ميناء حيفا من الموانئ الإسرائيلية التي تصدر منها بضائع تركية وعراقية وأردنية (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-أم الفحم

اضطرت تركيا للاستغناء عن التبادل التجاري والنقل البري لبضائعها عبر سوريا للأردن والعراق ودول الخليج، واتفقت مع إسرائيل على نقل بضائعها وتجارتها، والتحرك التجاري للاستيراد والتصدير إلى مينائي حيفا وأشدود بديلاً عن المعابر البرية السورية.

وتأتي هذه الخطوة من تركيا بسبب العراقيل التي يضعها النظام السوري أمام تحرك شاحنات النقل وحجزها لأيام دون مبرر، مع اتساع ظاهرة القرصنة والسطو والسلب التي تعرضت لها الشاحنات التجارية خلال عبورها الأراضي السورية، وانعدام الحماية لها، مما يحول دون انتظام مرور الشاحنات المحملة بالبضائع المستوردة والصادرات، بسبب الأحداث الدموية والمعارك الضارية بين القوات النظامية للرئيس بشار الأسد وعناصر الثوار ممثلة في الجيش الحر.

وكشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في ملحقها الاقتصادي النقاب عن مفاوضات سرية دارت بين تل أبيب وبعض الدول العربية في الجوار، ذكرت منها الأردن والعراق وتركيا، حيث أتت هذه المفاوضات ثمارها في نهاية المطاف، وبموجبها أجازت تل أبيب لأنقرة نقل بضائعها وتجارتها من وإلى عَمان وبغداد ودول الخليج عن طريق إسرائيل.

ويقتصر نقل البضائع على أصناف ومنتجات لا يمكن نقلها جوا، حيث تصل البضائع عبر البواخر وسفن الشحن من تركيا إلى ميناءي حيفا وأشدود لتفرغ، ومن ثم تنقل بشاحنات إسرائيلية إلى معبر الشيخ حسين الحدودي مع الأردن وتتبادل البضائع مع شاحنات عربية من الأردن والعراق تكون بانتظارها هناك، لتعود الشاحنات الإسرائيلية محملة ببضائع عربية لميناءي حيفا وأشدود لتفرغ حمولتها في البواخر التركية.

شحادة: إسرائيل تريد تحويل ميناء حيفا لأكبر ميناء في الشرق الأوسط (الجزيرة نت)

الحرب والسلام
وقال الباحث في الاقتصاد السياسي امطانس شحادة إن هذا التبادل التجاري البري بإسرائيل بين تركيا وبعض الدول العربية ينسجم مع الرؤى الإستراتيجية لإسرائيل بتحويل ميناء حيفا إلى أكبر الموانئ بالشرق الأوسط، ولتكون إسرائيل نقطة مواصلات برية وبحرية للتبادل التجاري ونقل البضائع، وحلقة الوصل ما بين الشرق وأوروبا.

وتقدر هذه التجارة بين إسرائيل وتركيا ودول عربية بعشرات ملايين الدولارات شهريا، وتشرف عليها رسميا سلطات الجمارك الإسرائيلية والأجهزة الأمنية التي تتولى فحص البضائع تحسبا لتهريب الأسلحة والمخدرات.

وأضاف شحادة -في حديثه للجزيرة نت- بأن إسرائيل تستغل الظروف الإقليمية، والأوضاع التي تعصف ببعض الدول العربية، والأحداث الدموية في سوريا، من أجل تحقيق أهدافها لتفتيت وتقويض ما يسمى بـ"محور الشر" بغية تمرير مخططاتها الاستعمارية، والتوسع بالشرق الأوسط، والتغلغل بالعالم العربي اقتصاديا وتجاريا، للاستثمار وجني الأرباح.

ويضيف الاقتصادي الفلسطيني أن سوريا بالنسبة لإسرائيل هي الحلقة الأضعف لتنفيذ مخططاتها، وتل أبيب الأكثر استفادة سياسيا وتجاريا وعسكريا من الأحداث الدموية التي تشهدها سوريا. و"عليه فهي معنية باستمرار الاقتتال واستنزاف سوريا دون انتصار أي طرف".

ولفت إلى أن إسرائيل تتطلع في ظل الظروف الإقليمية لتكون المواصلات البرية والبحرية ذات جدوى اقتصادية، وعاملا جوهريا بالناتج المحلي الإجمالي، أسوة بتصنيع وتجارة السلاح التي تشكل 15% من ناتجها. فتل أبيب تطور الموانئ لتكون بدائل للدول الأوروبية وآسيا عن المعابر البحرية العربية، وتوسع شبكة طرقات سريعة تصل للدول العربية وتستعملها للسلام كرافعة لاقتصادها، ولتوسيع نشاطها التجاري، أو للحرب حتى وإن تراجعت حدة التهديدات الأمنية الإستراتيجية لتل أبيب.

كتانة: إسرائيل مدعوة لعدم استغلال الأوضاع الدموية في سوريا لتحقيق ربح مالي (الجزيرة نت)

مستجدات ومتغيرات
ويرى مدير عام المركز العربي اليهودي للتطوير الاقتصادي حلمي كتانة أن الاعتذار الذي قدمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن الضحايا الأتراك الذي سقطوا بنيران البحرية الإسرائيلية في شهر مايو/أيار 2010، مهد لهذه الخطوة التجارية مع تركيا، والتي ستدر الأرباح على إسرائيل التي تعاني من حالة ركود وانكماش اقتصادي وتجاري.

ورحب كتانة -في حديثه لجزيرة نت- بأي اتفاق اقتصادي من شأنه أن يؤدي لسلام حقيقي في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا وأن هناك اتفاقا غير معلن تحركه الإدارة الأميركية برئاسة باراك أوباما، يقضي باستعادة دور تركيا بالمنطقة كوسيط ولاعب مركزي لتحريك عجلة المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين.

ودعا كتانة إسرائيل إلى أن تأخذ بالحسبان المستجدات والمتغيرات في المنطقة، وتتجه نحو السلام مع الفلسطينيين والاندماج بالشرق الأوسط، وعدم استغلال الظروف والأوضاع الدموية لتحقيق ربح مالي تنعش به اقتصادها.

ورفض المتحدث نفسه التعامل مع القضية السورية من المنظور التجاري والاقتصادي، مؤكدا بأنها "إنسانية من الدرجة الأولى، فاستمرار سفك الدماء -وإن جنت منه بعض الدول الأرباح التجارية- إلا أنه سينعكس سلبا على مجمل الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط برمتها، ولعل الأردن وسوريا ولبنان والعراق أكثر المتضررين".

المصدر : الجزيرة