النساء وعالم السياسات النقدية
آخر تحديث: 2013/11/7 الساعة 23:39 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/5 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/11/7 الساعة 23:39 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/5 هـ

النساء وعالم السياسات النقدية

استبعاد النساء من عالم صنع السياسات النقدية
السبب وراء عدم وجود مرشحات مناسبات

استبعاد النساء من عالم صنع السياسات النقدية
تُرى, هل بدأ واحد من آخر معاقل عدم المساواة بين الجنسين في الديمقراطيات الغنية ينهار أخيرا؟

في الأسابيع القليلة الماضية، تم ترشيح جانيت يلين أول أنثى تتولى رئاسة مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي، وأصبحت كارنيت فلوغ أول امرأة تعين محافظا للبنك المركزي الإسرائيلي.

وإذا كان المال قوة فلا يجوز بعد الآن استبعاد النساء من التحكم في إمداداته.

ورغم أن النساء يتولين بالفعل رئاسة البنوك المركزية في 17 من بلدان الأسواق الناشئة -بما في ذلك ماليزيا وروسيا والأرجنتين وجنوب أفريقيا وليسوتو وبوتسوانا- فإنهن يمثلن الاستثناء الذي يثبت قاعدة عامة، وهي أن النساء مستبعدات من عالم صنع السياسات النقدية.

يشكل تعيين يلين أهمية خاصة، لأنها تكسر السقف الزجاجي في الاقتصادات المتقدمة. فحتى تعيينها لم يكن لدى أي من بلدان مجموعة الدول السبع امرأة تتولى رئاسة بنك مركزي.

وعلاوة على ذلك، يحتل الرجال كل المقاعد الثلاثة والعشرين في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي.

ومنذ إنشاء لجنة السياسة النقدية التابعة لبنك إنجلترا في العام 1997، عينت ثلاث نساء فقط أعضاء من الخارج، ولم ترشح أي امرأة لعضوية هذه اللجنة منذ العام 2002. ولا يضم بنك اليابان سوى امرأة واحدة في مجلسه السياسي.

والأمر الأكثر ترجيحا في أيامنا هذه أن تحتل النساء مناصب سياسية، فقد أعيد انتخاب أنجيلا ميركل مؤخراً لولاية ثالثة مستشارة لألمانيا، كما انتخب البريطانيون مارغريت تاتشر ثلاث مرات رئيسة للوزراء، وتولت امرأة في فرنسا في وقت سابق منصب رئيس الوزراء. ولكن أي امرأة لم تقترب حتى من تولي قيادة البنوك المركزية في هذه البلدان.

ويبدو أن المساواة استعصت على البنوك المركزية حتى في الدول الإسكندنافية التي تتسم بالحرص على المساواة بين الجنسين.

فعلى سبيل المثال سنجد أن النرويج، التي ظلت تروج للتمييز الإيجابي بين الجنسين لسنوات عديدة، التي انتخبت مؤخرا إرنا سولبيرج أول رئيسة وزراء للبلاد، لم تسمح بعد لامرأة بالتحكم في الخزانة، سواء رئيسة للبنك المركزي أو وزيرة للمالية وصندوق ثروتها السيادي القوي.

يشكل تعيين يلين أهمية خاصة، لأنها تكسر السقف الزجاجي في الاقتصادات المتقدمة, فحتى تعيينها لم يكن لدى أي من بلدان مجموعة الدول السبع امرأة تتولى رئاسة بنك مركزي

وكانت المحاولات الأخيرة لفرض التغيير هدامة. ففي محاولة لتعزيز التنوع والمساواة بين الجنسين في البنك المركزي الأوروبي، منع البرلمان الأوروبي في العام 2012 تعيين إيف ميرش من لوكسمبورغ في المجلس التنفيذي للبنك. ولكن أعضاء البرلمان الأوروبي فشلوا آنذاك في اقتراح بديل معقول من الإناث، مما أدى إلى عجز في هيئة العاملين بالبنك المركزي الأوروبي لأسابيع أثناء أزمة الديون السيادية في منطقة اليورو.

وليس من المستغرب أن يصبح تناول البرلمان الأوروبي لمسألة تعيين ميرش موضع سخرية على نطاق واسع، ثم أكّد التعيين في نهاية المطاف.

ولكن العديد من الناس توصلوا إلى الاستنتاج الخاطئ من ذلك الحدث، فنظروا إليه باعتباره تأكيدا على فكرة مفادها أن الكفاءة والخبرات لا بد أن تتفوق دوما على الأفكار الخاطئة حول التمييز الإيجابي. حتى زعم البعض أن الغلبة لا بد أن تكون للمرشح الأفضل بصرف النظر عن الجنس ما لم يكن لدينا مرشحات مناسبات.

السبب وراء عدم وجود مرشحات مناسبات
بيد أن هذا الرأي يغفل نقطة بالغة الأهمية، فما السبب وراء عدم وجود مرشحات مناسبات في المقام الأول؟

إن النساء يحملن نحو 30% من شهادات الدكتوراه في الاقتصاد في البلدان المتقدمة، بما في ذلك أوروبا، ورغم ذلك لم يدفع بأي منهن إلى منصب رئاسة البنك المركزي الأوروبي.

والاستنتاج الأقرب إلى المنطق والعقل الذي يمكن استخلاصه من تعيين ميرش هو أن أحدا لم يبذل أي محاولة جادة لتحديد النساء المؤهلات في وقت مبكر. 

فما يحدث هو العكس تماما، فثمة ميل إلى تجاهل المرشحات من النساء. وكانت هذه هي الحال لكل من يلين وفلوغ، إلى أن اختار المرشح الذكر المفضل التنحي. ولم يُعرَض المنصب على فلوغ إلا في غياب منافس ذكر، رغم أنها كانت تحتل المنصب مؤقتا بالفعل في حين كان مجلس الإدارة يبحث عن خليفة لستانلي فيشر.

ولم يكن السبب وراء تجاهل يلين أو فلوغ في مستهل الأمر افتقارها إلى المؤهلات الأكاديمية، فكل منهما عالمة بارعة، أو الادعاء المعتاد بأنها ذات "خبرات محدودة"، فقد شغلت فلوغ منصب نائب محافظ بنك إسرائيل منذ العام 2011، وكانت يلين ضالعة في نظام الاحتياطي الاتحادي الأميركي لما يقرب من عقدين من الزمان، أولا في سان فرانسيسكو ثم لاحقا في منصب نائب رئيس مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي الأميركي.

وإذا لم يكن الافتقار إلى المهارات أو الخبرة هو السبب وراء منع النساء من الوصول إلى قمة عملية صنع السياسات النقدية فما السبب إذن؟

أظن أن التفسير الأكثر قبولا هو أن البنوك المركزية، باعتبارها منظمات لا يتولى قيادتها زعماء منتخبون وتتسم بقدر محدود من الشفافية، تميل إلى العمل وكأنها نواد تحرص عضويتها الذكورية إلى حد كبير على استئجار وتعزيز أنماط معينة، وتعزز الحكومات عادة هذا الميل من خلال التصديق التلقائي على المرشح المفضل لدى البنوك للمنصب الأعلى.

وإذا كانت المساواة بين الجنسين سببا للتنوع، فإن هذا يعني فشل البنوك المركزية في اختبار التنوع الأساسي.

 ذلك أن تشجيع التنوع -ليس فقط من حيث النوع، بل أيضا في ما يتصل بالعمر، وفي العديد من البلدان الخلفية العرقية- يمثل مسألة فعالية بقدر ما يشكل مسألة عدالة اجتماعية.

إن تبني عملية تعيين أوسع نطاقا وأكثر شفافية من شأنها الحد من غلبة التفكير الجمعي، وتحدي الوضع القائم ومساعدة البنوك المركزية بشكل أفضل للتعامل مع الأزمات المالية.
ـــــــــــــــــــــ
مديرة أبحاث الاقتصاد الدولي في تشاثام هاوس.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات