محمد عبد الله العريان

 
- استجابة الأسواق
- الشيخوخة والديون
- شرطان إضافيان
- تفاعل الدول

بعد سنوات من التعديلات الطفيفة المزعجة، شرعت اليابان الآن في إدخال تغيير كبير على نموذجها فيما يخص السياسات المتبعة، في ظل ردود فعل تتراوح بين التفاؤل الكبير بأن البلاد ربما تُنتَشَل أخيراً من ربع قرن من الركود، وبين المخاوف من أن يؤدي تغيير السلطات للمسار على هذا النحو الجذري لتصبح الأمور أكثر سوءا، ولكن في حين تركز المناقشة بطبيعة الحال على تحركات اليابان الاقتصادية والمالية والسياسية فإن نقطة التحول قد تكمن في الخارج.

فقد تبنت حكومة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الجديدة نهجاً ثورياً (وليس تطورياُ) في التعامل مع السياسة الاقتصادية، ويوظف هذا النهج عِدة مبادرات، اعتُبِر بعضها ذات يوم غير محتمل أو لا يمكن تصوره أو حتى غير مرغوب فيه.

فمن مضاعفة المعروض النقدي إلى تقديم حوافز مالية إضافية وإصلاحات بنيوية واسعة النطاق يشكل النموذج الجديد على أقل تقدير واحدة من أكثر تجارب السياسات الاقتصادية جرأة في تاريخ اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولإظهار الجدية تحرك المسؤولون اليابانيون بسرعة للالتزام بأهداف قابلة للقياس، ففي جانب سياسة المدخلات حدد هؤلاء وبدؤوا في تنفيذ عمليات شراء لأوراق مالية بقيمة 75 مليار دولار شهريا (ما يعادل ثلاث مرات ما يشتريه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي حاليا بموجب نظامه غير التقليدي في التعامل مع السياسة النقدية).

حكومة شينزو آبي الجديدة تبنت نهجاً ثورياً بالتعامل مع السياسة الاقتصادية، مما يوظف مبادرات اعتُبِر بعضها ذات يوم غير محتمل أو لا يمكن تصوره

وفي الجانب المتعلق بالإنتاج، وبعد سنوات عديدة من الانكماش المستمر (تراجعت الأسعار بنسبة 00.5% الشهر الماضي) تستهدف اليابان الآن معدل تضخم في حدود 2% في غضون عامين، وبالتالي تسلط الضوء على التزامها بتفادي التوقف المبكر عن سياسة الدعم النقدي للنمو.

استجابة الأسواق
وبالفعل استجابت الأسواق المالية بلهفة وابتهاج لهذه السياسة، فقد ارتفعت سوق الأسهم اليابانية بنسبة مبهرة بلغت 55% منذ بدأت المستثمرون يلتقطون إشارات عن وقوع تحول نوعي في السياسات، وفي الوقت نفسه انخفض سعر الين الياباني بشكل حاد حيث تراجع بأكثر من 20% مقابل العملة الأوروبية المتعثرة.

وتشكل هذه الاستجابة جزءاً من آلية التغيير بالنسبة لسياسات الحكومة اليابانية، ويستفيد المستثمرون المحليون من ارتفاع سوق الأوراق المالية، ما يجعلهم أكثر ميلاً إلى إنفاق المزيد (وهو ما يطلق عليه خبراء الاقتصاد وصف "تأثير الثروة"). وهذا بدوره لابد أن يعيد إحياء "الغرائز الحيوانية" لدى الشركات، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع الاستثمارات في المصانع والمعدات الجديدة، بالموازاة مع ارتفاع الأجور (القطاع الخاص) والرواتب (القطاع العام).

وهذه بالطبع نفس الآليات التي استعان بها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على مدى ثلاث سنوات تقريباً ضمن محاولاته الرامية لتحفيز النمو في الولايات المتحدة. وكانت نتائج الاقتصاد الكلي أقل من التوقعات، وهناك من الأسباب ما يجعلنا نعتقد أن السياسة النقدية في اليابان ستكون كافية وحدها لإحداث التغيير.

الشيخوخة والديون
وتسهم شيخوخة السكان في اليابان في كبح الأثر المحتمل لكل من "تأثير الثروة" و"الغرائز الحيوانية"، كما أن الموارد في البلاد هي أقل مرونة مقارنة بما هو الوضع في الولايات المتحدة، وأسعار الفائدة منخفضة، وتبدو أن تجربة خفض التضخم أصبحت تترشح في اليابان، غير أنه بالنظر إلى ارتفاع مستوى المديونية العامة فإن حجم مخاطر الأضرار الجانبية والآثار غير المرجوة من المحتمل أن تكون أكبر.

ومع بلوغ الإجمالي العام للديون الحكومية في اليابان نسبة 238% من الناتج المحلي الإجمالي يخشى البعض أن تواجه طوكيو خطر التفكك الاقتصادي والمالي، كما أن فشل تجربتها في السياسات المتبعة ستدفع القطاع الخاص -الذي كان يظهر تقليدياً انحيازاً كبيراً للسوق المحلية- لسحب استثماراته من اليابان.

مع بلوغ الديون الحكومية نسبة 238% من الناتج المحلي الإجمالي يخشى البعض أن تواجه اليابان خطر التفكك الاقتصادي والمالي

وهذا لا يعني أن ثورة السياسات في اليابان ستكون محبطة بالضرورة، ولكنه يعني أن حتى لو تم الاعتقاد بأن تدخلات بنك اليابان المركزي ضرورية لإخراج البلاد من عثرتها الاقتصادية، فمن المؤكد أن هذه التدخلات تبقى غير كافية.

شرطان إضافيان
إن التجربة الحالية لليابان تتطلب استيفاء شرطين إضافيين إذا كان لها أن تتجنب سلوك السبيل نفسه للسياسات الفاشلة السابقة وهما: الإصلاح البنيوي الجاد الذي يعمل بشكل أساسي على تغيير كيفية استجابة وعمل قطاعات من الاقتصاد، وثانيا استمرار دول أخرى في قبول خفض قيمة العملة الضروري لتحويل التأثير المترتب عن الديناميكيات المحلية الأبطأ إلى مكاسب واضحة في حصة السوق العالمية.

ويعتمد تلبية الشرط الأول على المواطنين اليابانيين ومنتخبيهم، والواقع أن الإصلاحات المطلوبة -رغم كونها قابلة للتحقيق- ستمثل اختباراً لعزيمة الحكومة وقدرتها على التنفيذ، فضلاً عن استعداد السكان لتقبل متاعب آنية في مقابل وعود بمكاسب على الأمد البعيد.

أما الشرط الثاني فهو مختلف تماما، إذ يستحيل تحقيقه إلا إذا كانت الدول الأخرى على استعداد للتضحية ببعض دخلها، إما لأنها ليس لديها خيار آخر أو لأنها تعتقد أن تعزيز قوة الاقتصاد الياباني في الأمد المتوسط من شأنه أن يفيد هذه الدول على أساس أن التأثيرات بعيدة المدى على دخلها ستعوضها عن اضطرابات السوق في الوقت الحالي.

ولكن هل تستوعب بقية دول العالم تجربة اليابان الجريئة أم أنها ستتخذ خطوات وقائية فتعرقل بالتالي عمل آليات التغيير الحاسمة؟ برغم أن المؤشرات الأولية مشجعة فإن الحكم النهائي على الأمر لم يظهر بعد.

تفاعل الدول
إن العديد من الدول المعنية بهذه السياسة اليابانية -بما فيها المتضررة من التأثير التجارية (مثل الصين وكوريا الجنوبية وتايوان وبلدان منطقة اليورو)، وتلك المعرضة لتدفقات رأس المال (مثل البرازيل وإندونيسيا والمكسيك)- لم يكن أمامها الوقت الكافي للرد، ذلك أن تغير السياسات في اليابان كان ضخماً ومفاجئا، والعديد من الدول كانت تركز على تحديات معقدة في الداخل.

ولم ينتبه إلى ما يحدث سوى قِلة من البلدان، وخاصة البرازيل والصين وكوريا الجنوبية. ولكن استجاباتها كانت بشكل عام هادئة بفضل نجاح طوكيو في حمل المبادرة التي تقودها الولايات المتحدة في مجموعة العشرين على تصنيف السياسات اليابانية بأنها استخدام لـ "أدوات محلية" لتنفيذ "أهداف محلية".

لم ينتبه إلى ما يحدث في اليابان من تغيير جذري بالسياسات الاقتصادية سوى قلة من البلدان، وخاصة البرازيل والصين وكوريا الجنوبية

وسيكون الأمر مجرد مسألة وقت قبل أن تدرك بقية دول العالم حقيقة مفادها أن تجربة اليابان تؤثر عليها، والأمل معقود على استيعابها للتجربة، استناداً إلى الأدلة التي تشير إلى جدية اليابان في تنفيذ الإصلاحات البنيوية، وسيظهر هذا الاستيعاب في أمرين: عدم اتخاذ تدابير انتقامية، وتنفيذ إصلاحات محلية خاصة بها للتعويض عن الخسارة في الناتج لصالح اليابان. وبعبارة أخرى فإن تزايد حجم الفطيرة لفائدة الجميع سيكون مناسبا للجميع.

والخوف كل الخوف ألا تكون إجراءات اليابان اللاحقة ولا الحقائق المحلية في الدول المتضررة كافية لتبرير المجازفة بخسارة حصة في السوق، سيما في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي ككل، وثمة مشاكل في تنسيق السياسات على المستوى العالمي، وهنا ينطوي الخطر على اندلاع حروب عملات وغير ذلك من الاضطرابات الناجمة عن اتباع سياسات إفقار الجار.

في الوقت الحالي لا توجد بيانات كافية للحديث بشكل قطعي عن النتائج المسجلة، وريثما تظهر أدلة إضافية ينبغي لنا أن نقدر مدى نُدرة الحالات التي قد يتسنى لنا فيها متابعة مثل هذه التحولات الكبيرة في السياسات لحظة بلحظة.

ــــــــــــــ
الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر : بروجيكت سينديكيت