فشل التكهن بالأزمة المالية العالمية
آخر تحديث: 2013/2/4 الساعة 20:23 (مكة المكرمة) الموافق 1434/3/24 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/2/4 الساعة 20:23 (مكة المكرمة) الموافق 1434/3/24 هـ

فشل التكهن بالأزمة المالية العالمية

 

فشل الاحتياطي الاتحادي في التكهن بالأزمة
الاحتياطي الاتحادي وحده لا يكفي

فشل الاحتياطي الاتحادي في التكهن بالأزمة
يبدو أن منتقدي مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) وجدوا ضالتهم في الكشف المحرج عن تقييمه للمخاطر المالية عشية الأزمة المالية.

وبموجب القانون، يتعين على الاحتياطي الاتحادي أن ينشر محاضر اجتماعات اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة بعد مرور خمس سنوات عليها.

ورغم أن الأزمة الكاملة لم تتفجر إلا بعد انهيار ليمان براذرز في سبتمبر/أيلول 2008، فقد كان من الواضح بحلول صيف 2007 أن شيئاً ما بالغ الخطورة يجري في أسواق الائتمان، التي بدأت تتصرف بأساليب بالغة الغرابة.

ورغم هذا، فقد فشل العديد من مسؤولي الاحتياطي الاتحادي بوضوح في إدراك أهمية الأحداث التي كانت تتكشف أمامهم، حتى إن أحد محافظي البنك رأى أن البنك لا بد أن ينظر إلى ما يجري باعتباره أمراً طيباً وهو أن تبدأ الأسواق في القلق بشأن قروض الرهن العقاري الثانوي. وزعم آخر أن إجهاد السوق في موسم الصيف هو في الأرجح مجرد انخفاض بسيط زائل.

وينتهز العديد من المنتقدين الفرصة فيعتبرون مثل هذه التصريحات دليلاً على أن الاحتياطي الاتحادي لا يتمتع بالكفاءة اللازمة، وعلى ضرورة الحد من استقلاله، أو ما هو أسوأ من ذلك. بيد أن كل هذا محض هراء. صحيح أن الأمور كان من الواجب أن تتم بشكل أفضل، لكن اعتبار محافظي الاحتياطي الاتحادي المسؤولين الوحيدين عن عدم الانتباه إلى الكارثة المقبلة هو أمر بالغ السخف.

ومن المؤكد أن الكونغرس الأميركي كان غير مدرك لما يجري تماما، حيث كان أعضاؤه مشغولين بممارسة الضغوط لصالح وكالات الرهن العقاري التي تدعمها الحكومة مثل فاني ماي وفريدي ماك، الأمر الذي أدى إلى تفاقم المخاطر.

وأيضا، لم يستشرف صندوق النقد الدولي المستقبل. ففي أبريل/نيسان 2007، أصدر صندوق النقد الدولي تقريره الشهير عن آفاق الاقتصاد العالمي الذي أطلق عليه مسمى "عيد الحب"، حيث أعلن أن كل المشاكل في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات المتقدمة، والتي كانت تثير قلقه لم تكن أكثر من مبالغات.

كما أن من قبيل التضليل، فضلاً عن ذلك، أن نستشهد فقط بأكثر التعليقات بعداً عن الحقيقة والتي أطلقها محافظون أفراد في سياق من المناقشة الفكرية النشطة حول السياسات. وإنه لأمر مشروع أن ننتقد صناع القرار السياسي الأفراد الذين يبدون سوء تقدير كبيرا، وينبغي لهذه السقطات أن تدون في سجلاتهم. لكن هذا لا يطعن في كامل اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح، ناهيك عن المؤسسة برمتها.

يضاف إلى ذلك أن أحدث نماذج الاقتصاد الكلي لدى البنوك المركزية فشلت فشلاً ذريعا إلى درجة أن مهنة الاقتصاد برمتها لم يبدأ الاعتراف بها إلا الآن فقط.

ورغم أن الاحتياطي الاتحادي يقيم العديد من الأساليب والمؤشرات في اتخاذه لقراراته، فليس هناك أي شك في أنه كان متأثراً بشدة بالفكر السائد بين الأكاديميين، بما في ذلك نماذج دورة الأعمال الحقيقية المزعومة ونماذج أتباع جون ماينارد كينز الجدد التي افترضت أن عمل الأسواق المالية لا تشوبه شائبة.

