إصلاحات الصين الجديدة بين النظرية والتطبيق
آخر تحديث: 2013/11/20 الساعة 13:03 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/18 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/11/20 الساعة 13:03 (مكة المكرمة) الموافق 1435/1/18 هـ

إصلاحات الصين الجديدة بين النظرية والتطبيق

وليام إتش أوفرهولت

التحول نحو السياسات الداعمة للسوق
التغير السريع ينطوي على آلام هائلة
الإصلاح ليس مجرد خطة، فهو يحدث الآن بالفعل

التحول نحو السياسات الداعمة للسوق
في الثاني عشر من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أعلنت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني, بعد اجتماع مطول, عن تحول رئيسي نحو السياسات الداعمة للسوق كتحرير أسعار الفائدة والعملة، وإصلاح البنوك والشركات المملوكة للدولة، وزيادة شفافية ملكية الأراضي لسكان المناطق الريفية، وتقديم صفقة أفضل للمهاجرين في المناطق الحضرية.

وكان الدافع وراء اتخاذ هذا القرار التاريخي هو توقع أزمة محتملة.

 فقد كان نجاح الصين مدفوعاً بالصادرات الرخيصة التي تعتمد على العمالة الرخيصة، والبنية الأساسية التي تشيدها مؤسسات الدولة بالاستعانة بالتمويل المصرفي الرخيص، والميزانيات الحكومية الممولة بمبيعات الأراضي.

رغم أن تنفيذ الإصلاحات سيكون صراعاً طويلاً في ظل مقاومة شرسة في بعض الأحيان، فإن بعض الإصلاحات الأساسية بدأت بالفعل.

لكن العمالة لم تعد رخيصة، وأدى بناء الطرق لربط المدن الرئيسية إلى بناء مراكز تسوق ضخمة في البلدات الصغيرة، وبدأت مبيعات الأراضي على أساس إعادة تقسيمها تبلغ حدودها الاقتصادية وأيضاً حدود تسامح القرويين.

والآن تهدد الأموال الرخيصة، مع وجود منافذ استثمارية محدودة، بتغذية فقاعات عقارية وفرط القدرة الصناعية. وبدون تغييرات جوهرية، فإن الصين مهددة بتباطؤ النمو الاقتصادي، وعدم كفاية فرص العمل الجديدة، وتراجع الإبداع، وتفجر الفقاعات.

ويكمن الحل في التحول السريع من نموذج النمو القائم على التصدير في الصين إلى نموذج آخر يستند إلى الطلب الداخلي, ومن مشاريع البنية الأساسية إلى الاستهلاك, ومن هيمنة الشركات الضخمة المملوكة للدولة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم, ومن الصناعة إلى الخدمات, وبشكل أكثر عموما، من السيطرة البيروقراطية إلى سيطرة السوق.

والواقع أن كل البلدان الآسيوية الناجحة أجرت هذا التحول. وتُعَد كوريا الجنوبية وتايوان بلدان نموذجيان في هذا الصدد. 

التغير السريع ينطوي على آلام هائلة
لكن التغير السريع ينطوي على آلام هائلة. ذلك أن الشركات المملوكة للدولة سوف تفقد قروضها المنخفضة الفائدة، والأراضي المدعمة، والحماية التي يوفرها لها الاحتكار، والسكن المتميز. وسوف تخسر بيروقراطيات الدولة السلطة والدخل.

وتعيش الحكومات المحلية موقفاً يائساً بشكل خاص. فديونها ضخمة للغاية، وهي الديون التي كانت تسددها من خلال إعادة تقسيم الأراضي وبيعها. وبسبب الضغوط التي تفرضها بالفعل أسعار العقارات الباهظة والمقاومة الشعبية للاستيلاء على الأراضي، تواجه الحكومات المحلية الآن ارتفاع أسعار الفائدة، والضرائب على العقارات، والقرويين الذين زادت حقوق الملكية من تمكينهم، والمتطلبات الجديدة المكلفة المتمثلة في توفير الخدمات الاجتماعية للمهاجرين. وكان إحباط الحكومات المحلية والمسؤولين التنفيذيين في الشركات المملوكة للدولة سبباً في خلق مقاومة قوية للإصلاح.

ورغم أن تنفيذ الإصلاحات سيكون صراعاً طويلاً في ظل مقاومة شرسة في بعض الأحيان، فإن بعض الإصلاحات الأساسية بدأت بالفعل.

يجري الانفتاح الاقتصادي بالصين على آسيا الوسطى ورابطة دول جنوب شرق آسيا (وتحديداً فيتنام) على قدم وساق, وسوف يتضمن الإصلاح المزيد من الانفتاح الدولي.

فالخطة الخمسية الثانية عشرة الحالية تدعو إلى زيادة الأجور السنوية بمتوسط لا يقل عن 13.4%، وهذا العام ترتفع الأجور بمتوسط يبلغ 18%، وهو ما من شأنه أن يفرض ضغوطاً شديدة على الصناعات التي تتسم بالقدم أو فرط السعة.

وعلاوة على ذلك فإن حملة مكافحة الفساد التي تشنها الحكومة تستهدف بعضاً من أقوى المجموعات الصناعية، مثل صناعة النفط، فتضعف بالتالي مقاومتها للإصلاح.

والأمر الأكثر أهمية هو أن النتائج الاقتصادية أصبحت متماشية على نحو متزايد مع أهداف السلطات. وتمثل الخدمات بالفعل قدراً أكبر من الإنتاج والعمالة مقارنة بالصناعة. فشركة الإنترنت "علي بابا" على سبيل المثال، تعمل على تمكين المستهلكين والشركات الأصغر حجماً على نطاق لم يكن من الممكن تصوره من قبل . وكان النمو الأخير مدفوعاً بالطلب الداخلي وليس الصادرات.

الإصلاح ليس مجرد خطة، فهو يحدث الآن بالفعل
إن الإصلاح ليس مجرد خطه, فهو يحدث الآن بالفعل، ويجري الانفتاح الاقتصادي على آسيا الوسطى ورابطة دول جنوب شرق آسيا (وتحديداً فيتنام) على قدم وساق، وسوف يتضمن الإصلاح المزيد من الانفتاح الدولي.

وتأتي القرارات الجديدة في أعقاب إطلاق منطقة التجارة الحرة بشنغهاي في سبتمبر/أيلول، والتي سوف تفتح قطاعات جديدة للاستثمار الأجنبي وتسمح إلى حد كبير للصفقات المالية وتدفقات رأس المال القائمة على السوق. والمقصود أن يكون تحرير تدفقات رأس المال سياسة وطنية تدريجية، يتم توجيهها عبر مؤسسات موثوق بها في شنغهاي.

وبالنسبة للتجارة في السلع، فإن منطقة التجارة الحرة الجديدة من المفترض أن تتنافس بشكل مباشر مع سنغافورة وهونغ كونغ،وتخشى الصين الاعتماد على هذه المستودعات في حالة نشوء نزاعات.

وبالنسبة للمستثمرين الأجانب فإن هذه السياسة سوف تتلخص في توسيع مجال الفرص بشكل كبير في حين تحد من السيطرة الأجنبية، فقد تحتفظ الشركات الأجنبية على سبيل المثال بحصص الأقلية في قطاع الاتصالات، في حين تواجه الشركات الأجنبية المهيمنة مثل مونسانتو القيود.

ويواجه الرئيس الصيني شي جين بينغ المهمة الخطيرة سياسيًا، والمتمثلة في دفع أجندة الإصلاح التي أقرها الحزب الشيوعي الصيني رغم المعارضة الشرسة بينما يتباطأ الاقتصاد. 
الصين سوف تركز في الوقت الحالي على الأقل على موجة أخرى كبرى من الإصلاح الاقتصادي، بينما سيكون الإصلاح السياسي محدوداً في الغالب بإعادة تنظيم الهيئات الحكومية من أجل تعزيز الكفاءة والجهود الرامية إلى الحد من الفساد.

وبالتأكيد على سيطرة الحزب من خلال شن حملة ضد الشركات المملوكة للدولة، والمعارضين في الحكومة، والمنتقدين في أجهزة الإعلام والدوائر الأكاديمية، يسعى شي إلى تعظيم قدرته على فرض الإصلاحات الاقتصادية  بينما يحاول الحد من خطر التحدي من قِبَل القوى المحافظة.

وهو عازم في المقام الأول من الأهمية على تجنب مصير زعماء صينيين سابقين، مثل هو ياو بانغ وتشاو جيانغ، الذين فقدوا وظائفهم بعد أن استقر في أذهان كتلة حرجة من معارضيهم أن الإصلاح الاقتصادي والسياسي يعرض سيطرة الحزب للخطر.

لذا فإن الصين سوف تركز في الوقت الحالي-على الأقل- على موجة أخرى كبرى من الإصلاح الاقتصادي، بينما سيكون الإصلاح السياسي محدوداً في الغالب بإعادة تنظيم الهيئات الحكومية من أجل تعزيز الكفاءة والجهود الرامية إلى الحد من الفساد. (وكانت هناك بعض الخطوات نحو الإصلاح، بما في ذلك اتخاذ القرار باستبعاد القضاة من السيطرة السياسية المحلية).

ورغم هذا فإن الصين سوف تجد صعوبة متزايدة في تأجيل اتخاذ التدابير الأكثر قوة التي من شأنها أن تسترضي المطالب الشعبية بالنزاهة، بما في ذلك إنشاء هيئة قضائية مستقلة، وهو الأمر الذي قد لا يقل حتمية عن الإصلاح الاقتصادي البنيوي.

وعلى نحو مماثل، يتعين على الزعماء إما أن يتقبلوا الانتقاص من سيطرتهم إلى حد كبير بسبب ثورة المعلومات، وإما أن ينخرطوا في عملية قمعية أكثر تكلفة.

وتستند الآمال في الإصلاح السياسي إلى التوقعات بأن تشهد ولاية شي الثانية الانضمام إلى القادة العليا من الإصلاحيين، مثل عضو المكتب السياسي وانغ  يانغ ونائب الرئيس لي يوان تشاو. لكن في الوقت الحالي، سوف تركز الصين على موجة أخرى كبرى من الإصلاح الاقتصادي. ــــــــــــــــــــــــــ
كبير زملاء معهد فنغ العالمي ومركز آسيا في جامعة هارفارد

المصدر : بروجيكت سينديكيت