عبد الحافظ الصاوي

السياحة الإيرانية
جدل التشيع
السياحة الإسرائيلية
أوجه مقارنة
إدارة متخبطة

ظلت السياحة المصرية من أهم ركائز الاقتصاد في مصر على مدار العقود الخمسة الماضية، حيث تعد من أهم أربعة مصادر للنقد الأجنبي للبلاد على مدار تلك الفترة وحتى الآن. إذ قدرت عائداتها في العام 2010 بنحو 14 مليار دولار، فضلا عن علاقاتها المباشرة وغير المباشرة بالعديد من الأنشطة الاقتصادية.
 
وقد تعرضت السياحة المصرية للعديد من الانتكاسات، ولكنها تمتلك بنية قوية تتمثل في ذلك التراث الحضاري، حيث تمتلك مصر نحو ثلث الآثار التاريخية على مستوى العالم، وكذلك تتمتع مصر بالشواطئ الممتدة على البحرين الأحمر والمتوسط، وكذلك اعتدال مناخها طيلة العام، مما يجعلها مزارا سياحيا خلال شهور السنة.

وقد تأثرت السياحة المصرية كثيرا بعد ثورة 25 يناير، إلا أنها عاودت نشاطها بنسبة تقترب من 80 % في فترة الرئيس المعزول محمد مرسي، حيث تجاوزت عوائد السياحة حاجز العشرة مليار دولار، وزار مصر ما يزيد عن 10 ملايين سائح.

وقد شهدت الفترة الماضية خلال العام المالي 2012/2013 محاولات مصرية لتنشيط سوق السياحة، فكان التوجه نحو إيران إلا أن هذا التوجه لم يكتب له الاستمرار، حيث اتجهت حكومة الانقلاب العسكري نحو تجميد ملف السياحة الإيرانية، وفي الوقت نفسه نشطت شركات سياحة مصرية لتشجيع السياحة الإسرائيلية.
 
خلال 2012-2013 لوحظت محاولات مصرية لتنشيط سوق السياحة، فكان التوجه نحو إيران غير أن هذا التوجه لم يكتب له الاستمرار، حيث اتجهت حكومة الانقلاب العسكري نحو تجميد ملف السياحة الإيرانية
السياحة الإيرانية
في مطلع العام 2013 قررت الحكومة المصرية مباشرة علاقات اقتصادية مع إيران، وتجلت هذه العلاقات في مظهرها الأول بعودة السياحة الإيرانية إلى مصر بعد انقطاع في العلاقات بين البلدين بشكل عام منذ 34 عاما، إلا أن الملف السياحي تم تفعيله في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2013 بمجيء رحلتين من طهران للقاهرة.

وضمت الرحلتان نحو 150 سائحا تقريبا، وخصصت لهما أماكن محدودة وهي الأقصر وأسوان وشرم الشيخ ومنطقة الأهرامات، وأجلت زيارة السياح الإيرانيين للمزارات الدينية بالقاهرة، التي تتمثل في مساجد وقبور آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما شكلت نحو 13 شركة سياحية مصرية تحالفا فيما بينها للتعامل مع ملف السياحة الإيرانية.

وتقدر أعداد السائحين الإيرانيين في العالم بنحو 10 ملايين سائح، ويشكل هؤلاء نحو 5% من إجمالي السياحة الوافدة لتركيا، ونحو 6% من السياحة الوافدة في الإمارات، وتنظم حوالي 20 رحلة طيران يومية من طهران إلى مطار دبي، وذلك رغم النزاع القائم منذ سنوات بين إيران والإمارات على ثلاث جزر. ولا يتوقف الأمر على العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الإمارات وإيران عند هذا الحد، بل تعد الإمارات أكبر شريك تجاري عربي لإيران، وثاني شريك تجاري على مستوى العالم.
 
وحسب تقديرات لوزارة السياحة المصرية يعد  السائح الإيراني من أكثر السائحين من حيث متوسط الإنفاق اليومي، حيث قدرت دراسة للوزارة المصرية متوسط ما ينفقه السائح الإيراني في اليوم الواحد بما بين 170 دولارا و180 دولارا، وهو متوسط مرتفع جدا مقارنة بما ينفقه السائح الأوروبي، الذي تقدر الدراسات متوسط إنفاقه بما بين 80 دولارا و85 دولارا يوميا، أي أن إنفاق السائح الإيراني يفوق بالضعف ما ينفقه نظيره الأوروبي.

جدل التشيع
وحظي ملف السياحة الإيرانية بمزيد من الجدل خاصة من جانب التيار السلفي المصري، الذي رأى أن السياحة الإيرانية هي أحد أبواب نشر المذهب الشيعي في مصر، وقد تبدل موقف الحكومة المصرية تجاه السياحة الإيرانية عقب الانقلاب العسكري، حيث أعلن وزير السياحة آخر أغسطس/آب الماضي عن تجميد استقدام السياح الإيرانيين للقاهرة لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي، وكذلك مراعاة لبعض الفصائل السياسية التي تتحفظ على مجيء السياح الإيرانيين.

إلا أن اللافت أنه في الوقت نفسه تقريبا تحدثت بعض وسائل الإعلام عن قيام رحلات ترويجية وتسويقية من قبل شركات السياحة المصرية في إسرائيل، وذلك رغم الفارق الاقتصادي الكبير من حيث العائد من السائح الإيراني مقارنة بنظيره الإسرائيلي.

ورغم أن الدلالات السياسية للتوجه المصري هي الغالبة، فسوف نركز على الجوانب الاقتصادية والخسارة التي لحقت بالسياحة المصرية نتيجة لتبني حكومة الببلاوي هذا الموقف من السياحة الإيرانية، وترحيبها أو سعيها لزيادة السياحة الإسرائيلية.

السائحون الإسرائيليون يعدون من أقل السائحين عائدا من الناحية الاقتصادية لمصر، فهم في الغالب يأتون في إطار سياحة السفاري، لزيارة الصحاري والمناطق الجبلية

السياحة الإسرائيلية
في إطار اتفاقية السلام التي أبرمتها مصر مع دولة الكيان الصهيوني، أصبح من حق الإسرائيليين دخول سيناء بالهويات الشخصية فقط ودون الحاجة لتأشيرات للدخول، ولذلك يعد السائحون الإسرائيليون من أقل السائحين عائدا من الناحية الاقتصادية لمصر، فهم في الغالب يأتون في إطار سياحة السفاري، لزيارة الصحاري والمناطق الجبلية.

وعادة تكون زيارتهم في إطار المناسبات الدينية ويرون سيناء هي محل هذه المناسبات، وتقدر أعداد السائحين الإسرائيليين لمصر بنحو 132 ألف سائح، وذلك وفق بيانات العام 2012. ومن خلال هذا العدد للسائحين الإسرائيليين فإن نسبتهم ضئيلة في السياحة الوافدة لمصر، فهم لا يصلون في أحسن التقديرات إلى نسبة 2%.

فبيانات الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء تشير إلى أن الأوروبيين يشكلون 75% من السياحة الوافدة لمصر، ويشكل العرب نسبة 18%، ويشكل الأميركيون 2.5%، وباقي الجنسيات تشكل 4.5%، ومن بين هذه الجنسيات الأخرى السياحة الإسرائيلية بمصر. وذلك رغم أن السياحة الإسرائيلية في مصر غير محدودة المكان أو الزمان.

عند مقارنة السياحتين الإيرانية والإسرائيلية لمصر في ظل الموقف المصري بتجميد ملف السياحة الإيرانية بعد استقدام رحلتين فقط، نجد أن مصر خسرت كثيرا بتجميد السياحة الإيرانية، وهو ما يظهر من خلال المؤشرات الآتية.

متوسط إنفاق السائح الإيراني يفوق كثيرا متوسط أكثر السائحين ترددا على مصر، وهو السائح الأوروبي، بل يصل إلى ضعف متوسط ما ينفقه السائح الأوروبي، وكان بمقدور الإدارة المصرية أن تستمر في هذه الرحلات في ضوء الضوابط التي وضعت لتنظيم السياحة الإيرانية لمصر. وكان عليها أن تستفيد من تجربة الإمارات التي لديها خلاف يمتد لسنوات على جزر مع إيران، ولم يمنعها ذلك من استقدام السياحة الإيرانية والاستفادة من عوائدها الاقتصادية.

أوجه مقارنة
ووفق بيانات دراسة وزارة السياحة المصرية، التي نشرت مضمونها وسائل الإعلام، كانت مصر تستهدف استقطاب 140 ألف سائح إيراني سنويا في بداية التعاون السياحي بين البلدين، وهو عدد يفوق عدد السائحين الإسرائيليين، فضلا عن باقي أوجه تفوق السياحة الإيرانية على السياحة الإسرائيلية بالمعايير الاقتصادية، حيث تنقل شركات الطيران المصرية السياح الإيرانيين، فيما يأتي السائحون الإسرائيليون بسياراتهم، وهم غير ملزمين باستخدام شركات الطيران المصرية.

وكانت السياحة الإيرانية ستفتح الباب أمام تعاون اقتصادي أكبر بين مصر وإيران، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، وبطبيعة الحال فإن السائحين يضمون فئات رجال الأعمال الذين يبحثون عن فرص استثمار، ولا سيما أن مصر لديها اتفاقيات إقليمية ستمكن الاستثمارات الإيرانية من الدخول لمناطق ممنوعة عليهم مثل الاتحاد الأوروبي، والاستفادة من اتفاقية الكوميسا مع الدول الأفريقية.

السياحة الإيرانية كانت ستفتح الباب أمام تعاون اقتصادي أكبر بين مصر وإيران، إذ إن السياح الإيرانيين يضمون فئات رجال الأعمال الذين يبحثون عن فرص استثمار

وثمة مشروعات مشتركة بين مصر وإيران منذ سبعينيات القرن العشرين، ولا تزال رؤوس أموالها متواضعة، وكذلك فإن حجم التبادل التجاري بين مصر وإيران لا يزيد عن 300 مليون دولار سنويا في أحسن التقديرات، ومن شأن تنشيط حركة السياحة الإيرانية لمصر أن ينعكس إيجابا على حجم التبادل التجاري، حتى لو كان في أضيق مجالاته المرتبطة بخدمات السياحة المباشرة وغير المباشرة.

رغم تخوفات بعض المصريين من المد الشيعي في مصر عبر السياحة، هناك مشترك حضاري وثقافي قد يجمع بين الطرفين على خلاف الوضع مع إسرائيل، حيث لا يزال الحاجز النفسي بين المصريين والإسرائيليين لم يمحه الزمن، نظرا لجرائم إسرائيل في حروبها ضد مصر والعرب.

إدارة متخبطة
وشابت إدارة مصر ما بعد الانقلاب العسكري لملف السياحة الإيرانية حالة من التخبط شأنه شأن إدارة باقي الملفات الاقتصادية الأخرى، ففي الوقت الذي يصرح فيه وزير السياحة بتجميد ملف السياحة الإيرانية قال وكيل الوزارة لشؤون تنمية السياحة الداخلية في حواره مع أحد المواقع الإلكترونية إن ملف السياحة الإيرانية لم يغلق بعد.

وبمعايير الأمن القومي كان من الأجدر تجميد السياحة الإسرائيلية، فوسائل الإعلام على مدار السنوات الماضية نشرت كيف استغلت السياحة في ترويج المخدرات ومحاولات تجنيد الشباب المصري للعمل مع المخابرات الإسرائيلية، وكذلك استفزاز الجنود المصريين على الحدود. وإذا سلمنا بأن اتفاقية السلام التي تربط مصر مع إسرائيل تسمح للقاهرة بأن تدير ملف السياحة الإسرائيلية في ضوء مراعاة الأمن القومي، فما المانع أن تدير مصر ملف السياحة الإيرانية لتستفيد اقتصاديا وتراعي أيضا اعتبارات الأمن القومي.
ـــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة