يعاني المواطن المصري من شح الوقود بينما تسعى الحكومة لتأمين إمدادات الديزل والبنزين (الأوروبية)

وصلت مصر إلى نقطة حرجة فيما يتعلق بقدرتها على تسديد فاتورة واردات النفط والقمح والسلع الأساسية الأخرى، مما اضطرها إلى تكثيف جهودها الدبلوماسية أو الطلب من الموردين تخفيف شروطهم في مقابل امتيازات يحصلون عليها في المستقبل.

وبعد عامين من الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك، تسعى الحكومة الحالية للحصول على خط ائتمان من صندوق النقد الدولي، في وقت انخفض فيه سعر صرف العملة وواجه فيه الاقتصاد مرحلة صعبة بسبب استمرار الدعم الحكومي للسلع، بينما انخفضت عائدات السياحة بسبب الوضع السياسي.

ويعاني المواطن المصري من شح الوقود بينما زادت الحكومة من إجراءات الأمن على محطات الوقود في وقت تعسى فيه إلى تأمين إمدادات الديزل والبنزين.

أزمة ائتمان
ورغم أن من غير المحتمل أن تترك القوى الكبرى الاقتصاد المصري ينهار بسبب أهمية مصر الإستراتيجية، إلا أن أزمة الائتمان كبيرة لدرجة أن الحكومة لا تستطيع حاليا شراء النفط من الأسواق، مما دفع وزير النفط المصري لبذل جهود دبلوماسية حثيثة مع دول مثل ليبيا وقطر والعراق، وزيادة وارداتها من الكويت.

وقد تضع الحكومة في صدر أولوياتها مسألة توفير الوقود وتأمينه لصناعة الغذاء خشية من اضطرابات قد تحدث في حال رفع الدعم عن الخبز.

ويقول ريتشارد مالينسون المحلل بمؤسسة إنرجي أسبيكتس في لندن إن التركيز قد ينصبُّ حاليا على تأمين حصول المزارعين على ما يكفي من الديزل قبل موسم الحصاد، وتأمين حصول المخابز على الوقود لكي لا ينفد منها ويتسبب في أزمة خبز.

ويسعى المسؤولون بمصر إلى تخفيف القلق الذي يحيط بمسألة تأمين الغذاء بالتأكيد على وفرة محصول القمح هذا الموسم، لكنهم يعترفون بصعوبة في إمدادات الوقود.

تخشى الحكومة من اضطرابات في حال خفضت دعمها للخبز (الأوروبية)

ويقول علاء الحديدي المتحدث باسم الحكومة المصرية "إن المشكلة الرئيسية التي نواجهها بالطبع هي في قطاع الوقود.. إنه يجري حاليا معالجتها وقد تم تحقيق تحسن تدريجي في القطاع".

لكن الحكومة المصرية لم تحصل على أي شحنات من النفط الخام من السوق المفتوح منذ يناير/كانون الثاني الماضي. ومع هبوط احتياطيات العملات الصعبة فإن الحكومة لم تشتر القمح منذ فبراير/شباط الماضي.

وكان من المقرر أن تسلم مؤسسة بيتراكو وأركاديا للتجارة الدولية شحنات من الوقود لمصر بعد فوزها بمناقصة، لكن مؤسسة النفط المصرية قامت بإلغائها، بحسب ما أفاد تجار، وكانت النتيجة أن المصافي المصرية تعمل حاليا بأقل من طاقتها.

ويوم الخميس الماضي، قالت وزارة النفط المصرية إن سبب تكرار انقطاع الكهرباء هو عدم وجود أموال لشراء الوقود لمحطات الكهرباء.

هبوط احتياطيات النقد
ومنذ انتخابه نهاية يونيو/حزيران الماضي، واجه الرئيس محمد مرسي هبوطا مستمرا في احتياطيات النقد الأجنبي وتضخما في عجز الموازنة، واحتجاجات عنيفة في بعض الأحيان، في الوقت الذي تواجه فيه البلاد تناقص عدد الموردين بسبب ضعف وضع مصر الائتماني.

وقال مسؤول حكومي مصري إن مصر تسعى حاليا لتأمين مصادر أخرى للسلع وطرقا لتمويلها. وأضاف أن الحكومة تتجه للدول التي تعطيها أفضل تسهيلات مالية، مما يعني أيضا الانفتاح على أسواق أخرى بما فيها الدول العربية.

وتعيش البلاد حاليا وضع "من اليد إلى الفم"، كما يقال، مع وصول بعض الأموال من تركيا والعراق ومؤخرا من ليبيا. وجاءت أكثر الأموال سخاء من قطر التي أقرضتها خمسة مليارات دولار.

وقال رئيس بيت من البيوت العالمية لتجارة السلع "يبدو أن مصر حاليا تعيش على جهاز الإنعاش القطري، لكن ذلك لن يستمر إلى الأبد.

ومن الصفقات المهمة لمصر قرض تسعى من خلاله للحصول على 4.8 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، كما تسعى إلى خفض الدعم الحكومي للوقود الذي يستهلك نحو خمس الإنفاق الحكومي.

إلا أن الحكومة تخشى من تبعات إجراءات تخفض الدعم عن الوقود وتسعى إلى تخفيف تلك الإجراءات قدر الإمكان.

ورغم عدم الانتظام في مشتريات النفط الخام للحكومة المصرية، إلا أنها استطاعت الحصول على واردات من منتجات النفط -مثل الديزل- من الأسواق.

ويقول ريتشارد مالينسون إن الحكومة المصرية مدينة بما بين ستة وثمانية مليارات دولار لمنتجي النفط والغاز، وهي ديون يجب مناقشتها والتوصل إلى حلول بشأنها قبل الحصول على صفقات جديدة.

واستطاعت مصر الحصول على واردات نفط مستقرة من الكويت، طبقا لاتفاقية وقعتها معها قبل عامين من الإطاحة بمبارك. في نفس الوقت تعهدت ليبيا بتصدير تسعمائة ألف برميل يوميا من النفط لمصر ابتداء من غد، الأول من أبريل/نيسان، كما تعهد العراق بتصدير أربعة ملايين برميل من النفط لمصر شهريا، وسيتم مناقشة شروط الصفقة فيما بعد.

هبوط إنتاج الغاز
ومما زاد وضع الوقود سوءا في مصر هبوط صادرات الغاز في السنوات الأخيرة، إذ هبط إنتاج البلاد من الغاز بسبب الأزمة السياسية والاقتصادية التي تعاني منها.

ومنذ نهاية العام الماضي سعت مؤسسة الغاز الحكومية "إيغاز" للحصول على واردات من الغاز من قطر بعد موافقة الجزائر على تصدير الغاز لمصر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

تعول الحكومة على وفرة في إنتاج القمح محليا هذا الموسم  (الأوروبية)

وقال مصدر مطلع إن المفاوضات حول تصدير الغاز القطري صعبة، إذ إن مصر تطلب سعرا يصل إلى ما بين أربعة وخمسة دولارات لكل مليون وحدة حرارية، أي أقل من ثلث ما تستطيع الحصول عليه قطر في آسيا.

في الوقت نفسه تجد الحكومة المصرية نفسها مضطرة لدعم كبير للخبز. وتقول مصادر إن المخابز هددت بالإضراب مطالبة بنحو ستين مليون دولار من الدعم الحكومي المتأخر.

وتعتبر مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، حيث تشتري نحو عشرة ملايين طن سنويا. لكن مشتريات الحكومة منه هبطت منذ يناير/كانون الثاني الماضي إلى أقل من الربع، بالمقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي.

وهبطت مخزونات مصر من القمح إلى مستويات كبيرة، وأظهر تقرير للحكومة يوم الأربعاء الماضي أن لديها 2.116 مليون طن من الحبوب تكفي لمدة 85 يوميا.

وقال بسام عودة وزير التموين المصري في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز إنه يتوقع أن تساعد الولايات المتحدة وأوروبا مصر في استعادة مخزوناتها بشروط ميسرة. ومن بين الدول الأخرى التي أبدت استعدادها للمساعدة الهند التي قالت إنها تدرس تصدير القمح لمصر.

المصدر : رويترز