معادلة ميزانيات الدول
آخر تحديث: 2013/2/18 الساعة 22:46 (مكة المكرمة) الموافق 1434/4/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/2/18 الساعة 22:46 (مكة المكرمة) الموافق 1434/4/8 هـ

معادلة ميزانيات الدول

  

مايكل سبنس

ضعف الاهتمام بالأصول المملوكة للدولة
توجيه الاهتمام للديون العامة
الدول قد تسيء استخدام الأصول

ضعف الاهتمام بالأصول المملوكة للدولة
إلى وقت قريب، كان الاهتمام ضئيلا نسبيا بميزانيات الدول، فكانت القياسات والتقارير مهملة. وحتى اليوم، تلقى ديون الدول قدرا كبيرا من الاهتمام، في حين يلقى جانب الأصول التي تملكها قدرا أقل كثيرا من الاهتمام.

في حقبة سابقة، كانت الدول تمتلك أصولا صناعية كبيرة. والواقع أن هذا النموذج الاقتصادي "القائم على الهيمنة من القمة" كان مرفوضا إلى حد كبير لأنه كان رديء الأداء إلى حد خطير، خاصة عندما كان يحمي القطاعات المملوكة للدولة من المنافسة كما كان شائعا، فانحدرت الكفاءة.

لكن الأمر الأكثر أهمية هو أن غياب قدرة الشركات على الدخول والخروج، والتي تشكل عنصرا أساسيا للإبداع، كان سببا في إلحاق الضرر بالديناميكية الاقتصادية وتعاظم الخسائر بمرور الوقت.

وقد أدت أوجه القصور التي تعيب هذا النموذج إلى الخصخصة في العديد من الدول المتقدمة والنامية.

ففي أوروبا كانت الخصخصة تعد خطوة أساسية في عملية التكامل. وكانت النظرية في أوروبا وغيرها أن الدول من غير الممكن أن تلتزم الحياد كمالك لأصول صناعية. ومن المؤكد أن الحكومات سوف تحابي أصولها الخاصة من خلال القيود التنظيمية، والمشتريات العامة، والإعانات المستترة.

بطبيعة الحال، لم تكن ملكية الدولة السبيل الوحيد لعرقلة الكفاءة والديناميكية. فقد أسهمت القيود التنظيمية أيضا في مجموعة من البلدان، من اليابان إلى إيطاليا، في خلق قطاعات تتمتع بالحماية ضد المنافسة مع ما ترتب على ذلك من تأثيرات ضارة على الإنتاجية.

أدى كبح جماح الديون وغيرها من الالتزامات إلى تقليص مجال قدرة الحكومات إلى حد كبير على دعم الطلب في مواجهة الصدمات السلبية الحادة

والواقع أن هذا النمط واضح بشكل خاص في القطاعات غير القابلة للتداول والتي تشكل ثلثي الاقتصاد، حيث يغيب الانضباط الذي تفرضه المنافسة الأجنبية. وحتى هنا، يستطيع المنافسون المحليون الذين يتخذون لأنفسهم مقرات في الخارج أن يحسنوا من أدائهم.

توجيه الاهتمام للديون العامة
ومن المهم الآن أن يوجه المزيد من الاهتمام للديون العامة، ليس فقط الديون السيادية المتزايدة، بل وأيضا الالتزامات غير الراجعة إلى ديون والمتأصلة في برامج التأمين الاجتماعي.

فقد أدى خليط من نماذج النمو المختلة، وزيادة طول أجل الالتزامات، والزيادات غير المتوقعة في التكاليف مثل الرعاية الصحية في الولايات المتحدة إلى انفجار هذه الالتزامات الأطول أجلا.

وأدى كبح جماح الديون وغيرها من الالتزامات إلى تقليص مجال قدرة الحكومات إلى حد كبير على دعم الطلب في مواجهة الصدمات السلبية الحادة، وبالتالي تقليص قدرتها على كسب الوقت لإجراء التعديل البنيوي اللازم في القطاع الخاص. وفي الوقت الراهن، يواجه الاستثمار في التحول نحو نمط النمو المستدام وتشغيل العمالة مزاحمة واضحة.

إن تحويل الاستهلاك إلى استثمار من خلال زيادة الضرائب أمر ممكن، ولكنه يشتمل على مشاكل ضخمة على الصعيد السياسي، حيث تؤدي قضية تقاسم الأعباء عادة إلى طريق مسدود ثم الجمود والتقاعس عن العمل.

من ناحية أخرى، يظل جانب الأصول من موازنات الدول مستترا إلى حد كبير، فالدول تمتلك الأراضي وحقوق التعدين والبنية الأساسية، وبعض الدول تمتلك صناديق ثروة سيادية، والعديد منها لديها صناديق معاشات تقاعد عامة ذات حجم لا يستهان به، وتتألف من محافظ متنوعة من الأصول. وهذه الأصول مرتبطة بشكل أو بآخر فهناك مطالبات عليها في هيئة الالتزامات والديون، ولقد تزايد حجم هذه الالتزامات مع هبوط العوائد المتوقعة المعدلة وفقا للمخاطر، ولكنها تمثل تمويلا جزئيا للالتزامات العامة وتشكل عنصرا من المرونة.

وفي مثال على النقيض من هذا في الصين، سنجد أن جانب الأصول من موازنة الدولة ضخم للغاية: الأراضي، واحتياطيات من النقد الأجنبي تبلغ 3.5 تريليونات دولار، ومشاركة في الشركات المملوكة للدولة بنسبة تبلغ 85% وتمثل نحو 40% من الناتج. وقد ساعد هذا التكوين للموازنة العامة الصين في الاستجابة للصدمات ودعم المستويات المرتفعة من استثمارات القطاع العام. وسوف يتوسع جانب الالتزامات مع نمو برامج الضمان الاجتماعي ولكن ببطء، نظرا للتخوف من الاستهانة بشأن الالتزامات التي تنشأ عنها.

وفي أفضل الأحوال ومن دون حدوث انخفاض حاد في الأصول المالية يؤدي إلى التعجيل بهبوط اقتصادي، أو انهيار مفاجئ للنمو أو حتى زيادات سريعة في الالتزامات المرتبطة بالتحولات الديموغرافية أو تكنولوجيا الرعاية الصحية قد يكون من المنطقي أن نركز فقط على التحكم في الالتزامات.

الدول قد تسيء استخدام الأصول
والواقع أن الدول يستعان بها بشكل روتيني في التعامل مع مجموعة واسعة من إخفاقات الأسواق أو القيود التي تحكم حركتها، مثل أنماط النمو غير المستدامة وقصر النظر التنظيمي، ومشاكل التوزيع المرتبطة بتطور التكنولوجيا والعولمة، وتسارع تركيز الدخل الوطني، والتحولات البنيوية الكبرى المرتبطة بالصدمات والاتجاهات العلمانية في التكنولوجيا والاقتصاد العالمي.

يتعين على الحكومات، مثلها في ذلك مثل الأفراد والأسر والشركات، أن تدخر في أيام الرخاء ما تستعين به على أيام الشدة والضيق

وهنا نجد أنفسنا أمام معضلة، فالحكومات التي تمتلك أصولا ضخمة تتمتع بالمرونة والقدرة على التحرك، ولكنها أيضا قد تسيء إدارة أصولها على حساب الأسواق والديناميكية الاقتصادية. ففي الصين، حيث جانب الأصول من موازنة الدولة ضخم للغاية، كانت استراتيجية تقليص هذه الأصول من خلال الخصخصة مرفوضة إلى حد كبير، على الأقل حتى وقتنا هذا. وسوف تكون خسارة القدرة على التكيف كبيرة للغاية.

ويقودنا هذا إلى التحدي المتمثل في الإدارة الفعالة للأصول العامة الإدارة الكفيلة بتعزيز كفاءة الأسواق وقدرتها على الإبداع وليس عرقلتها.

وهنا، فإن ما قد نطلق عليه نموذج المعاشات/صندوق الثروة السيادية -حيث يمتلك كيان عام محفظة متنوعة من الأصول ويديرها باعتباره مستثمرا ماليا يعمل وفقا لواجبات وقواعد إدارية محددة بالشكل اللائق- يبدو وكأنه المسار الصحيح للمضي قدما إلى الأمام.

ويتم الحفاظ على جانب الأصول من الموازنة العامة في مجموعه، ولكن بوسعنا أن نفكر في إدارة الأصول، خاصة تنويع الحيازات، باعتبارها رشيدة ومخصخصة بحكم الأمر الواقع.

وبالنسبة للدول المتقدمة، فإن زيادة القدرة على التكيف والمرونة بمرور الوقت من خلال بناء أصول عامة لا بد أن تشكل أولوية قصوى في الأمد البعيد.

إن المخاطر الدورية الشاملة تؤثر على الاقتصاد بالكامل والموارد المالية العامة وليس فقط الأسواق المالية، وينبغي للحكومات أن تكون قادرة على الاستجابة أثناء فترات التغير البنيوي السريع.

وفي الممارسة العملية، فإن هذا يعني أمرين، الأول ضرورة تمويل الالتزامات الناشئة بالكامل بمجرد التوصل إلى اتفاق جماعي بشأن المستويات المرغوبة من الضمان الاجتماعي، فالبديل لهذا هو الاختيار الرديء المتمثل في تقاسم الأعباء بين أجيال الحاضر والمستقبل.

وثانيا: يتعين على الحكومات، مثلها في ذلك مثل الأفراد والأسر والشركات، أن تدخر في أيام الرخاء ما تستعين به على أيام الشدة والضيق. وتتجلى أهمية هذا الأمر بوضوح في فترات كتلك التي نعيشها حاليا التغيير السريع، والتقلبات الشديدة، وعدم القدرة إلا جزئيا على التنبؤ بقدوم فترات من عدم الاستقرار الشامل.
ـــــــــــــــــــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات