محمد عبد الله العريان

قدر متعاظم من المسؤولية للبنوك المركزية
المسؤولية والالتزام الأخلاقي
تحقيق الازدهار منوط بمؤسسات أخرى

قدر متعاظم من المسؤولية للبنوك المركزية
يزخر التاريخ بأناس وبمؤسسات ارتفعوا إلى مراتب التفوق فقط لكي ينهاروا بعد حين.

وفي أغلب الحالات كانت الغطرسة -شعور المرء بأنه لا يُقهَر، وهو الشعور الذي يتغذى على سلطة أو قوة لا منازع لها- السبب وراء الانهيار.

لكن في حالات أخرى يأتي الصعود والسقوط في الأغلب كنتيجة لأسباب لا يمكن تبريرها.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، اتخذت البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة الكبرى وضعاً شبه مهيمن فيما يتصل بصنع السياسات. وفي عام 2008، استدعيت هذه البنوك لإصلاح الخلل في الأسواق المالية قبل أن تنزلق بالعالم إلى الكساد الأعظم الثاني.

وفي السنوات اللاحقة منذ ذلك الحين، تحملت البنوك المركزية قدراً أعظم من المسؤولية عن تسليم قائمة متنامية من النتائج الاقتصادية والمالية.

وكلما تولت البنوك المركزية المزيد من المسؤوليات ارتفعت التوقعات بشأن ما يمكنها تحقيقه، وخاصة فيما يتعلق بالهدف الثلاثي الذي يتمثل في الاستقرار المالي، والنمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل.

في السنوات اللاحقة للأزمة المالية العالمية، تحملت البنوك المركزية قدراً أعظم من المسؤولية عن تسليم قائمة متنامية من النتائج الاقتصادية والمالية

والحكومات التي كانت تبدي امتعاضها من سلطة البنوك المركزية ذات يوم أصبحت الآن سعيدة بتحميلها مسؤولية التعويض عن نقائصها في إدارة الاقتصاد، إلى الحد الذي يجعل بعض الهيئات التشريعية تشعر وكأنها مخولة حق السقوط مراراً وتكراراً في السلوك غير المسؤول.

إن البنوك المركزية في البلدان المتقدمة لا تطمح أبداً إلى وضعها الحالي. فقد وجدت نفسها هنا لأن البديل، عند كل مرحلة، ينطوي على عواقب أسوأ بالنسبة للمجتمع.

المسؤولية والالتزام الأخلاقي
والحق أن تولي البنوك المركزية مسؤوليات إضافية لم يكن مدفوعاً برغبتها في اكتساب سلطة أعظم بقدر ما كان راجعاً إلى شعور بالالتزام الأخلاقي. وأغلب محافظي البنوك المركزية يضطرون إلى تولي دورهم الجديد على مضض.

ومع تهميش الكيانات الأخرى الصانعة للسياسات بفعل الدرجة غير العادية من الاستقطاب السياسي المحلي والإقليمي، شعرت البنوك المركزية في البلدان المتقدمة بأنها ملزمة بالعمل على تعظيم استقلاليتها واستقلالها السياسي النسبي.

وفي كل مرحلة كان أملها أن تتمكن من كسب الوقت لصالح صناع السياسات الآخرين للسماح لهم باستجماع شتات أنفسهم، لكن البنوك المركزية تجد نفسها مضطرة دوماً إلى البحث عن سبل لكسب المزيد من الوقت.

وكانت البنوك المركزية من بين أول من حذروا من أن قدرتها على التعويض عن تقاعس غيرها من الأطراف ليست بلا نهاية ولا تخلو من المخاطر. وقد أقرت في وقت مبكر بأنها كانت تستخدم أدوات غير كاملة وغير مجربة. كما حذرت مراراً وتكراراً من أنها كلما طال أمد اضطرارها إلى وضعها الحالي، ارتفع خطر ارتباط عملها الجديد بأضرار جانبية متصاعدة وعواقب غير مقصودة.

والمشكلة هي أن قِلة من الأطراف الخارجية تنصت إلى التحذيرات، ناهيك عن الاستعداد لمواجهة حدود فعالية البنوك المركزية في نهاية المطاف. ونتيجة لهذا فإنها تجازف بالتسبب في تفاقم التحديات المحتملة.

ويصدق هذا بشكل خاص على الكيانات الصانعة للسياسات والتي تمتلك أدوات أفضل كثيراً للتصدي لمشاكل النمو وتشغيل العمالة في الاقتصادات المتقدمة.

وبدلاً من اغتنام الفرصة التي توفرها السياسات النقدية غير التقليدية التي تنتهجها البنوك المركزية في القيام بالاستجابة الفعّالة، فقد انزلق العديد من هذه الكيانات إلى وضع يتسم بالسُبات والتقاعس عن العمل.

ففي الولايات المتحدة، وللمرة الخامسة على التوالي، تخلف الكونغرس حتى الآن عن إقرار موازنة تامة النضج، ناهيك عن التعامل مع الرياح المعاكسة للنمو الاقتصادي وتشغيل العمالة.

وفي منطقة اليورو، توقفت مبادرات التكامل الضريبي الداعمة للنمو في الأساس، كما توقفت المبادرات المصرفية التي هي خارج نطاق الاختصاصات المباشرة للبنك المركزي الأوروبي. وحتى اليابان تحولت إلى علامة استفهام، ولو أن تغيير الحكومة هناك هو الذي دفع البنك المركزي إلى تجاوز (من الناحية النسبية) عمليات الموازنة العمومية غير التقليدية التي يزاولها مجلس  الاحتياطي الاتحادي الأميركي.

وانزلقت الأسواق أيضاً إلى حالة من الرضا عن الذات.

وفي مواجهة فكرة "خيار البنك المركزي"، كان العديد من المستثمرين على استعداد للتغاضي عن السياسات الاقتصادية غير المتوازنة التي تنتهجها البلدان، فضلاً عن الاستقطاب السياسي الحاد الذي بات سائداً الآن في بعض البلدان.

والنتيجة هي خوض المجازفات المالية التي تتجاوز ما يمكن تبريره بواسطة الأساسيات، وهي الظاهرة التي تفاقمت بفعل الطبيعة القصيرة الأجل لهياكل التحفيز وفرص السوق المربحة التي توفرت حتى الآن بفضل تأكيدات البنوك المركزية على ضمان ظروف السيولة السخية.

وعلى النقيض من هذا، يبدو أن الشركات غير المالية تتبنى نهجاً أكثر دقة في التعامل مع دور البنوك المركزية.

ومن المؤكد أن أدوات السياسة الغامضة التي تتبناها البنوك المركزية، والقدرة غير المقيدة تقريباً على الوصول إلى مطبعة النقود، تأسر مخيلة البعض.

البنوك المركزية لا تستطيع أن تحقق أهداف النمو بمفردها, فلابد من استكمال تدابيرها الناقصة باستجابات أفضل توقيتاً وأكثر شمولاً من قبل كيانات أخرى صانعة للسياسات

وتبدو أطراف أخرى، وخاصة الشركات الكبرى، أكثر تشككا. فبسبب تشككها في استدامة السياسة الاقتصادية الحالية لسنوات عديدة، تحجِم هذه الأطراف عن الدخول في استثمارات طويلة الأجل، فتختار بدلاً من ذلك التأمين الذاتي الأعلى.

تحقيق الازدهار منوط بمؤسسات أخرى
بطبيعة الحال، قد تختفي كل المشاكل بسرعة إذا نجحت البنوك المركزية في تحقيق التعافي الاقتصادي الدائم من حيث النمو السريع المستدام، وخلق فرص العمل بوفرة وقوة، وتهيئة الظروف المالية المستقرة، وتحقيق الازدهار الأكثر شمولا. لكن البنوك المركزية لا تستطيع أن تحقق هذه الغاية بمفردها. فلابد من استكمال تدابيرها الناقصة حتماً باستجابات أفضل توقيتاً وأكثر شمولاً من قِبَل كيانات أخرى صانعة للسياسات، وهذا بدوره يتطلب نموذجاً سياسياً وطنياً وإقليمياً وعالمياً بنّاء.

وبعد أن دُفِعَت إلى وضع التفوق السياسي غير الطبيعي هذا، فمن المستحسن أن تفكر البنوك المركزية -وهؤلاء الذين أصبحوا معتمدين على عملياتها الفائقة النشاط في صناعة السياسات- في ما قد يخبئه المستقبل, وعمل اللازم لتقليص المخاطر. واستناداً إلى الاتجاهات الحالية، فإن سمعة البنوك المركزية سوف تكون على نحو متزايد بين أيدي أطراف خارجية -الساسة المتناحرين- وكيانات صنع السياسات الأخرى، والأسواق التي بالغت في تقدير قوة السلطات النقدية.

إن البنوك المركزية في البلدان المتقدمة تجازف بما هو أكثر من مجرد مكانتها في المجتمع بالسماح بدفعها إلى هذا الموقف الذي لا تُحسَد عليه. وهي أيضاً تقامر باستقلالها السياسي ومصداقيتها التي اكتسبتها بشق الأنفس والمطلوبة للتأثير على سلوك القطاع الخاص. وليس من مصلحة أحد أن يسمح بانهيار هذه المؤسسات البالغة الأهمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الرئيس التنفيذي والمسؤول الإعلامي المشارك لمؤسسة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر : بروجيكت سينديكيت