خواكين ألمونيا-إدواردو بيريز موتا


- جماعات الضغط
- سياسات فاشلة

- نهج شامل
- نموذج أستراليا

منذ بدأت دورة الانحدار الاقتصادي العالمية في العام 2008 تركزت المناقشات حول إستراتيجيات الاقتصاد الكلي والأدوات المستخدمة لمعالجة الأزمة وتعزيز التعافي. ولكن لا ينبغي لنا أن نسمح للجهود الرامية إلى تصحيح اختلالات التوازن ومعالجة التباطؤ القصير الأمد أو الركود -على الرغم من أهمية ذلك- بالتغطية على ضرورة تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق النمو الاقتصادي المتين والمستدام في الأمد البعيد.

حتى وقتنا هذا تحملت سياسة الاقتصاد الكلي اللوم عن الضائقة الاقتصادية وعقدت عليها الأمل في القدرة على التغلب عليها. ولكن يتعين علينا أن نكرس القدر نفسه من الاهتمام للمشاكل المرتبطة بالاقتصاد الجزئي مثل الحوافز الضعيفة وإخفاقات السوق وأوجه القصور التنظيمية، والتي قادتنا في المقام الأول إلى الأزمة العالمية.

وتماماً كما تسببت مشاكل الاقتصاد الجزئي في القطاع المالي في اندلاع أزمة الائتمان وانحدار العالم نحو الركود فإن عوامل الاقتصاد الجزئي تضم في طياتها المفتاح المطلوب لاستعادة التعافي أيضا. وتحتاج العديد من الاقتصادات إلى إصلاح قطاعاتها المالية وإنعاش الائتمان، في حين تحتاج اقتصادات أخرى كثيرة إلى رفع مستويات الإنتاجية من أجل تعزيز النمو وخلق فرص العمل.

وتعاني بعض الصناعات من قيود تنظيمية هدامة وغير مدروسة، وفي حين تضررت صناعات أخرى نتيجة للسلوك الاحتكاري الذي تمارسه شركات مهيمنة، أو لأنها تواجه نقصاً في المنافسة الفعالة والشفافية في المرافق والخدمات المالية. وسوف يساعدنا إصلاح هذه المشاكل في العودة إلى مسار النمو والرخاء لفائدة الجميع.

ولتحقيق هذه الغاية يتعين علينا أولاً أن نتذكر قسم أبقراط وأن نتجنب إلحاق المزيد من الأذى. ويتعين على الحكومات في مختلف أنحاء العالم أن تتجاهل الإغراء المتمثل في السعي لتخفيف حدة المنافسة من أجل إنقاذ صناعات أو مجموعات اقتصادية بعينها.

ولاستعادة النمو يتعين على الحكومات في مختلف أنحاء العالم أن تتجاهل الإغراء المتمثل في السعي لتخفيف حدة المنافسة من أجل إنقاذ صناعات أو مجموعات اقتصادية بعينها

جماعات الضغط
وقد زعم الاقتصادي الأميركي الشهير مانكور أولسون أن الركود الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة ناتج عن التكتلات وجماعات الضغط التي تصبح أكثر عدداً وقوة بمرور الوقت إلى أن تستنزف في نهاية المطاف الدينامية الاقتصادية لأي بلد.

ويعد الحفاظ على بيئة تنافسية حيث تظل الأسواق مفتوحة وعُرضة للمنافسة أفضل وصفة لاستعادة العافية، لأن الشركات في مثل هذه الظروف تصبح مضطرة للإبداع بشكل متواصل وتقديم أداء أفضل دائما، وهذا بدوره يجعل مجتمعاتنا أكثر إبداعا، وأكثر ازدهاراً في نهاية المطاف.

وتحمل الجهود الرامية إلى تخفيف حدة المنافسة وجوهاً عديدة، ولكن كل أوجهها تجعل الاقتصاد أقل إنتاجية وتعيد توزيع الثروة على مجموعات صغيرة منسقة لها مصالح خاصة، وتميل بقوة نحو الضغط على الحكومات.

ويتلخص النهج الأكثر شيوعاً في هذا السياق في فرض تدابير حمائية، والتي كانت تشكل جزءاً من الخطاب السياسي في العديد من الدول في الأعوام الأخيرة. ولكن التدابير الرسمية الرامية لمساعدة المنتجين الوطنيين على حساب عملاء الشركات المحلية والمستهلكين تتسم دوماً بقصر النظر، ذلك أنها تفشل في مساعدة المنتجين في معالجة التحديات التي سيضطرون إلى مواجهتها آجلاً أو عاجلاً.

سياسات فاشلة
وعلى نحو مماثل فإن سيطرة الدولة على الطراز العتيق مثل محاولات "اختيار الفائزين" أو تعزيز قوة الشركات الوطنية الرائدة" أو الاستبقاء على النماذج التجارية الفاشلة عبر مخصصات الدعم الحكومي تبقى ضارة ومحكوما عليها بالفشل. وتظل القيود التنظيمية التي تفرض في غير محلها -كما هي الحال في قطاع الخدمات- عائقاً أمام المنافسة التي تظل صحية في العديد من الدول.

ويتعين علينا بمجرد التوقف عن إحداث المزيد من الضرر أن نبدأ بالتصرف على النحو السليم. إن السياسة الاقتصادية أشبه بزراعة الحدائق، فجذب النباتات لن يجعلها تنمو بشكل أسرع، ولكن البستاني الناجح هو القادر على توفير البيئة السليمة التي تسمح للنباتات بالنمو والازدهار.

ومن الممكن أن يساعد التعويل على المنافسة المجتمعات في إطلاق العنان لقوى السوق ذات الأداء الجيد لكي توفر السلع والخدمات. ولتحقيق هذه الغاية يتعين على صانعي السياسات أن يستعينوا بإطار سليم للتنفيذ، وأن ينظروا إلى الاقتصاد نظرة شاملة، وأن يعملوا على اجتذاب المشاركة من كافة حاملي الأسهم في الشركات.

إن السياسة الاقتصادية أشبه بزراعة الحدائق، فجذب النباتات لن يجعلها تنمو بشكل أسرع، ولكن البستاني الناجح هو القادر على توفير البيئة السليمة التي تسمح للنباتات بالنمو والازدهار

والتنفيذ السليم يعني ضمنياً وجود الأدوات القانونية والموارد اللازمة لملاحقة وتنفيذ السياسة الاقتصادية، إلى جانب بناء مؤسسي قادر على الحد من الوساطة التي يقوم بها أصحاب المصالح الخاصة. ولنتأمل هنا على سبيل المثال أهمية سلطات مكافحة الاحتكار التي تتسم بالنزاهة والفعالية، أو خطط إعانات الدعم المُعدة بشكل جيد بالقدر الكافي لضمان قدرتها على خدمة المصلحة العامة حقا.

نهج شامل
إن هناك حاجة واضحة لاتباع نهج شامل لكل قطاعات الاقتصاد، لأن الأسواق مترابطة. ومن الممكن أن يعمل التنظيم المضلل أو إخفاقات السوق التي تضر بالمنافسة في أي مكان على إثقال كاهل الاقتصاد برمته بالأعباء. فقد اندلعت الأزمة العالمية لأن المشاكل الرئيسة التي تعيب عمل القطاع المصرفي تُرِكَت بلا علاج.

وبوسع الأداء الهزيل من جانب أسواق المُدخلات أيضاً مثل أسواق الطاقة أو المنتجات الوسيطة أن تحدث قدراً كبيراً من الضرر الاقتصادي، لأسباب ليس أقلها أنه يعمل على إعاقة القدرة التنافسية في الخارج.

وأخيرا، يتطلب تعزيز المنافسة في مختلف قطاعات الاقتصاد دعماً واسع النطاق. ومن غير الممكن أن يتحقق هذا من دون تضييق فجوة الانقسامات الأيديولوجية والتغلب على الضغوط السياسية التي تفرضها جماعات اقتصادية معينة. وبوسع هذا الدعم أن يلعب دوراً أساسياً، من خلال تثقيف المواطنين والشركات، وليس صانعي السياسات فقط، حول الفوائد المترتبة على المنافسة.

ولا بد من العمل على إيجاد إجماع واسع النطاق على أن البيئة الداعمة للمنافسة تشكل أحد المفاتيح الأساسية للازدهار الاقتصادي.

نموذج أستراليا
وتقدم لنا أستراليا مثالاً جيداً للكيفية التي تستطيع بها السياسات الداعمة للمنافسة تحقيق نتائج، فقد كان اقتصادها واحداً من بين أسوأ الاقتصادات بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث نمو الإنتاجية في ثمانينيات القرن العشرين، وبعد عشرة أعوام أصبحت أستراليا في المرتبة الثالثة. فقد أخضعت البلاد كل القيود التنظيمية الاقتصادية في البلاد للفحص والمراجعة من منظور تعظيم المنافسة، وعملت السلطات على صياغة إجماع وطني مؤيد للإصلاح.

وفي الوقت الحالي تجري جهود كبيرة في هذا السياق في العديد من دول العالم، بما في ذلك المكسيك. وسوف تكون الإصلاحات البنيوية الرامية لتعزيز الإنتاجية ذات أهمية بالغة أيضاً من أجل ضمان التعافي الاقتصادي في أوروبا وبقاء نموذجها الاجتماعي. والواقع أن "قانوني السوق الموحدة رقم 1 و2" يقدمان أجندة شاملة تيسر الاستغلال الكامل للإمكانات التي توفرها سوق تنافسية متكاملة تتألف من 500 مليون مستهلك من أجل تحفيز النمو والرخاء في الاتحاد الأوروبي.

ونحن نعلم من واقع خبرتنا أن المنافسة كفيلة بتحقيق الأهداف المنشودة. ومن خلال إقامة السياسة الاقتصادية على هذه الركيزة من الخبرة فلن يكون بوسعنا أن نتجنب نبوءة أولسون الكئيبة فحسب، بل وسوف نتمكن أيضاً من التعجيل بالتعافي الاقتصادي وزيادة وتيرة الإبداع ورفع مستويات معيشة الملايين من البشر في مختلف أنحاء العالم.

ـــــــــــــ
* خواكين ألمونيا، نائب رئيس اللجنة الأوروبية ومفوض الاتحاد الأوروبي لشؤون المنافسة.
* إدواردو بيريز موتا، رئيس لجنة المنافسة الفدرالية المكسيكية، ورئيس شبكة المنافسة الدولية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت