أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة هارفارد. ريتشارد دوبس مدير معهد ماكينزي العالمي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت