- إزالة الحواجز
- المفاهيم المتضاربة
- عقبات بنيوية
- إنشاء السوق المشتركة

بعد عشرين عاماً تقريباً من طرح فكرة الشراكة عبر الأطلسي لأول مرة، وافقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مؤخرا على البدء في التفاوض على اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار.

والواقع أن هذه الشراكة -التي من المقرر أن يبدأ العمل بها عام 2015- قُدمت بوصفها "حافزا محررا من قيود العجز"، ومن شأنها أن تعمل على تعزيز الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بنسبة 0.5% سنويا، في حين تساعد على زيادة فرص العمل في الاقتصاد الأميركي ودول الاتحاد.

بينما يسعى الطرفان لإزالة ما تبقى من التعريفات المفروضة على التجارة الثنائية، فإن كل منهما حريص على خفض كم هائل من الحواجز غير الجمركية، وفي الأساس المعايير الفنية والصحية والقيود التنظيمية

إزالة الحواجز
وفي حين يسعى الطرفان إلى إزالة ما تبقى من التعريفات المفروضة على التجارة الثنائية، فإن كل منهما حريص بشكل خاص على خفض كم هائل من الحواجز غير الجمركية، وفي الأساس المعايير الفنية والصحية والقيود التنظيمية المتنافسة التي خنقت عملية تنمية العلاقات الاقتصادية الثنائية.

وقد يساعد التعاون التنظيمي الأوثق أيضا أميركا والاتحاد الأوروبي على مواجهة ما يعتبره كبار رجال الأعمال منافسة غير عادلة على نحو متزايد من قِبَل الصين سواء في الداخل أو الخارج.

ولكن هل ترقى اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي إلى المستوى المأمول منها؟ ينبئنا بالكثير في هذا الصدد أن الفريق العامل الرفيع المستوى المكلف بمهمة تحديد السياسات والتدابير اللازمة لتوجيه دفة المفاوضات، أوصى باتباع نهج أكثر تحفظا.

والواقع أن التقرير النهائي الصادر عن هذا الفريق في وقت سابق من هذا الشهر ينص على أن الاتفاقية "لابد من أن تسمح بالتطور بمرور الوقت، فتتحرك تدريجيا نحو إنشاء سوق عبر الأطلسي متكاملة".

ولقد أوصى الفريق بشكل خاص بإنشاء "آلية مستمرة لتحسين الحوار والتعاون بشأن القضايا التنظيمية والحواجز غير الجمركية، فضلا عن إنشاء إطار لتحديد الفرص السانحة لترسيخ التعاون التنظيمي في المستقبل.

والحذر تجاه ذلك له ما يبرره، لأن بعض المبادئ الرئيسية التي تحرك النهج التنظيمي لدى الجانبين تختلف اختلافا شاسعا، وقد تتضارب في بعض الأحيان.

وعلى سبيل المثال، كان الاتحاد الأوروبي ملتزما منذ فترة طويلة بالمبدأ الوقائي، الذي يمنع المنتجات التي قد تلحق الضرر بصحة البشر من دخول سوقه، حتى ولو لم تكن الأدلة العلمية قاطعة بعد.

هناك منطقة مرشحة  للخلاف وهي المفاهيم المتضاربة بشأن الخصوصية، فقد تعمل على الحد من قدرة الجانبين على تحقيق هدفهما المشترك المتمثل في فتح السوق الرقمية

المفاهيم المتضاربة
ويُعَد هذا المبدأ الأساس الذي يستند إليه رفض الاتحاد الأوروبي استيراد أغذية معدلة وراثيا من الولايات المتحدة، حيث تستهلك على نطاق واسع.

ولكن كبار الأعضاء في الكونغرس الأميركي شددوا على أن أي اتفاقية ناجحة لابد أن تتضمن فتح سوق الاتحاد الأوروبي لكل المنتجات الزراعية الأميركية.

وهناك منطقة أخرى مرشحة للخلاف بالنسبة المفاهيم المتضاربة بشأن الخصوصية، فقد تعمل على الحد من قدرة الجانبين على تحقيق هدفهما المشترك المتمثل في فتح السوق الرقمية.

ففي الأسابيع الأخيرة، اتهمت بعض شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة، ومن بينها شركتا غوغل وفيسبوك، بممارسة ضغوط عدوانية على برلمان الاتحاد الأوروبي لحمله على تعليق الخطط الرامية إلى تشديد قواعد الخصوصية في الاتحاد الأوروبي.

وهناك تحد ثالث يضرب بجذوره في تشكك أوروبي عميق في الأسواق المالية. ففي اليوم التالي لإعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إطلاق مفاوضات شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، أصدرت المفوضية الأوروبية مخططها الأولي لضريبة المعاملات المالية في منطقة اليورو والتي تفرض تكاليف جديدة على البنوك الأميركية العاملة في أسواق الاتحاد.

ومن بين الحالات الأخرى -حيث تعمل الحواجز أمام التجارة والاستثمار على حجب الأهداف المتضاربة والمواقف العميقة الجذور- تدابير الحماية التي تفرضها فرنسا على قطاع المنتجات السمعية والبصرية ورغبة أميركا في مواصلة منع الاختراق الأوروبي لصناعة الخطوط الجوية لديها.

قد تكون سياسة قائمة على "الاعتراف المتبادل" مفتاح نجاح المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، شريطة أن يتمكن كل من الطرفين من التغلب على التحيزات المتأصلة في أنظمته التنظيمية والسياسية

عقبات بنيوية
وسوف يكون لزاما على المفاوضين أيضا أن يتغلبوا على عقبات بنيوية كبيرة. ففي حين تناضل المفوضية الأوروبية من أجل تأمين صلاحيات تفاوضية واضحة للدول الأعضاء السبع والعشرين، فإن الولايات المتحدة تواجه مشاكل خاصة بالتنسيق الداخلي.

لقد نجحت الدول الأوروبية في خلق سوق مشتركة في عام 1992، ليس عن طريق مواءمة كل معاييرها وتنظيماتها، بل من خلال الاتفاق على الاعتراف المتبادل بها.

فإذا حصل أحد المنتجات على الموافقة للبيع في أحد بلدان الاتحاد الأوروبي، فإنه بذلك يعتبر آمناً بالقدر الكافي للبيع في كل دول الاتحاد الأخرى.

وقد تكون سياسة مماثلة قائمة على "الاعتراف المتبادل" مفتاح نجاح المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، شريطة أن يتمكن كل من الطرفين من التغلب على التحيزات المتأصلة في أنظمته التنظيمية والسياسية.

وتتجلى مثل هذه الحواجز بوضوح في الولايات المتحدة، حيث يشرف الكونغرس على الإطار القانوني الذي تعمل في حدوده الهيئات التنظيمية الفدرالية، مثل هيئة الحماية البيئية وإدارة الأغذية والعقاقير.

ولا يكفي أن تتقبل الإدارة الأميركية وهيئاتها الفدرالية أن معايير السلامة القائمة والمختبرة في فرانكفورت أو أثينا تعادل نظيراتها في الولايات المتحدة فحسب؛ بل لابد أيضاً من الحصول على موافقة لجان الكونغرس على هذا.

ومن جانبه، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يعيد النظر -على سبيل المثال- في سياسته بشأن الأغذية المعدلة وراثيا.

إن اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي قد لا تكون الاتفاقية الثورية الشاملة التي يتمناها الطرفان، ولكنها رغم ذلك تشكل خطوة حاسمة نحو سوق عبر أطلسية أكثر تكاملا

إنشاء السوق المشتركة
لقد تغلب الاتحاد الأوروبي على التحيزات الوطنية من أجل إنشاء السوق المشتركة من خلال التأسيس لعميلة تصويت الأغلبية المؤهلة الملزمة قانونا، والتي يمكن بموجبها التصويت على استبعاد دول أعضاء فردية فيما يتصل بتنظيمات محددة.

ولكن مثل هذا النهج من غير الممكن أن يتكرر لكسر المعوقات التي لا مفر منها التي ستواجه المفاوضات التنظيمية عبر ضفتيْ الأطلسي.

ومن غير المستغرب أن يستقر الفريق العامل العالي المستوى في مواجهة هذه العقبات الكبرى على تبني مقياس أكثر تواضعاً لنجاح مفاوضات شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي. ولكن هذا لا ينفي قيمة الشراكة.

ورغم أن متوسط التعريفات الجمركية عبر الأطلسي يبلغ من 3% إلى 5% (مع قمم أعلى لبعض المنتجات الحساسة)، فإن إزالة التعريفات سوف يخلف تأثيراً كبيرا، لأن التجارة الثنائية تبلغ في مجموعها 650 مليار دولار سنويا.

وقد يساعد تبسيط الإجراءات الجمركية وفتح الأسواق أمام المشتريات العامة في جلب المزيد من الفوائد. وإنشاء آلية رسمية للتشاور التنظيمي عبر الأطلسي لابد من أن يثمر في النهاية، فتتحقق الفائدة لقطاع بعد الآخر.

إن اتفاقية شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي التي من المفترض أن يتم التوقيع عليها في عام 2015 قد لا تكون الاتفاقية الثورية الشاملة التي يتمناها الكثير من المراقبين، ولكنها رغم ذلك تشكل خطوة حاسمة نحو سوق عبر أطلسية أكثر تكاملا.
ـــــــــــــــــــ
روبين نبليت هو مدير معهد الأبحاث الملكي البريطاني للشؤون الدولية (تشاثام هاوس).

المصدر : بروجيكت سينديكيت