الودائع في البنوك الإسبانية لن تتأثر بالمخاوف من انتشار أزمة قبرص (الجزيرة نت)

 آمن عجاج-مدريد

كانت المؤشرات الاقتصادية في الأسابيع الماضية تسير بصورة حسنة لصالح إسبانيا بعد أن هدأت شكوك الأسواق المالية بشأن احتمال طلبها لإنقاذ مالي، في أعقاب إعلان نسبة عجز ميزانيتها لعام 2012 (6.7%) التي جاءت مقاربة للنسبة المستهدفة التي كان يطالب بها الاتحاد الأوروبي (6.3%)، إلا أن التقلبات عادت إلى أسواقها المالية، لكن لأسباب أخرى خارجية.

فبعد أن كانت التداولات تسير بصورة حسنة في الأسبوع الماضي ببورصة مدريد وتجاوز مؤشرها الرئيسي "إيبكس 35" مستوى الـ8600 نقطة الذي لم يبلغه منذ أسابيع طوال وهبط معدل الفائدة على سنداتها السيادية بالسوق الثانوية تحت مستوى 5%، جاءت أزمة قبرص لتثير مخاوف المستثمرين، ليس في إسبانيا فحسب، بل في بورصات العالم وهبطت بمؤشراتها لعدة أيام. فمن نتائج العولمة أنه إذا "عطس" سوق مالي أصيبت باقي أسواق العالم "بالبرد والحمى".

خوسيه كارلوس دييث: كان لا بد من إعادة هيكلة النظام المصرفي القبرصي (الجزيرة نت)

وكانت أكثر الأسواق المالية تأثرا بالأزمة القبرصية أسواق إسبانيا وإيطاليا، نظرا للشكوك بشأن قدرة البلدين في تجاوز الأزمة الاقتصادية دون طلب إنقاذ مالي، وأصبح السؤال الذي يوجهه المواطنون ووسائل الإعلام في إسبانيا لخبراء الاقتصاد هو: هل يمكن أن يتكرر ما جرى لقبرص ويتم فرض ضرائب على الودائع المصرفية بباقي البلدان الأوروبية، وخاصة إسبانيا؟

تضخم النظام المصرفي
ردا على أسئلة الجزيرة نت، قال خوسيه كارلوس دييث -كبير الخبراء الاقتصاديين بشركة "إنترموني" للاستشارات المالية والأستاذ بجامعة "إيكادي" العريقة للدراسات الاقتصادية بمدريد- إن السبب الرئيسي لما حدث في قبرص هو أن بنوكها هائلة الحجم وكانت تستثمر أغلب أموالها بالديون السيادية اليونانية، وعندما تم خفض قيمة تلك الديون عام 2011 أصيبت البنوك القبرصية بإفلاس، ومنذ ذلك الحين كانت هناك مباحثات متوترة بشأن مَنْ يجب أن يدفع تكلفة هذا الإفلاس، وانتهى الأمر بالكارثة التي شهدناها هذا الأسبوع.

وأوضح دييث أنه كان لا بد من إعادة هيكلة النظام المصرفي القبرصي الذي كان أغلب ديونه على شكل ودائع، فكان لا بد من إجراء اقتطاع من هذه الودائع. والخطأ الأعظم كان إجراء اقتطاع على الودائع الصغيرة التي يحميها التشريع الأوروبي حتى مائة ألف يورو، ومنع سحب الودائع من البنوك، الذي أرسل أيضا إشارة ذعر.

وقال دييث إن هذه الاجراءات ستؤثر على الدول التي تحوم شكوك حولها وتوتر بشأنها، وأن العدوى المباشرة ستصاب بها اليونان، أما اقتصادات إسبانيا والبرتغال وإيرلندا فهي أقل تعرضا لتقلبات اقتصاد قبرص.

كما أعرب الخبير الاقتصادي عن اعتقاده بأن الودائع في إسبانيا لن تتأثر بتلك المخاوف، مشيرا إلى أنه عندما حدثت أزمة مصرف "بانكيا" وبعض المصارف الإسبانية الأخرى -التي كانت على وشك الإفلاس- لم يتم سحب أكثر من 5% من الودائع. أما البورصات والفائدة على السندات السيادية فهي التي تتأثر وتصاب بالتوتر ولهذا قد تنشأ  صعوبات أمام المصارف الإسبانية عندما تحتاج للحصول على تمويل من الأسواق المالية، مما سيؤدي إلى إضافة مزيد من القيود على تقديم البنوك قروضا للشركات وبالتالي تقليل فرص التوظيف وزيادة الركود الاقتصادي في إسبانيا.

وأكد على اختلاف وضع قبرص عن إسبانيا، فإنقاذ القطاع المصرفي القبرصي سيتكلف ما يعادل 100% من ناتجها المحلي الإجمالي، بينما إنقاذ القطاع المصرفي الإسباني لم يتكلف أكثر من 4% من الناتج المحلي. وشدد على أن حالة قبرص هي حالة خاصة لا تنسحب على دولة أخرى في الاتحاد الأوروبي، فقبرص بلد من البلدان التي تسمى "الفردوس الضريبي" ونظامه المصرفي أكبر من حجمه، وعندما يفلس مثل هذا النظام تكون قدرة البلد أضعف في امتصاص تلك الصدمة.

الفردوس الضريبي
من جهته، قال إغناثيو كانتوس -مدير الاستثمارات بشركة أي تي إل كابيتال لإدارة رؤوس الأموال- "إن قبرص تمثل اقتصادا غريبا، فهي بلد صغير له نظام مصرفي متضخم الأبعاد لكونه فردوس ضريبي" داخل الاتحاد الأوروبي وكان يقبل بأموال مصدرها "غير واضح تماما"، وعندما تبلغ أموال البنوك ثمانية أو تسعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي وتعيش في محيط اقتصادي معقد وراكد وتمنح فوائد مرتفعة للغاية على الودائع تتراوح بين 7% و8% بينما سعر الفائدة في أماكن أخرى كان الصفر بالمائة فسينتهي الأمر بوجود "ثقب" بالحسابات المصرفية، ولذلك ليس من المستغرب ما حدث لقبرص.

إغناثيو كانتوس: لا توجد وسيلة أخرى لعلاج المشكلة القبرصية (الجزيرة نت)
وأوضح كانتوس أنه لا توجد وسيلة أخرى لعلاج المشكلة القبرصية سوى الاقتطاع من الودائع، فالبلد ليس لديه قطاع إنتاجي، وكما طلب الاتحاد الأوروبي كثيرا من التضحيات من شعوب البرتغال وإسبانيا وإيطاليا واليونان فقد حان الوقت لطلبها من الشعب القبرصي الذي لم يقم بأي جهد في السنوات الماضية لخفض عجزه المالي واعتماده على الخارج.

وأضاف أن الأموال التي ستحصل عليها قبرص من الخارج لإنقاذها المالي تعادل 60% تقريبا من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو أكبر إنقاذ من حيث المعدل حتى الآن، لأن إنقاذ إيرلندا -الأكبر من نوعه للقطاع المصرفي- كان يعادل 30% فقط من الناتج المحلي. وإذا كانت هناك تضحيات مطلوبة الآن من الشعب القبرصي فيجب أيضا أن نتذكر أن ودائعه كانت تحصل على فوائد نسبتها 7%.

وأكد كانتوس أن الإنقاذ كان موجها لبعض المصارف في إسبانيا أما البنوك الإسبانية الكبرى المعروفة عالميا فلم تضطر للجوء إلى أموال الإنقاذ -التي تعتبر قرضا للقطاع المصرفي الإسباني سيتم رده خلال بضع سنوات- وأن إسبانيا كان بإمكانها استخدام مائة مليار يورو للإنقاذ، ولكنها اكتفت فقط بأربعين مليارا. وأعرب عن اعتقاده بأنه لن يتم في المستقبل بأي حال من الأحوال تطبيق اقتطاعات على الودائع في إسبانيا مثلما سيحدث في قبرص.

المصدر : الجزيرة