- تخوفات
- مرض مالي أميركي
- لا بد من نهج جديد
- مخاطر الخواء الإستراتيجي

يعيد واضعو السياسات بمجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي)  النظر ببرنامج التيسير الكمي المفتوح المعمول به منذ شهور. وذلك لأن التجربة لم تفشل بضمان قدر معقول من التعافي للاقتصاد الأميركي فحسب بل إن الوضع ينبئ عن قرب اندلاع أزمة اقتصادية جديدة.

الواقع أن محاضر اجتماع الـ29 والـ30 من يناير/كانون الثاني للجنة السوق المفتوحة الفدرالية التابعة لمجلس الاحتياطي الفدرالي تنبئنا عن قدر كبير من السخط الكامن.

تخوفات
أعرب العديد من المشاركين عن بعض التخوفات إزاء التكاليف والمخاطر المحتملة التي قد تنشأ عن شراء المزيد من الأصول.

وتتراوح المخاوف بين القلق إزاء التداعيات المزعزعة للاستقرار الناتجة عن إستراتيجية الخروج من التيسير الكمي إلى التخوف بشأن الخسائر الرأسمالية التي تتكبدها حافظة الأوراق المالية التابعة للبنك الاحتياطي والتي تتضخم بسرعة كبيرة (تبلغ قيمتها حاليا ثلاثة تريليونات دولار، ويتوقع أن تصل إلى أربعة تريليونات دولار بنهاية هذا العام).

ورغم خطورة هذه المخاوف، فإنها تتجاهل ما قد يكون الخلل الأعظم في المناورة غير المسبوقة لبنك الاحتياطي الفدرالي، التأكيد على انتهاج تكتيكات الأمد القريب وليس الإستراتيجيات الطويلة الأمد.

بعد الصدمة المباغتة المتمثلة في الأزمة المالية في 2007-2008، عمل بنك الاحتياطي على مضاعفة خطأ تشخيصه الأولي للمشكلة من خلال المسارعة بشكل متكرر إلى تبني استجابات تكتيكية، مع جولتين من التيسير الكمي قبل الجولة الحالية، والتكرار بلا نهاية.

والواقع أن لجنة السوق المفتوحة الفدرالية، التي استمدت شعورا زائفا بالارتياح من نجاح جولة التيسير الكمي الأولى -ضخ كميات ضخمة من السيولة في أعماق أزمة مروعة- تصورت على خطأ أنها وجدت القالب المناسب للتدابير السياسية اللاحقة.

وكان من الممكن لهذا النهج أن ينجح لو كان اقتصاد الولايات المتحدة يعاني من خلل دوري -النقص المؤقت في الطلب الكلي- وفي هذه الحالة، فإن سياسات مواجهة التقلبات الدورية المالية والنقدية كانت ستنجح في نهاية المطاف في سد فجوة الطلب وإعادة الاقتصاد إلى الحركة من جديد، كما يزعم أتباع جون ماينارد كينز.

أميركا لا تعاني من خلل دوري مؤقت، بل إنها مصابة بمرض مختلف تماما، وهو ركود الميزانية العمومية المطول الذي يستمر بعرقلة الأسر الأميركية، التي يشكل مجموع استهلاكها ما يقرب من 70% من الناتج المحلي الإجمالي

مرض مالي أميركي
ولكن الولايات المتحدة لا تعاني من خلل دوري مؤقت، بل إنها مصابة بمرض مختلف تماما، وهو ركود الميزانية العمومية المطول الذي يستمر في عرقلة الأسر الأميركية، التي يشكل مجموع استهلاكها ما يقرب من 70% من الناتج المحلي الإجمالي.

وقد انفجرت فقاعات الملكية والائتمان التي كانت الأسر الأميركية تقترض بحرية استنادا إليها. ولكن توابع الزلزال لا تزال باقية، فقد ظلت أعباء الديون المستحقة على الأسر عند مستوى 113% من الدخل الشخصي القابل للتصرف في العام 2012 (في مقابل 75% في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين)، وكان متوسط معدل الادخار الشخصي وصل إلى 3.9% فقط في العام الماضي مقارنة بنحو 7.9% منذ العام 1970 إلى العام 1999.

وبفعل تركيزهم بشكل مفهوم على إصلاح الميزانية العمومية، لم يبتلع المستهلكون الأميركيون الطعم من السلطات النقدية والمالية. بل بادروا بدلا من ذلك إلى خفض الإنفاق.

ولم يتجاوز متوسط الزيادات في الإنفاق الاستهلاكي الشخصي المعدل وفقا للتضخم 0.8% على مدى الأعوام الخمسة الماضية، وهو أشد وأطول تباطؤ في نمو الطلب الاستهلاكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

إن القوة العاتية المتمثلة في الحوافز النقدية والمالية الهائلة تبدو فارغة بوصفها علاجا دوريا لمثل هذه المشكلة. والأمر يتطلب نهجا آخر الآن.

أميركا ظلت تستعين بمصادر إستراتيجية خارجية متمثلة في اليد الخفية للسوق لفترة أطول مما ينبغي. وقد أدى هذا إلى إغراق الحكومة في نهج مضلل وقائم على رد الفعل في التعامل مع المشاكل غير المتوقعة

لا بد من نهج جديد
لا بد أن يكون التركيز الآن على تسريع عملية إصلاح الميزانية العمومية، وفي الوقت نفسه إعادة روافع السياسة النقدية والمالية إلى مستويات أكثر طبيعية.

والجزء الأساسي من هذا الحل لا بد أن يشتمل على الإعفاء من ديون الرهن العقاري المستحقة على المساكن التي أصبحت قيمتها السوقية أقل من الديون المستحقة عليها، فضلا عن الحد من عبء حبس الرهن العقاري لنحو 1.5 مليون مسكن. وإلا فكيف قد يتسنى لسوق الإسكان التي أنهكتها الأزمة أن تتسع أخيرا لبقية أصحاب المساكن في الولايات المتحدة؟

وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن حوافز الادخار المعززة، والتي قد تسهم في ضمان الأمن المالي الأطول أمدا للأسر الأميركية، التي تكبدت أغلبها خسائر هائلة في الثروات أثناء فترة الركود العظيم.

ولا بد أيضا أن تكون حسابات التقاعد الفردية وخطط معاشات التقاعد الحكومية، والحوافز الخاصة للأسر ذات الدخل المنخفض (وأغلبها ليس لديها خطط تقاعد)، ووضع حد للقمع المالي الذي تفرضه سياسة سعر الفائدة صفرا على المدخرين، جزءا أساسيا من الحل.

أجل، إن كل هذه السياسات مثيرة للجدال فالإعفاء من الديون يثير مخاوف أخلاقية شائكة بشأن التغاضي عن السلوك المتهور غير المسؤول.

ولكن تحويل قروض الرهن العقاري "المعدومة الموارد"، حيث المسكن وحده في خطر، إلى ما يسمى بـ"خصوم الموارد"، التي قد يؤدي عدم سدادها إلى عواقب تتحملها كل أصول المقترض، كفيل بمعالجة هذا التخوف، في حين يعمل في الوقت نفسه على تهدئة ثقافة الاستدانة الأميركية من خلال شعور أكبر كثيرا بالمسؤولية.

ويشكل التوقيت أيضا أهمية كبرى، خاصة في ما يتصل بحوافز الادخار. ولتجنب النقص في الطلب الكلي الذي قد ينشأ عن الارتفاع المفاجئ في معدلات الادخار، فإن هذه التدابير لا بد أن تتخذ بالتدريج على مدى فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

إن الفائدة الرئيسية من هذه المقترحات هي أنها أكثر إستراتيجية من كونها تكتيكية أكثر توافقا مع المشاكل المرتبطة بالميزانية العمومية التي يعاني منها الاقتصاد بالفعل.

وكما كان الحال مع نظام عدم التدخل الجوهري، فإن الولايات المتحدة ظلت تستعين بمصادر إستراتيجية خارجية متمثلة في اليد الخفية للسوق لفترة أطول مما ينبغي. ولقد أدى هذا إلى إغراق الحكومة في نهج مضلل وقائم على رد الفعل في التعامل مع المشاكل غير المتوقعة.

وبالتالي فإن بنك الاحتياطي الفدرالي يركز على التنظيف بعد الأزمة بدلا من التركيز على كيفية تجنب أزمة أخرى. ويصدق نفس القول على السياسة المالية في الولايات المتحدة، التي تشهد مناقشة تحركها الأحداث، وأصبحت آفاقها الزمنية في تناقص مستمر، الهاوية المالية في الأول من يناير/كانون الثاني، وتقييد الإنفاق في الأول من مارس/آذار، وانتهاء العمل بحل الميزانية المستمر في 27 من الشهر الجاري، وسقف الديون الجديد في 18 مايو/أيار.

أما سوق السندات المطواعة، والتي قد تكون الفقاعة المقبلة، فإنها ينظر إليها عن طريق الخطأ باعتبارها التصديق المطلق على هذا النهج الذي يتسم بقصر النظر.

إن المناقشة الداخلية في إطار لجنة السوق المفتوحة الفدرالية تمثل إدراكا صحيا طال انتظاره لحقيقة مفادها أن البنك المركزي ربما يغرق نفسه في مستنقع متزايد العمق من خلال الالتزام بسياسات مضللة تستهدف علاج المشاكل الخطأ

مخاطر الخواء الإستراتيجي
إن المخاطر المترتبة على الخواء الإستراتيجي في الولايات المتحدة، والميل المرتبط بهذا الخواء إلى تنفيذ تكتيكات قصيرة الأمد، كانت في تصاعد لبعض الوقت.

والواقع أن مايكل بورتر الأستاذ بكلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد أثار هذه المخاوف في مقال نشر له عام 1996 في مجلة هارفارد بيزنس ريفيو. وكان تركيزه في ذلك المقال على عملية اتخاذ القرار في الشركات والحوافز المنحرفة التي تؤدي إلى الانقسام المزعج بين التكتيكات القصيرة الأمد المتمثلة في "الفعالية التشغيلية" (خفض التكاليف، ونقل العمليات إلى الخارج، وإعادة الهندسة) والرهانات المبصرة الطويلة الأجل التي تضع الإطار للإستراتيجيات الناجحة.

وفي حين كانت انتقادات بورتر موجهة إلى مديري الأعمال، فإنها تواكب المناقشة السياسية الجارية حاليا في الولايات المتحدة بشكل حاسم. ومن المؤكد أن أي إستراتيجية طويلة الأمد ناجحة من غير الممكن أن تصمم باعتبارها سلسلة من الإصلاحات القصيرة الأمد.

إن المناقشة الداخلية في إطار لجنة السوق المفتوحة الفدرالية تمثل إدراكا صحيا طال انتظاره لحقيقة مفادها أن البنك المركزي ربما يغرق نفسه في مستنقع متزايد العمق من خلال الالتزام بسياسات مضللة تستهدف علاج المشاكل الخطأ.

وهناك مناقشة مماثلة تدور حول السياسة المالية. فهل تتمكن أميركا أخيرا من مواجهة المخاطر التي يفرضها خواؤها الإستراتيجي؟
ــــــــــــــــــــــــ
ستيفن إس. روتش عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، ورئيس مورغان ستانلي في آسيا سابقا، ومؤلف كتاب "آسيا التالية".

المصدر : بروجيكت سينديكيت