حكم يعيد التوازن لنظام الملكية الفكرية
آخر تحديث: 2013/4/10 الساعة 21:35 (مكة المكرمة) الموافق 1434/5/30 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/4/10 الساعة 21:35 (مكة المكرمة) الموافق 1434/5/30 هـ

حكم يعيد التوازن لنظام الملكية الفكرية



*أرجون جاياديف
/جوزيف ستيغليتز

- تكاليف خطيرة
- صناعة محلية
- جماعات الضغط
- ضمانات ومرونة
- الحاجة للتوازن

كان رفض المحكمة العليا الهندية إقرار براءة اختراع عقار علاج السرطان الرائج غليفيك، الذي طورته شركة المستحضرات الصيدلانية السويسرية العملاقة نوفاريتس، خبراً طيباً بالنسبة لكثيرين من أولئك الذين يعانون من السرطان في الهند. وإذا حذت دول أخرى نامية حذو الهند فسوف يكون هذا الخبر ساراً في أماكن أخرى أيضا: فقد بات من الممكن تخصيص المزيد من الأموال لاحتياجات أخرى، سواء مكافحة الإيدز، أو توفير التعليم، أو تنفيذ الاستثمارات الكفيلة بتمكين النمو والحد من الفقر.

بيد أن القرار الهندي يعني أيضاً تناقص أرباح الشركات الصيدلانية الكبرى المتعددة الجنسيات. ومن غير المستغرب أن يثير هذا القرار ردود أفعال غاضبة من هذه الشركات وجماعات الضغط التي تساندها، فالحكم -كما تزعم هذه الشركات- يدمر الحافز إلى الإبداع والابتكار، ويوجه بالتالي ضربة خطيرة للصحة العامة على مستوى العالم.

والواقع أن هذه المزاعم لا تخلو من المبالغة المفرطة، فالقرار الصادر عن المحكمة الهندية منطقي على المستويين الاقتصادي والسياسي الاجتماعي. وهو علاوة على ذلك جهد محلي لإعادة التوازن إلى نظام الملكية الفكرية العالمي الذي يميل بشدة نحو مصالح شركات الأدوية على حساب الرفاهية الاجتماعية. وهناك إجماع متزايد بين خبراء الاقتصاد على أن نظام الملكية الفكرية الحالي يخنق الإبداع في واقع الأمر.

إن التأثير الذي تخلفه حماية الملكية الفكرية القوية على الرفاهية الاجتماعية كان يُعدّ لفترة طويلة ملتبساً غامضا، ذلك أن الوعود التي كانت تقول إن حقوق احتكار الملكية الفكرية كفيلة بتحفيز الإبداع، ولو أن أكثر الاكتشافات أهمية، مثل اكتشاف الحمض النووي، تتم عادة داخل مختبرات جامعية ترعاها الحكومة، وتعتمد على حوافز أخرى.

حق احتكار الملكية الفكرية لا يخلو من تكاليف خطيرة في الغالب، من قبيل ارتفاع أسعار الأدوية بالنسبة للمستهلك، والتأثير المثبط على الإبداع نتيجة لتقييد القدرة على الوصول إلى المعرفة

تكاليف خطيرة
ولكن الأمر لا يخلو من تكاليف خطيرة غالبا من قبيل ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلك، والتأثير المثبط لأي تقدم في الإبداع نتيجة تقييد القدرة على الوصول إلى المعرفة، وفي حالة العقاقير المنقذة للحياة فإن الموت يتهدد كل من يعجز عن تحمل تكاليف الابتكار القادر على إنقاذ حياته.

ويعتمد الثِقل الذي نعطيه لكل من العوامل المذكورة آنفا على الظروف والأولويات، وهو يختلف حسب البلد والزمان، فقد استفادت الدول الصناعية المتقدمة في مراحل سابقة من مسار تنميتها من تحقيق معدلات نمو أسرع ورفاهية اجتماعية أكبر، وذلك من خلال التبني الصريح لقدر أضعف من حماية الملكية الفكرية مقارنة بالمطلوب من الدول النامية اليوم.

