الملفات التي تواجه مصر بعد ثورة 25 يناير مثيرة ومعقدة، منها ما يتعلق بالجانب الاقتصادي. فعلى أرض الواقع توجد مشكلات مزمنة، منها ما يمتد إلى الحقبة الناصرية مثل البطالة المقنعة في الجهاز الحكومي، والأمية، وعدم كفاءة استخدام المال العام.

ومنها ما يتعلق بعجز القطاع الخاص عن قيادة قاطرة التنمية، واتساع المشكلات الاقتصادية والاجتماعية -وفي مقدمتها البطالة والفقر- وتأثيراتها السلبية على المجتمع.

وهذه مشكلات مؤرقة، خاصة في ظل نمو سكاني يقارب 2% سنويا، ودخول 850 ألف شخص جديد سنويا سوق العمل، بينما لا تزيد قدرة الاقتصاد المنظم على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل على 12%، والقطاع الحكومي على 15%، ويقوم القطاع غير المنظم باستيعاب البقية.

وقد زادت المرحلة الانتقالية -التي أدارها المجلس العسكري- من حدة المشكلات الاقتصادية في مصر من جهة تجميد الوضع الاقتصادي لمدة عام ونصف عام، مما ساعد على إصابة المتفائلين بالثورة في الإصلاح والتغيير بالإحباط.

ففي تلك الفترة أُديرت كل الملفات الاقتصادية من خلال مسؤولين في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، مما أعطى انطباعا بأن الثورة لم تحدث أي تغيير، بل إن البعض اعتبر بقاء هؤلاء المسؤولين حينها ترتيبا للملفات كي لا يدان بعض المسؤولين السابقين.

ومع ذلك، لا يزال الأمل قائما لدى القوى السياسية في أن يصبح لمصر توجه اقتصادي يصون أهداف الثورة، والمتمثلة في شعارها الواضح "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية".

ولكن تبقى القضية في تعدد الرؤى لهذه القوى السياسية، فهي ليست فصيلا واحدا، إذ إن هناك ثلاثة تيارات رئيسية: الإسلامي، واليساري، والليبرالي.

وحتى داخل هذه التيارات، هناك تباينات بين التطبيق الكامل للرؤية الاقتصادية، والتطبيق الذي يتناسب مع مستجدات الواقع الاقتصادي محليا وعالميا. فقد ترسخت أعراف اقتصادية واجتماعية يصعب محوها بقرارات إدارية أو قوانين، أو إحلال واقع جديد مكانها.

الأحزاب الإسلامية متفقة على خطوط عامة في ما يتعلق بمعيشة الناس, وطبيعة نشاط المصارف, والملكية. لكن هذا لا يمنع من وجود اختلافات داخلها حول أولويات التطبيق, وتحديدا في ما يتعلق بالضرائب والزكاة, والمصرفية الإسلامية

وفيما يلي نتناول أهم التوجهات الاقتصادية المختلفة للتيارات السياسية الرئيسة في مصر:

رؤية الإسلاميين
هناك اتفاق على الخطوط العامة بين الأحزاب الإسلامية على قضايا منها حرمة الربا، وتطبيق الزكاة، وتوفير حياة كريمة لجميع أفراد المجتمع، في ضوء مفهوم حد الكفاية الذي يعني أن يتمتع جميع أفراد المجتمع بكل مقومات العيش، وأن مسؤولية الدولة عن ذلك لا مفر منها.

ولكن هذه المسؤولية لا تعني أن تقوم الحكومة بنفسها بذلك، وإنما توفر المناخ الضامن لذلك، بشراكة بينها وبين القطاع الخاص والمجتمع الأهلي.

وبشأن الملكية، فهي ترى أن تنوعها يحفظ التوازن الاجتماعي، وتعول على دور المجتمع الأهلي في تمويل المشروعات المجتمعية مثل الوقف والزكاة.

لكنها -في المقابل- تختلف في أولويات التطبيق. فمنها من يرى إلغاء الضرائب وإحلال الزكاة مكانها، وتطبيق المصرفية الإسلامية، ووقف البنوك التقليدية.

وهناك فريق من الإسلاميين يدعو لتطبيق الزكاة بالتدرج، ولتعايش الضرائب مع الزكاة على الأقل في المرحلة الراهنة، نظرا لجسامة العبء على الدولة وموازنتها، ويرى أن لا مانع من فرض ضرائب في ظل عدم كفاية الزكاة.

كما يرى أن تُترك السوق المصرفية للتنافس كي تثبت البنوك الإسلامية جدارتها، على أن تترك المصرفية التقليدية لتعمل كذلك.

قطاع من اليسار المصري يرى أن لا أمل في معالجة قضايا الفقر والبطالة والمعيشة دون العودة إلى دولة يسيطر فيها العمال على الثروة والسلطة.
وينتقد اليسار تشجيع الإسلاميين للقطاع الخاص، ويرى أن الطرح الإسلامي لا يختلف كثيرا عن الرأسمالي

رؤية اليساريين
يراهن اليسار على التعامل مع قضايا مثل الفقر وحقوق العمال، وإن كان اليسار في مصر تختلف رؤيته للتعامل مع هذه القضايا. ومن اليساريين من يرون ضرورة الالتفات لقضايا الفقر وحقوق العمال ونظام الملكية، والعمل على تطويرها، بينما يرى آخرون منهم أن لا أمل في معالجة هذه القضايا دون العودة إلى دولة يسيطر فيها العمال على الثروة والسلطة.

ويحدو اليسار المصري الأمل في العودة للتجربة الناصرية، حيث يرى أنها سمحت ببناء قاعدة صناعية كبيرة، وأن العمال نالوا حقوقا غير مسبوقة. كما يرى أنها أوجدت طبقة متوسطة عريضة قلصت كثيرا طبقتيْ الأثرياء والفقراء.

وما جدد لديه الأمل هو نجاح اليسار في أميركا اللاتينية، وقراراته في ما يتعلق بتحسين أوضاع الفقراء، وتأميم الشركات.

ويهاجم اليسار أطروحة الإسلاميين في ما يخص التمويل المجتمعي من خلال الوقف والزكاة، ويرون أنهما صدقات لا يمكن الاعتماد عليها للتنمية. كما ينتقد تشجيع الإسلاميين للقطاع الخاص، ويرى أن الطرح الإسلامي لا يختلف كثيرا عن الرأسمالي.

رؤية الليبراليين
تضم عباءة الليبرالية في مصر منظمات أعمال كثيرة منها اتحاد الصناعات، واتحاد الغرف التجارية، وجمعيات رجال الأعمال، وجمعيات المستثمرين، وأحزابا تصنف ليبرالية مثل حزب الوفد وحزب المصريين الأحرار.

ولا تختلف توجهات تلك الأحزاب في الجانب الاقتصادي عما كان مطبقا في عهد مبارك. لذلك فهي تعارض أية تغييرات في بنية الاقتصاد، خاصة في القطاع الخاص.

وكثيرا ما تعارض الليبرالية المصرية فتح قضايا اجتماعية ملحة مثل حقوق العمال في الحد الأدنى، أو التوجه نحو الضرائب التصاعدية، أو ترشيد الواردات، ووضع القيود على استخدامات العملات الأجنبية.

ولا ترى القوى الليبرالية مخرجا لأزمة مصر الاقتصادية، إلا في المزيد من التشجيع للقطاع الخاص، وتطوير التعليم، ومواجهة الفساد، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، واستقدام الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

الاتفاق والاختلاف
نستطيع القول إن ما يجمع القوى السياسية في مصر هو الاتفاق على تسمية المشكلات الاقتصادية، وواقعها المؤلم على المستوى العام، وعلى مستوى الأفراد. لكن تلك القوى تختلف على آلية حل المشكلات.

ومن المهم إدراك بيروقراطية الجهاز الإداري للدولة المصرية- التي سماها البعض الدولة العميقة، بل وجد من يصفها مؤخرا بأنها الدولة السحيقة- فترويض هذا الجهاز الذي يحتوي على ما يزيد على ستة ملايين عامل يحتاج إلى جهد كبير.

ورغم أن مصر نجحت في إنجاز دستورها، فقد بقيت مهمة ثقيلة تتمثل في تعديل ترسانة من القوانين واللوائح.

وتبقى قضية الصراع الأيديولوجي للتوجه الاقتصادي في مصر حبيسة الأحزاب والقوى السياسية. لكن رجل الشارع معني بأوضاعه المعيشية، فهو لم يلمس بعد تغييرا جذريا أحدثته الثورة، أو برامج زمنية يمكن محاسبة القوى والأحزاب السياسية عليها من خلال صندوق الاقتراع.

المصدر : الجزيرة