ونحن نعلم الآن أن نماذج الاقتصاد الكلي القياسية لا تضع هشاشة الأسواق المالية في الحسبان بالقدر الكافي، وأن إصلاح النماذج مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على مرونتها أمر بالغ الصعوبة. وبصراحة، لو كانت النماذج تضع في الحسبان على الأقل احتمال وجود نقائص وعيوب تشوب أسواق الائتمان، فربما كان بنك الاحتياطي الاتحادي يولي قدراً أكبر من الاهتمام لمؤشرات أسواق الائتمان كانعكاس لظروف الأسواق المالية إجمالا، كما فعلت البنوك المركزية في بلدان الأسواق الناشئة.

إن المشكلة لم تكن لدى الاحتياطي الاتحادي وحده قبل الأزمة، ففي أغسطس/آب 2007، كان قِلة من المتعاملين في السوق فقط، وحتى أولئك الذين يتمتعون بإمكانية الوصول إلى تلال من المعلومات ومجموعة واسعة من آراء الخبراء، لديهم فكرة حقيقية عما يجري من حولهم

الاحتياطي الاتحادي وحده لا يكفي
أخيراً وليس آخرا، فحتى لو أدرك الاحتياطي الاتحادي المخاطر فإنه ما كان ليصبح من السهل عليه أن يتجنب الأزمة منفردا. ذلك أن فعالية سياسة أسعار الفائدة محدودة، والعديد من المشاكل الأشد عمقاً كانت على الجانب التنظيمي.

كما أن قياس الاستجابة المناسبة لم يكن بالمهمة السهلة. فبحلول أواخر عام 2007، على سبيل المثال، كان الاحتياطي الاتحادي ووزارة الخزانة الأميركية على الأرجح قد اطلعا بالفعل على تقرير واحد على الأقل يسوق الحجج على أن التدخل القوي في دعم قروض الرهن العقاري الثانوي هو وحده القادر على منع حدوث الكارثة.

فقد كان الهدف المنشود إنقاذ النظام المالي من الاضطرار إلى التعامل مع تفكيك الصروح التعاقدية الشديدة التعقيد التي شيدها.

وكانت عملية إنقاذ كهذه لتتكلف ما يقدر بنحو 500 مليار دولار. وكانت الشركات المالية الكبرى لتصبح من بين المستفيدين الرئيسيين.

الواقع أن هذا المنطق على وجه التحديد هو الذي قادني إلى التنبؤ بتوقعات قاتمة للغاية في خطاب حظي بتغطية واسعة في سنغافورة يوم 19 أغسطس/آب 2008 قبل انهيار ليمان براذرز بشهر.

وآنذاك قلت إن الأمور لن تتحسن قبل أن تسوء كثيرا، وإن انهيار واحدة من أكبر الشركات المالية على مستوى العالم كان وشيكا. وكنت أستند في حجتي إلى رأيي بأن الاقتصاد العالمي كان في طريقه إلى فترة من الركود الكبير.

لم أكن أحاول الظهور بمظهر مثير في سنغافورة. بل كنت أتصور أن كل ما ذكرته كان واضحاً بالكامل. ورغم هذا فإن تكهناتي احتلت العناوين الرئيسية في العديد من الصحف الكبرى في مختلف أنحاء العالم. ومن الواضح أن هذا كان راجعاً إلى كونها غير محل إجماع على الإطلاق، رغم تصاعد المخاوف آنذاك.

ولكن تُرى هل كانت المخاوف تتصاعد لدى الاحتياطي الاتحادي أيضاً في صيف 2008؟

علينا أن ننتظر إلى العام القادم لكي نتمكن من الإجابة على هذا السؤال. ولكن عندما نفعل، ينبغي لنا أن نعي أن إدراك الأمر بعد حدوثه ليس كمثل توقعه.
ـــــــــــــــــــــــــ
كبير خبراء الاقتصاد الأسبق لدى صندوق النقد الدولي، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات