غلاء المعيشة وضعف الأجور دفع العديد من التونسيين للعمل بوظيفة ثانية لتأمين حاجياتهم (الجزيرة)

خميس بن بريك-تونس

يواجه التونسيون بعد نحو ثلاثة أعوام على ثورتهم مصاعب جمة في التكيف مع غلاء الأسعار، لكن معاناتهم قد تتفاقم بحسب بعض الخبراء في ظل توجه حكومي للمزيد من الزيادة في أسعار البنزين والسلع الأساسية، فيما تؤكد مصادر رسمية حرصها على دعم القدرة الشرائية بالبلاد.

فبعض التونسيين -الذين يرزحون تحت وطأة الغلاء- بلغ بهم الأمر للعمل بوظيفة ثانية للزيادة في دخلهم ومجابهة النفقات المتزايدة والمرتفعة، في بلد يمر بمرحلة انتقالية صعبة اتسمت بتجاذبات سياسية ووضع أمني هش واقتصاد ضعيف، بناء على تقدير عدد من المراقبين.

نبيل الشريف (41 عاما) -موظف بوزارة الثقافة متزوج وله أربعة أبناء يتقاسم معهم شقة مستأجرة في أحد الأحياء الفقيرة بمنطقة الملاسين المتاخمة للعاصمة- يقول إن غلاء المعيشة أجبره على العمل بوظائف أخرى مع أن القانون يمنع ذلك من أجل تأمين قوت عائلته.

ويقول للجزيرة نت "أعمل يوميا أكثر من 12 ساعة بعملي الأصلي وفي وظائف أخرى، فأجري ضعيف ولا يمكنني من مواجهة ثقل المصاريف". ويتقاضى الشريف شهريا 480 دينارا (288 دولارا) لكنه يسدد قرابة نصف دخله لأحد البنوك التي اقترض منها.

نبيل: أعمل أكثر من 12 ساعة باليوم في وظائف عدة لمواجهة المصاريف (الجزيرة)

ارتفاع الأسعار
وعن تقييمه للوضع المعيشي يقول إن الأسعار ارتفعت كثيرا في البلاد مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاث أو أربع سنوات، مؤكدا أن "أسعار الخضر بلغت ثلاث مرات ما كانت عليه سابقا وأن أسعار اللحوم تضاعفت مرتين على الأقل".

ويشير إلى أنه يواجه صعوبة في تلبية حاجيات أبنائه في الصفوف الابتدائية في ظل ارتفاع أسعار المواد المدرسية، قائلا بصوت فيه مرارة إن "الحرمان سيؤدي لتفشي الجرائم لأن الفقراء سيجدون أنفسهم مجبرين على السرقة للعيش".

لكن تونس التي خرجت منهكة من ثورة أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي، تواجه هي الأخرى تحديات كبيرة لإنعاش اقتصادها، وتخطي أزمتها السياسية حتى تنكب على تحقيق مطالب الشعب في التشغيل والتنمية.

ففي ظل ارتفاع عجز الميزانية نتيجة الزيادات المتتالية في الأجور وارتفاع مصاريف الدعم، قررت الحكومة العام المقبل رفع أسعار البنزين والسلع الأساسية وفرض ضرائب جديدة حفاظا على التوازنات المالية.

عجز الموازنة
ويقول وزير المالية إلياس فخفاخ للجزيرة نت إن "هذه التعديلات في الأسعار ضرورية للتحكم بعجز الموازنة، والتقليص من التداين وتوفير موارد إضافية لتوظيفها في تنمية المناطق الفقيرة" التي شنت مؤخرا تحركات احتجاجية.

ورفض فخفاخ الانتقادات التي وجهها خبراء لمشروع ميزانية العام المقبل بدعوى أنها ستزيد من معاناة الفئات الفقيرة والمتوسطة، قائلا "الموازنة أنجزت في ظرف استثنائي وبمسؤولية كبيرة للحفاظ على سلامة التوازنات المالية".

وبشأن الإجراءات التي اتخذت لدعم القوة الشرائية، يقول إن الحكومة قررت إعفاء نحو 350 ألف أجير من الضرائب شرط أن يقل دخلهم السنوي عن خمسة آلاف دينار (3 آلاف دولار)، "وهو ما سيسمح لهم بتوفير جراية (راتب واحد) بالعام".

ومن بين الإجراءات الأخرى التي تحدث عنها فخفاخ، إعفاء أكثر من 75 ألف فلاح من دفع الديون المخلدة بذمتهم، والتي تقلّ عن خمسة آلاف دينار (3 آلاف دولار)، إلى جانب إجراءات تشجع المؤسسات في القطاع الخاص على توظيف اليد العاملة.

الجودي: القدرة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة تتآكل بفعل ارتفاع الأسعار(الجزيرة)

القوة الشرائية
لكن هذه الإجراءات لن تكون قادرة برأي الاقتصادي معز الجودي على التصدي لموجة الغلاء المعيشي، قائلا للجزيرة نت إن "توجه الحكومة للترفيع في الأسعار سيزيد من تدهور القوة الشرائية في الفترة المقبلة".

ويرى أن القوّة الشرائية للطبقة الوسطى والفقيرة بدأت تتآكل في تونس مع الزيادة في أسعار الإيجار والسكن والمحروقات والسلع الضرورية، مبرزا أن "الأجور لا تتطابق مع قدرة المواطنين على تحمل المصاريف".

وعن أبرز الأسباب وراء ارتفاع الأسعار، يقول الجودي للجزيرة نت إن التضخم المستورد انعكس سلبا على طاقة الاستهلاك في الداخل نتيجة انزلاق قيمة الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية وارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية.

المصدر : الجزيرة