أوروبا ومسؤولية ألمانيا
آخر تحديث: 2013/4/11 الساعة 15:45 (مكة المكرمة) الموافق 1434/6/1 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/4/11 الساعة 15:45 (مكة المكرمة) الموافق 1434/6/1 هـ

أوروبا ومسؤولية ألمانيا

تحول الاتحاد الأوروبي إلى علاقة بين دائن ومدين
الحل يكمن في إصدار اليوروبوند
معارضة ألمانيا لليوروبوند

تحول الاتحاد الأوروبي إلى علاقة بين دائن ومدين
كانت أزمة اليورو سبباً في تحول الاتحاد الأوروبي بالفعل من مظلة طوعية لدول متساوية الحقوق، إلى علاقة بين دائنين ومدينين لا يسهل التملص منها.

فالدائنون معرضون لخسارة مبالغ طائلة في حال خروج إحدى الدول المدينة الأعضاء من الاتحاد النقدي، بينما يخضع المدينون لسياسات تعمل على تعميق الركود وتفاقم أعباء الديون التي تثقل كواهلهم، وعلى ديمومة تبعيتهم.

ونتيجة لهذا فإن الأزمة تهدد الآن بتدمير الاتحاد الأوروبي ذاته، وهي كارثة ذات أبعاد تاريخية لن تستطيع درأها سوى الحكومة الألمانية.

ولن يتسنى لنا فهم أسباب الأزمة بصورة صحيحة دون أن نعي الخطأ القاتل الذي يعيب اليورو، فبإنشاء بنك مركزي مستقل أصبحت الدول الأعضاء مدينة بعملة تفقد السيطرة عليها.

وفي البداية تعاملت الحكومات والأسواق مع السندات الحكومية وكأنها لا تبالي، مما شجع البنوك بصورة كبيرة على شراء كميات كبيرة من السندات الضعيفة.

الأزمة تهدد الآن بتدمير الاتحاد الأوروبي ذاته، وهي كارثة ذات أبعاد تاريخية لن تستطيع درأها سوى الحكومة الألمانية, ولن يتسنى فهم أسباب الأزمة بصورة صحيحة دون أن نعي الخطأ القاتل الذي يعيب اليورو، فبإنشاء بنك مركزي مستقل أصبحت الدول الأعضاء مدينة بعملة تفقد السيطرة عليها

وعندما أثارت الأزمة اليونانية شبح الإفلاس ردت الأسواق بالانتقام، فأنزلت كل بلدان منطقة اليورو المثقلة بالديون إلى مرتبة دولة من دول العالم الثالث المثقلة بديون بعملة أجنبية.

وبالتالي فإن الدول المثقلة بالديون عوملت كأنها وحدها المسؤولة عن مصائبها، بينما ظل الخلل البنيوي الذي يعيب اليورو يراوح مكانه دون تصحيح.

الحل يكمن في إصدار اليوروبوند
وبمجرد إدراك هذه الحقائق، سنجد أن الحل يفرض نفسه بنفسه. وبوسعنا أن نلخص هذا الحل في كلمة واحدة: سندات اليورو.

فإذا سُمِح للدول الملتزمة بالميثاق المالي بتحويل كل ما لديها من الديون الحكومية إلى سندات اليورو، فإن التأثير الإيجابي سيكون أشبه بالمعجزة، إذ سيختفي شبح الإفلاس، كما ستختفي أيضاً علاوة المخاطر، وستتلقى الميزانيات العمومية للبنوك دفعة فورية، وأيضاً ميزانيات الدول المثقلة بالديون.

فإيطاليا على سبيل المثال، ستوفر نحو 4% من ناتجها المحلي الإجمالي وتتحول موازنتها إلى الفائض، ويحل الحفز المالي محل التقشف. ونتيجة لهذا فإن اقتصادها سينمو، وستنخفض نسبة الدين لديها. وبهذا تختفي كل المشاكل التي تبدو مستعصية على الحل، وسيكون الأمر أشبه بمن يفيق من كابوس.

ووفقاً للميثاق المالي، سيسمح للدول الأعضاء بإصدار سندات يورو جديدة فقط لكي تحل محل السندات التي يقترب موعد استحقاقها.

وبعد خمسة أعوام يتم تقليص الديون المستحقة تدريجياً إلى 60% من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا تراكم لدى أي من الدول الأعضاء ديون إضافية، فلا يسعها أن تقترض إلا باسمها.

إنه يجب الاعتراف بأن الميثاق المالي يحتاج إلى بعض التعديلات لضمان فرض العقوبات على غير الملتزمين بشكل تلقائي وسريع، وليس بدرجة من الشدة بحيث تجعل تطبيق العقوبات مستحيلا. إن ميثاقا أكثر إحكاماً وصرامة سيعمل بصورة عملية على القضاء على خطر الإفلاس.

وبالتالي فإن سندات اليورو لن تهدد تصنيف ألمانيا الائتماني، بل إنها على العكس من ذلك ستنافس سندات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان.

ولا شك أن سندات اليورو ليست حلاً سحرياً لكل المشاكل، فقد لا يكون الدعم المستمد من سندات اليورو كافياً لضمان التعافي، وبالتالي فقد يتطلب الأمر تقديم حوافز مالية و/أو نقدية إضافية.

ومن قبيل الترف التعرض لمثل هذه المشكلة حاليا، فالأمر الأكثر إزعاجاً هو أن سندات اليورو لن تزيل الفوارق في القدرة التنافسية، إذ سيظل لزاماً على الدول أن تنفذ إصلاحات بنيوية بشكل منفرد. وسيحتاج الاتحاد الأوروبي أيضاً إلى اتحاد مصرفي من أجل إتاحة الائتمان بالتساوي في كل من الدول الأعضاء.

وقد كانت عملية إنقاذ قبرص سبباً في جعل هذا الاحتياج أكثر إلحاحاً لأنها جعلت أرض الملعب أقل تساويا للجميع، ولكن قبول ألمانيا لسندات اليورو من شأنه أن يغير الأجواء وييسر إمكانية تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

معارضة ألمانيا لليوروبوند
من المؤسف أن ألمانيا لا تزال تعارض بشدة إصدار سندات اليورو، فمنذ طرحت المستشارة أنجيلا ميركل الفكرة للتصويت، لم تُناقَش بعد ذلك قط.

ويبدو أن الرأي العام الألماني لا يدرك أن الموافقة على سندات اليورو يعني في حد ذاته مخاطر وتكاليف أقل كثيراً من الاستمرار في القيام بالحد الأدنى من الجهد للحفاظ على اليورو.

الواقع أن ألمانيا لديها الحق في الاعتراض على سندات اليورو، لكن ليس من حقها أن تمنع الدول المثقلة بالديون من التغلب على بؤسها عبر التكاتف معاً وإصدار السندات.

وإذا كانت ألمانيا تعارض إصدار هذه السندات فينبغي عليها أن تفكر في ترك اليورو.

والمثير للدهشة أن سندات اليورو التي قد تصدر في غياب ألمانيا ستظل تضاهي سندات الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان. والسبب بسيط، فلأن كل الديون المتراكمة مقومة باليورو، فإن التعرف على أي الدول قد تترك اليورو يشكل فارقاً بالغ الأهمية.

فإذا تركته ألمانيا على سبيل المثال، فإن قيمة اليورو ستنخفض، وتستعيد الدول المدينة قدرتها التنافسية، وستتقلص ديونها بالقيمة الحقيقية، وإذا أصدرت سندات اليورو فإن خطر الإفلاس سيختفي، وفجأة ستصبح قادرة على تسديد ديونها.

في نفس الوقت، إن أغلب أعباء إعادة التكيف ستقع على كاهل الدول التي تترك اليورو، فتصبح صادراتها أقل قدرة على المنافسة، وقد تواجه منافسة قوية من بقية دول منطقة اليورو في أسواقها المحلية. هذا فضلاً عن الخسائر التي ستلحق بمطالباتها واستثماراتها المقومة باليورو.

وفي المقابل، فإذا تركت إيطاليا منطقة اليورو فإن أعباء ديونها المقومة باليورو ستصبح أكثر استعصاء على السداد، وسيصبح من الواجب إعادة هيكلتها، وهو ما من شأنه أن يغرق النظام المالي العالمي في الفوضى.

ألمانيا لديها الحق في الاعتراض على سندات اليورو، لكن ليس من حقها أن تمنع الدول المثقلة بالديون من التغلب على بؤسها عبر التكاتف معاً وإصدار السندات. وإذا كانت ألمانيا تعارض إصدار سندات اليورو، فينبغي لها أن تفكر في ترك اليورو

ولذلك، فإذا كان لزاماً على أي جهة أن تنسحب فلابد أن تكون تلك الجهة هي ألمانيا، وليس إيطاليا.

وثمة مبرر قوي لألمانيا لاتخاذ القرار، فإما أن تقبل سندات اليورو أو أن ترحل، لكن ليس من الواضح أي الخيارين أفضل بالنسبة لها. فالناخبون الألمان هم وحدهم أصحاب الحق في اتخاذ مثل هذا القرار.

وإذا جرى استفتاء في ألمانيا اليوم، فإن أنصار الخروج من منطقة اليورو سيفوزون بكل سهولة.

والتفكير بقدر أكبر من العمق من شأنه أن يحمل الناس في ألمانيا على تغيير نظرتهم، فهم سيكتشفون أن الكلفة التي ستتحملها ألمانيا بموافقتها على إصدار سندات اليورو مبالغ في تقديرها إلى حد كبير، وإن كلفة الخروج من اليورو استهين بها.

والمشكلة هي أن ألمانيا لم تُرغَم بعد على تحديد خيارها، فهي تستطيع الاستمرار في عدم القيام بأي شيء أكثر من الحد الأدنى للحفاظ على اليورو. ومن الواضح أن هذا اختيار ميركل المفضل، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات المقبلة.

من المؤكد أن أوروبا ستكون في حال أفضل كثيراً إذا اختارت ألمانيا بشكل حاسم بين سندات اليورو والخروج من منطقة اليورو. وبغض النظر، فإن ألمانيا أيضاً ستكون في حال أفضل إذا حسمت خيارها. والواقع أن الموقف يتدهور، ومن المحتمل أن يصبح في الأمد الأبعد لا يمكن تحمله.

إن التفسخ غير المنظم الذي يؤدي إلى تبادل الاتهامات والادعاءات من شأنه أن يجر أوروبا إلى حال أسوأ مما كانت عليه عندما شرعت في تنفيذ الفكرة الجريئة للوحدة. ومن المؤكد أن هذا لن يصب في مصلحة ألمانيا.
___________________________
رئيس مجلس إدارة صندوق سوروس ومؤسسة المجتمع المفتوح

المصدر : بروجيكت سينديكيت