إعادة تأهيل الاقتصاد العالمي
آخر تحديث: 2013/12/25 الساعة 18:58 (مكة المكرمة) الموافق 1435/2/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/12/25 الساعة 18:58 (مكة المكرمة) الموافق 1435/2/23 هـ

إعادة تأهيل الاقتصاد العالمي

نايل فيرغسون

مبررات قوية لاستمرار سياسة الحفز الاقتصادي
سوء أداء الاقتصادات المتقدمة وعودة النمو للعالم
التناقض بين اليابان والصين

مبررات قوية لاستمرار سياسة الحفز الاقتصادي
في الصيف الماضي أشار كل من مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي (البنك المركزي) وبنك الشعب الصيني -البنك المركزي الصيني- إلى اعتزامهما تطبيع السياسات النقدية، فتحدث رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي بن برنانكي صراحة عن "الخفض التدريجي" لسياسة شراء السندات المفتوحة التي انتهجها الاحتياطي الاتحادي، والمعروفة أيضا بالتيسير الكمي، كما حاول محافظ بنك الشعب الصيني تشو شياو فعليا كبح جماح نمو الائتمان في بلاده.

لكن عندما جاءت ردود الأفعال في البلدين أكثر عنفا مما كان متوقعا -مع ارتفاع العائدات على السندات في الولايات المتحدة إلى عنان السماء وارتفاع الفوائد على القروض بين البنوك بشكل حاد في الصين- تراجعت السلطات النقدية.

وبعد سنوات من التحفيز لا تكون إعادة التأهيل بهذه السهولة، لكن تظل هناك مبررات فكرية قوية لاستمرار التحفيز الاقتصادي بشكل أو آخر.

بعد سنوات من التحفيز لا تكون إعادة التأهيل بهذه السهولة, لكن تظل هناك مبررات فكرية قوية لاستمرار التحفيز الاقتصادي بشكل أو آخر

ففي شهر نوفمبر/تشرين الثاني اقترح لاري سمرز الرجل الذي بدا ذات يوم وكأنه يستعد لخلافة برنانكي أن اقتصاد الولايات المتحدة ربما وقع في قبضة "الكساد المادي".

ويواصل خبراء اقتصاد آخرون الإلحاح على أن عملية تقليص نسبة التضخم الحميدة في العقود الأخيرة قد تتحول إلى انكماش خبيث في أوروبا إن لم يكن في أميركا.

لكن هناك رغم ذلك مؤشرات تدل على أن اقتصاد العالم ككل بدأ يستعيد عافيته. ويتوقع صندوق النقد الدولي تسارع النمو العالمي السنوي من 2.9% هذا العام إلى 3.6% عام 2014، وبلوغه 4% أو أكثر طوال الأعوام الأربعة التالية، وهذا أعلى من متوسط معدلات النمو المسجلة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الحالي.

سوء أداء الاقتصادات المتقدمة وعودة النمو للعالم
والواقع أن عدم التوافق بين سوء أداء الاقتصادات المتقدمة وعودة النمو إلى بقية العالم يثيران سبعة أسئلة على الأقل، خاصة بالنسبة للبنوك المركزية الكبرى ذاتها.

وتتمتع كل هذه المؤسسات بنوع ما من التفويض الوطني، إلا أن القرارات التي تتخذها تخلف حتما عواقب عالمية في عالمنا المترابط.

السؤال الأول: ماذا على وجه التحديد يعتزم بنك الاحتياطي الاتحادي أن يفعل تحت قيادة رئيسته الجديدة جانيت يلين؟

من المؤكد أنها تبدو وكأنها تفضل الدواء الحالي على الوقف المفاجئ لبرنامج البنك المركزي الأميركي، لابد أن يحدث الخفض التدريجي لبرنامج التيسير الكمي إن عاجلا أو آجلا، ولكن تخوف يلين الحقيقي بشأن حالة سوق العمل في الولايات المتحدة يشير إلى أنها سوف تعد بخفض أسعار الفائدة لفترة أطول مما قد تبرره مؤشرات أخرى.

إن الولايات المتحدة تشهد تحسنا على أكثر من صعيد، فقد جلب إليها الغاز والنفط الصخريان طفرة هائلة في مجال الطاقة، كما يشهد وادي السليكون ازدهارا واضحا، هذا فضلا عن سوق الأوراق المالية التي سجلت ارتفاعات قياسية.

ومن المدهش أن الكونغرس الأميركي الذي يعاني الاستقطاب العميق توصل للتو إلى اتفاق مالي يمتد لعامين والذي من شأنه أن يعزز الإنفاق بشكل طفيف في الأمد القريب، في حين يقلل من العجز في الأمد البعيد.

وهناك احتمال قوي أن تستجيب الأسواق لهذا وغيره من الأنباء الطيبة بتجاهل التوجيهات المسبقة، والتركيز على الخفض التدريجي للتيسير الكمي ودفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى الارتفاع.

وقد تكون إحدى العواقب المترتبة على هذا في الأمد القريب ذلك النوع من التصحيح القوي في سوق الأوراق المالية الذي رأيناه عام 1980 وعام 1987، ذلك أن مؤسسات وول ستريت تحب أن تختبر كل رئيس جديد لبنك الاحتياطي الفيدرالي.

السؤال الثاني: كيف ستكون استجابة البنوك المركزية الأخرى لنظام السياسة النقدية المتغير في واشنطن؟

في فرانكفورت يدرك البنك المركزي الأوروبي أن البلدان الواقعة على محيط منطقة اليورو ليست مستعدة لرفع أسعار الفائدة بعد، حتى إذا كانت إسبانيا وإيرلندا واليونان تظهر عليها بعض علامات الانتعاش.

يدرك البنك المركزي الأوروبي أن البلدان الواقعة على محيط منطقة اليورو ليست مستعدة لرفع أسعار الفائدة بعد، حتى إذا كانت إسبانيا وإيرلندا واليونان تظهر عليها بعض علامات الانتعاش

ولا تزال معدلات البطالة في بلدان منطقة اليورو الطرفية مرتفعة إلى حد كبير.

علاوة على ذلك، فإن الخطر السياسي الأعظم في أوروبا لا يزال هو الشعبوية، وسوف تكون انتخابات البرلمان الأوروبي في العام القادم بمثابة الفرصة الذهبية لأمثال زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا ماري لوبان.

السؤال الثالث: هل يكون أداء الشعبويين طيبا بالقدر الكافي لتعطيل العملية المعقدة المتمثلة في إنشاء اتحاد مصرفي الذي يشكل شرطا أساسيا لتعافي النظام المالي المستدام في أوروبا؟

ربما لا يحدث هذا، والواقع أن نجاح الشعبويين قد يفضي حتى إلى تشجيع الديمقراطيين الاجتماعيين والديمقراطيين المسيحيين على تشكيل "ائتلاف كبير" في البرلمان الأوروبي، وهو ما من شأنه أن يمثل خطوة أخرى في تحول الاتحاد الأوروبي الهادئ باتجاه النموذج الألماني.

ومن ناحية أخرى، كان الحماس لإعادة التأهيل النقدي في اليابان أقل: من الواضح أن حكومة شينزو آبي تتوقع المزيد من التحفيز من بنك اليابان وليس الإقلال منه، فمن المؤكد أن الآمال في نجاح "اقتصاد آبي" في رفع التضخم السنوي في اليابان إلى 2% سوف تتبدد في غياب التحفيز.

السؤال الرابع: هل تتمكن اليابان من الحفاظ على التيسير الكمي، في حين تبدأ الولايات المتحدة في خفضه تدريجيا؟

ربما، ولكن المدى الذي قد تخدم به قضية النمو المطرد ورفع معدل التضخم سوف يتوقف على ما يطلق عليه "السهم الثالث" في جعبة الإصلاح البنيوي، والذي لم يضرب بعد أهدافا حقيقية.

التناقض بين اليابان والصين
الواقع أن التناقض بين جارة اليابان ومنافستها الإستراتيجية الصين مذهل، فهناك على الأقل من الأدلة ما يشير إلى أن بنك الشعب الصيني استأنف بالفعل تشديد السياسة النقدية في محاولة لفرض أزمة ائتمانية موجهة على قطاع الظل المصرفي (مجموعة الوسطاء الماليين غير المصرفيين الذين يقدمون خدمات مماثلة للبنوك) في البلاد، وهذا يقودني إلى الأسئلة الثلاثة الأخيرة.

السؤال الخامس: هل تتمكن الصين حقا من دعم النمو في حين تعمل في الوقت نفسه على تفريغ فقاعة الائتمان وتنفيذ الإصلاحات البنيوية التي أعلن عنها بعد الجلسة المكتملة الثالثة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني؟

السؤال السادس: كيف ستستجيب الطبقة المتوسطة الجديدة الكبيرة في الصين إذا كانت الإجابة عن السؤال الخامس هي "كلا"؟

السؤال السابع: هل تستجيب القيادات في بكين لحالة السخط في الداخل بالمزيد من السياسة الخارجية العدوانية كما رأينا هذا العام؟

لا أدعي أنني أعرف الإجابة عن هذه الأسئلة الأخيرة، ولكنها قد تكون المفتاح إلى مدى رحابة "عالم إعادة التأهيل"، أو ضيقه.
___________
أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "التدهور الأعظم"

المصدر : بروجيكت سينديكيت
كلمات مفتاحية:

التعليقات