دول الربيع العربي شهدت ولا تزال صراعات سياسية واجتماعية ولكنها لم تعرف حوارا بشأن النموذج الاقتصادي المنشود (الفرنسية)

يرى الاقتصاديان مصطفى النابلي وإسحاق ديوان أنه في الوقت الذي تتصدى فيه دول التحول العربي -التي تضم تونس ومصر واليمن وليبيا- حاليا لقضايا معقدة تتعلق بالقيم الفردية وحرية التعبير والحقوق الشخصية والأمور العائلية التي تدور جميعا حول القضايا الجوهرية المتمثلة في الهوية والأدوار التي يلعبها الفرد والدولة والمجتمع، فإنه لم ينطلق بعد حوار مجتمعي حول كيفية بناء رأسمالية أخلاقية وعادلة في ظل بروز العدالة الاجتماعية كمطلب اجتماعي رئيسي، لاسيما بعدما سميت ثورات الربيع العربي.

ويقول الاقتصاديان في مقال مشترك نشر في مدونة تابعة للبنك الدولي في الثالث من الشهر الجاري، إن المعضلة الرئيسية التي تواجه هذه المجتمعات هي كيفية تمهيد الساحة لشكل من أشكال الرأسمالية يكون أكثر فعالية في بلوغ الأهداف الاجتماعية المتمثلة في إتاحة وظائف أكثر وبنوعية أحسن، فضلا عن تحسين الأحوال المعيشية والخدمات العامة، وأن يحظى هذا النموذج بالقبول الاجتماعي.

ويضيف النابلي، وهو المحافظ السابق للبنك المركزي التونسي، وديوان -وهو أستاذ اقتصاد ومسؤول سابق بالبنك الدولي- أنه عندما ينطلق الحوار المذكور فسيعود العرب لقراءة أدبيات الاقتصاد وسيكتشفون فضائل كل من اللوائح المنظمة للأسواق، والحوار الاجتماعي بين الشركات والعمال والدولة، ودور النشاط الحقوقي وإتاحة المعلومات في نجاح الأسواق والمؤسسات، ودور السياسات الاجتماعية في التخفيف من شطط الأسواق.

المعضلة الرئيسية التي تواجه دول التحول العربي هي كيفية تمهيد الساحة لشكل من الرأسمالية يكون أكثر فعالية في بلوغ الأهداف الاجتماعية المتمثلة في إتاحة وظائف أكثر وتحسين الأحوال المعيشية والخدمات
ففي معرض تحولها البطيء من نظام استبدادي وتصنيع تقوده الدولة، بدأت الدول العربية في إفساح المجال أمام القطاع الخاص وتحرير اقتصادها في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تفتح الباب أمام تداول السلطة (حتى عام 2011).

رأسماليون مقربون
ولكي تظل مقاليد السلطة في قبضة الأنظمة الحاكمة، عوّل الحكام المستبدون على بطانتهم من رجال الأعمال المقربين الموالين لهم الذين يجرون المناقصات الحكومية لمصلحتهم، أو من نطلق عليهم الآن ذوي الحظوة من الرأسماليين. وما لبث هؤلاء المقربون أن تكاثروا بسرعة وسيطروا على الأسواق التي تحررت في جميع أنحاء المنطقة، لاسيما في آخر تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الحالية، لكن عملهم افتقر إلى الكفاءة، حيث عملوا على خنق روح المنافسة والابتكار.

ولكي يظل هؤلاء الحكام ممسكين بزمام السلطة راحوا يخطبون ود الطبقة المتوسطة بدعم الأسعار في الوقت الذي استخدموا فيه العنف لقمع الفقراء، فازدادت الدول فقرا، في حين تدهور مستوى الخدمات العامة مما أضر بالحراك الاجتماعي.

هذا النظام لم يجلب الوظائف التي تحتاجها الأعداد المتزايدة من المتعلمين والأعداد الكبرى للوافدين الجدد على سوق العمل. وفضلا عن ذلك فقد اتسعت هوة الفروق وزادت معاناة الفقراء الذين باتوا عاجزين عن الارتقاء اجتماعياً، كما تفاقمت حالة الإحباط في صفوف الشباب المتعلم الطامح لمستقبل أفضل.

الربيع العربي
وما لبث هذا النظام أن انهار مع قدوم الربيع العربي، وكالسد الذي انفجر كشفت الانتفاضات عن الأزمة العميقة للرأسمالية العربية. ويوضح استطلاع رأي أجرته مؤسسة غلوبال آراء الشعوب العربية قبل الثورات وبعدها، وهو يقارن بين نسبة السكان الذين يبدون آراء جيدة بشأن رجال الأعمال وأصحاب المشاريع، وبين الصورة السائدة عن الفساد في عالم الأعمال.

وخلص الاستطلاع إلى نتائج أولها أنه تسود في العديد من البلدان العربية آراء سلبية تماما عن أصحاب المشاريع في القطاع الخاص، وثانيا يقترن الأمر حينما يكون الوضع هكذا بتصور فساد عالم الأعمال. وفي النهاية، يتضح أنه بعد الثورات تفاقم الوضع في هذه البلدان التي تعاني من ارتفاع مستوى الفساد، ولم يعد الناس يقبلون بالمزيد من الفساد، وباتت آراؤهم عن أصحاب المشاريع أقل إيجابية.

المصدر : مواقع إلكترونية