وحتى في الولايات المتحدة هناك مخاوف متزايدة من تسبب براءات الاختراع بأشكالها المختلفة -والقدر المهول من براءات الاختراع إلى الحد الذي يجعل من المرجح حدوث تشابكات معقدة بين أي إبداع ومطالب الملكية الفكرية من جانب أشخاص آخرين- في تحويل موارد البحث العلمي النادرة بعيداً عن الأغراض الأكثر إنتاجية.

لا تمثل الهند سوى 1% إلى 2% من سوق الدواء العالمية، ولكنها كانت لفترة طويلة نقطة ساخنة للمعارك الدائرة حول توسيع حقوق الملكية الفكرية العالمية لشركات الأدوية، وذلك لأن صناعة الأدوية تعرف انتعاشا لإنتاج الأدوية غير الأصلية واستعداد هذا القطاع لتحدي أحكام براءات الاختراع على المستويين المحلي والخارجي.

صناعة محلية
وقد كان إلغاء حماية براءات اختراع الأدوية في عام 1972 سبباً في توسيع القدرة على الوصول إلى الأدوية الأساسية بشكل كبير، وأدى إلى نمو صناعة محلية قادرة على المنافسة عالمياً وكثيراً ما يطلق عليها وصف "صيدلية العالم النامي".

إلغاء الهند حماية براءات اختراع الأدوية في عام 1972 أدى إلى توسيع القدرة على الوصول إلى الأدوية الأساسية بشكل كبير، وإلى نمو صناعة محلية قادرة على المنافسة عالمياً

وعلى سبيل المثال، فقد كان إنتاج العقاقير المضادة للفيروسات بواسطة شركات الأدوية غير الأصلية في الهند، مثل شركة سيبلا، سبباً في انخفاض تكاليف علاج الإيدز المنقذ للحياة في الدول الواقعة في جنوب الصحراء الأفريقية إلى نسبة 1% فقط من التكلفة وذلك قبل عشرة أعوام.

وقد بنيت أغلب هذه القدرة ذات القيمة العالمية في ظل نظام حماية ضعيف -بل غياب له في واقع الأمر- لبراءات اختراع الأدوية. ولكن الهند الآن ملزمة بالاتفاقية الخاصة بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية التابعة لـمنظمة التجارة العالمية، وقد راجعت نيودلهي ونقحت قوانين براءات الاختراع لديها وفقاً لذلك، الأمر الذي أدى إلى إثارة مخاوف واسعة النطاق في العالم النامي بشأن العواقب المترتبة على ذلك في ما يتصل بالقدرة على توفير الأدوية بأسعار معقولة في العالم.

جماعات الضغط
والواقع أن الحكم الخاص بالعقار غليفيك لا يشكل أكثر من مجرد ضربة بسيطة لشركات الأدوية الغربية، فعلى مدى العقدين الماضيين عملت جماعات الضغط على تنسيق وتعزيز نظام أكثر صرامة وقابلا للتنفيذ عالمياً فيما يخص حقوق الملكية الفكرية.

ونتيجة لهذا أصبح هناك الآن العديد من سبل الحماية المتداخلة لشركات الأدوية التي يجعل من الصعب للغاية على أغلب الدول النامية أن تطعن فيها، والتي كثيراً ما تضع التزاماتها العالمية في مواجهة التزاماتها المحلية والمتعلقة بحماية حياة مواطنيها وصحتهم.

ووفقاً للمحكمة العليا في الهند فإن قانون براءات الاختراع المُعدل في البلاد لا يزال يعطي ثِقَلاً أعظم للأهداف الاجتماعية مقارنة بالولايات المتحدة وأماكن أخرى، فمعايير عدم البداهة والجِدة المطلوبة للحصول على براءة الاختراع أصبحت أكثر صرامة (وخاصة عندما تتصل بالأدوية)، ولا يُسمَح بتجديد براءات الاختراع الحالية، أو حماية براءات الاختراع للابتكارات التي تحتاج إلى متابعة تدريجية، وبالتالي فإن المحكمة أكدت التزام الهند الأساسي بحماية حياة مواطنيها وصحتهم.

ضمانات ومرونة
كما سلط القرار الضوء على حقيقة مهمة، فعلى الرغم من قيودها الصارمة فإن اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية تشتمل على بعض الضمانات (التي نادراً ما تستخدم) التي تمنح الدول النامية درجة معينة من المرونة في الحد من حماية براءات الاختراع.

ولهذا السبب فإن شركات صناعة الأدوية والولايات المتحدة ودول غيرها تمارس الضغوط منذ بداية العمل بالاتفاقية من أجل وضع مجموعة أكثر اتساعاً وقوة من المعايير من خلال اتفاقيات إضافية.

الحكم القضائي الهندي سلط الضوء على حقيقة مهمة، فعلى الرغم من قيودها الصارمة فإن اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية تشتمل على بعض الضمانات التي تمنح الدول النامية درجة معينة من المرونة في الحد من حماية براءات الاختراع

ومن شأن هذه الاتفاقيات أن تعمل، على سبيل المثال، على الحد من الرفض لطلبات الحصول على براءات الاختراع، وعلى منع السلطات التنظيمية الوطنية من الموافقة على الأدوية غير الأصلية إلى أن تنتهي صلاحية براءات الاختراع، كما حالت دون احتفاظ تلك السلطات بالبيانات بشكل حصري، وهو ما كان ليأخر الموافقة على العقاقير الحيوية غير الأصلية، وكما أن تلك الاتفاقية كانت ستتيح المطالبة بأشكال جديدة للحماية مثل تدابير مكافحة التزييف.

إن الحجة القائلة إن القرار الهندي يقوض حقوق الملكية الفكرية تفتقر إلى الترابط إلى حد يثير الاستغراب، فالقاعدة المؤسسية الراسخة لأي نظام جيد لحماية حقوق الملكية تتلخص في وجود سلطة قضائية مستقلة قادرة على فرض ذلك النظام، وقد أثبتت المحكمة العليا في الهند استقلالها وأنها تفسر القانون بأمانة، ولا تخضع بسهولة لمصالح الشركات العالمية.

الحاجة للتوازن
والآن يرجع القرار إلى الحكومة الهندية في استخدام الإمكانيات التي تفرضها اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية للتأكد من أن نظام الملكية الفكرية في البلاد يؤدي إلى ازدهار في مجالات الإبداع والصحة العامة.

وعلى المستوى العالمي هناك اعتراف متزايد بالحاجة إلى نظام أكثر توازناً لحماية الملكية الفكرية، ولكن شركات صناعة الأدوية، في إطار محاولاتها لتعزيز مكاسبها، كانت تدفع بدلاً من ذلك في اتجاه نظام متزايد القوة يفتقر إلى التوازن.

ويتعين على الدول التي تفكر في إبرام اتفاقيات مثل الشراكة عبر الهادي أو اتفاقيات "الشراكة" الثنائية مع الولايات المتحدة وأوروبا، أن تنتبه إلى أن هذا الأمر هو من الأهداف غير الظاهرة، فكل ما يروج له بوصفه "اتفاقيات تجارة حرة" يشتمل على فقرات خاصة بالملكية الفكرية، التي قد تعمل على خنق فرص الحصول على الأدوية بأسعار مناسبة، فضلاً عن التأثير الكبير المحتمل على النمو الاقتصادي والتنمية.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

* أرجون جاياديف أستاذ الاقتصاد في جامعة ماساتشوستس بوسطن وأحد ناشري مجلة العولمة والتنمية
   * جوزيف ستيغليتز أستاذ بجامعة كولومبيا ومؤلف كتاب "ثمن التفاوت: كيف يهدد مجتمعنا المنقسم مستقبلنا"

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات