مايكل بيتيس

- عوامل الاستهلاك
- تأثيرات خارجية
- خيار محتوم

إن أغلب الأزمات المالية الدولية على مدى القرنين الماضيين تعود لتوترات ناجمة عن إعادة تدوير رأس المال من الدول ذات المدخرات المرتفعة لدول ذات مدخرات منخفضة. وتشكل أزمة الديون السيادية الأوروبية الحالية مثالا على ذلك. 

فلمدة تقارب العقد، كان رأس المال من الدول ذات المدخرات المرتفعة مثل ألمانيا يتدفق إلى الدول ذات المدخرات المنخفضة مثل إسبانيا.

ثم تسبب تراكم الديون الناجم عن ذلك في خلق توترات إضافية، والآن بات لزاماً على الاقتصاد الأوروبي أن يستعيد توازنه.

وإذا بدأت عملية إعادة التوازن في إسبانيا فقط وغيرها من الدول ذات المدخرات المنخفضة، فإن النتيجة -كما حذر عالم الاقتصاد جون ماينارد كينز قبل ثمانين عاما- لابد أن تكون ارتفاع مستويات البطالة بشكل كبير.

وسواء ظلت البطالة مقتصرة على بلدان مثل إسبانيا، أو انتقلت في نهاية المطاف إلى بلدان مثل ألمانيا، فإن هذا يتوقف على ما إذا كانت الأولى سوف تظل عضوا في اليورو.

ورغم أن الأوضاع النسبية للمدخرات في ألمانيا وإسبانيا تبدو وكأنها تؤكد قوالب ثقافية نمطية، فإن معدلات الادخار الوطنية لا ترتبط كثيراً بالميول الثقافية. بل إنها تعكس إلى حد كبير السياسات الداخلية والخارجية التي تحدد معدلات استهلاك الأسر.

بطبيعة الحال، يمثل معدل الاستهلاك الإجمالي في أي دولة الجانب الآخر من معدل مدخراتها. 

ثلاثة عوامل تفسر الفوارق في معدلات الاستهلاك الوطني:
* حصة الدخل الوطني التي تحتفظ بها الأسر.
* تفاوت الدخول.
* استعداد الأسر للاقتراض من أجل زيادة الاستهلاك.

عوامل الاستهلاك
وبعيداً عن العوامل الديموغرافية -التي تتغير ببطء- هناك ثلاثة عوامل تفسر إلى حد كبير الفوارق في معدلات الاستهلاك الوطني.

وفي المقام الأول من الأهمية هناك حصة الدخل الوطني التي تحتفظ بها الأسر.

ففي دول مثل الولايات المتحدة -حيث تحتفظ الأسر بحصة كبيرة مما تنتجه- فإن معدلات الاستهلاك تميل إلى الارتفاع نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ولكن في دول مثل الصين وألمانيا -حيث تحتفظ الشركات والحكومة بحصة غير متناسبة- فإن معدلات استهلاك الأسر قد تكون منخفضة بنفس القدر.

ويتلخص العامل الثاني في تفاوت الدخول. فمع اكتساب الناس للمزيد من الثراء، فإن استهلاكهم ينمو بوتيرة أبطأ من وتيرة نمو ثرواتهم.

ومع اتساع فجوة التفاوت، فإن معدلات الاستهلاك تنخفض عموما، وترتفع معدلات الادخار بشكل عام.

وأخيرا، هناك استعداد الأسر للاقتراض من أجل زيادة الاستهلاك، وهو ما يكون مدفوعاً عادة بتصورات حول الاتجاهات السائدة في ثروات الأسر.

ففي إسبانيا على سبيل المثال، ومع ارتفاع قيمة الأسهم والسندات والعقارات إلى عنان السماء في الفترة السابقة لعام 2008، استفاد الإسبان من ثرواتهم المتنامية في الاقتراض من أجل زيادة استهلاكهم. 

تأثيرات خارجية
ولكن هذه ليست القصة بالكامل. فمعدلات الاستهلاك من الممكن أيضا أن تكون مدفوعة بسياسات خارجية تؤثر على هذه العوامل الثلاثة.

فعلى سبيل المثال، كان الاتفاق في أواخر تسعينيات القرن العشرين بين الحكومة الألمانية والشركات والنقابات العمالية -الذي كان يهدف إلى توليد فرص العمل المحلية من خلال تقييد حصة الأجور في الناتج المحلي الإجمالي- من الأسباب التي أدت بشكل تلقائي إلى ارتفاع معدل المدخرات في البلاد.

وبالتالي، تحول العجز التجاري الألماني الضخم الذي استمر طيلة العقد السابق لعام 2000 إلى فوائض ضخمة، قابلها عجز بنفس القدر في دول مثل إسبانيا.

ومع انكماش قطاع السلع القابلة للتداول بإسبانيا في استجابة للتوسع في ألمانيا، فإن ردها لن يخرج عن ثلاثة احتمالات.

فأولا، تستطيع إسبانيا أن ترفض قبول العجز التجاري، إما بتنفيذ تدابير الحماية، أو بخفض قيمة عملتها.

وثانيا، بوسعها أن تمتص المدخرات الألمانية الفائضة من خلال السماح لمعدل البطالة بالارتفاع، مع استغناء المصنعين المحليين عن العمال (لأن ارتفاع معدل البطالة يؤدي بالضرورة إلى انخفاض معدل الادخار).

وأخيراً يستطيع الإسبان أن يقترضوا المدخرات الألمانية الفائضة لزيادة الاستهلاك والاستثمار.

الدول ذات المدخرات المنخفضة لا تستطيع أن تضبط أوضاعها بسهولة من دون تعديل مماثل في الدول ذات المدخرات المرتفعة، لأن انخفاض معدل مدخراتها ربما كان راجعاً إلى ارتفاع معدل المدخرات في الخارج

خيار محتوم
وبطبيعة الحال، لم تتمكن إسبانيا قانوناً من أن تلجأ إلى الخيار الأول، وذلك نظراً لعضويتها في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، ولم يكن من المستغرب أن تتردد في اللجوء إلى الخيار الثاني. وبهذا لم يبق أمامها سوى الخيار الثالث.

لقد اقترض الإسبان بكثافة قبل اندلاع الأزمة من أجل زيادة الاستهلاك والاستثمار، مع توجيه قسم كبير من الاستثمار إلى مشاريع مسرفة عقارية وفي مجال البنية الأساسية.

واستمرت هذه الحال للفترة من 2007 إلى 2008، عندما أصبح مستوى الديون الإسبانية مفرطا.

ولكن ما دامت ألمانيا لا تستوعب مدخراتها الفائضة والزيادة المطلوبة في المدخرات الإسبانية، فإن إسبانيا تظل في مواجهة نفس الخيارات.

وبمجرد أن يصبح الاقتراض مستحيلا، يتعين على إسبانيا إما أن تتدخل في التجارة -وهو ما يعني ضمناً ترك منطقة اليورو- أو تقبل سنوات أخرى كثيرة من البطالة المرتفعة إلى أن تنخفض الأجور بالقدر الكافي لإنتاج ما يعادل خفض قيمة العملة.

وهذه هي النقطة الأساسية. ذلك أن الدول ذات المدخرات المنخفضة لا تستطيع أن تضبط أوضاعها بسهولة من دون تعديل مماثل في الدول ذات المدخرات المرتفعة، لأن انخفاض معدل مدخراتها ربما كان راجعاً إلى ارتفاع معدل المدخرات في الخارج.

وفي كل الأحوال، لابد أن يكون التوازن قائماً بين الادخار والاستثمار على مستوى العالم، وإذا تسببت التشوهات السياسية في ارتفاع مستوى المدخرات في دولة ما بسرعة أكبر من ارتفاع مستوى الاستثمار، فإن العكس لابد أن يحدث في مكان آخر من العالم.

وبعبارة أخرى، كان لابد أن تنخفض معدلات الادخار في إسبانيا وغيرها من بلدان العجز بأوروبا بمجرد دفع التشوهات السياسية لمعدلات الادخار في ألمانيا إلى الارتفاع.

ومن الناحية النظرية، فإن المدخرات الألمانية الفائضة كان من الممكن أن تترك أوروبا؛ ولكن نظراً لمستويات الادخار المرتفعة في آسيا والتي كان لابد من امتصاصها -من جانب الولايات المتحدة في الأساس- والقيود التي يفرضها اليورو، فقد كان من المحتم أن يتم تصدير المدخرات الألمانية الفائضة إلى دول أوروبية أخرى.

وينبغي لألمانيا أن تهتم بالمصاعب التي تواجهها إسبانيا في إطار عملية التكيف والتعديل، لأن الارتفاع الناتج عن هذا في معدل البطالة الأوروبي سوف تمتص أغلبه إسبانيا ما لم تعمل الحكومة الإسبانية على التعجيل بعملية التعديل، من خلال ترك منطقة اليورو وخفض قيمة العملة. وفي هذه الحالة فإن ألمانيا سوف تتحمل وطأة ارتفاع البطالة.

لا ينبغي لأي من هذا أن يدهشنا. فبمجرد اتخاذ الدول ذات العجز تدابير قوية، فإن الدول ذات الفوائض التجارية تصبح هي الأكثر معاناة عادة من الأزمات الدولية الناجمة عن التجارة واختلالات التوازن في تدفقات رأس المال. ومع تنامي التوترات السياسية في الدول ذات المدخرات المنخفضة، ترتفع أيضاً احتمالات تخلي هذه الدول عن اليورو، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع الثمن الذين يتعين على ألمانيا أن تدفعه نتيجة تشوه معدل الادخار لديها.
ـــــــــــــــــ
مايكل بيتيس أستاذ التمويل في جامعة بكين. يستند هذا المقال إلى كتاب بيتيس الصادر مؤخراً بعنوان "عملية إعادة التوازن الكبرى".

المصدر : بروجيكت سينديكيت