استقلالية المصارف في تحديد سعر الفائدة
دلالات سلبية على انخفاض سعر الفائدة
سعر الفائدة ومعدل التضخم

استقلالية المصارف في تحديد سعر الفائدة
سعر الفائدة من الجوانب الفنية لعمل المصارف، ولذلك تقتضي القواعد السليمة للعمل الاقتصادي أن تكون هناك استقلالية حقيقية للمصارف في تحديد سعر الفائدة، دون تدخل من أحد.

غير أن الوضع في مصر يشهد حالة من الاشتباك بين السياستين المالية والنقدية، حيث ترتفع معدلات الدين العام المحلي بوتيرة سريعة على مدار السنوات الماضية، حتى قارب حجم الدين المحلي نحو 1.5 تريليون جنيه مصري.

الوضع بمصر يشهد حالة اشتباك بين السياستين المالية والنقدية، حيث ترتفع معدلات الدين العام المحلي بوتيرة سريعة على مدار السنوات الماضية، حتى قارب حجم الدين المحلي نحو 1.5 تريليون جنيه مصري

وهذا الأمر يشكل عبئا كبيرا على صانع السياسة المالية بسبب الفوائد المتراكمة لهذا الدين، فتتكبد الموازنة العامة خدمة الدين التي تتمثل في سداد الأقساط وكذلك فوائد هذا الدين.

ووفق تقديرات موازنة عام 2013/2014 فقد بلغ حجم فوائد الدين المحلي 174 مليار جنيه، كما بلغت قيمة الأقساط الواجبة السداد مائة مليار جنيه.

ولا شك في أن هذه الأعباء الثقيلة تؤثر سلبًا على قدرة الموازنة العامة في تلبية احتياجات مجتمع نام مثل مصر يعاني من مشكلات كبيرة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، ومعدلات متدنية على مؤشر التنمية البشرية.

فالبطالة طبقا للإحصاءات الرسمية تقترب من 14%، والفقر بحدود 25% من السكان.

 أما المرافق العامة في مجالي التعليم والصحة فمعاناتها تزداد عامًا بعد عام، بسبب نقص الأموال المخصصة للاستثمار. فمعظم مخصصات الموازنة في مجالي التعليم والصحة تنفق على الأجور والمرتبات، ومن هنا يتراجع مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.

وعقب الانقلاب العسكري وجدنا أن سعر الفائدة على الأذون والسندات الحكومية قد تراجع بنحو 1.8% على السندات، و2% على أذون الخزانة، وهو الأمر الذي تبعه قرارات مشابهة من قبل البنوك المصرية بتخفيض سعر الفائدة على ودائع المدخرين بنحو 1%، بينما ظلت أسعار الفائدة على القروض الممنوحة من البنوك للمستثمرين أو الأفراد بمعدل يتراوح ما بين 14% و15%، دون أية تخفيضات على سعر فائدة الإقراض، وهو ما يفند دعاوى بعض المصرفيين المصريين بأن خفض سعر الفائدة سوف يحرك سوق الاستثمار.

دلالات سلبية على انخفاض سعر الفائدة
وثمة دلالات سياسية واقتصادية سلبية على انخفاض سعر الفائدة بهذه الطريقة، مع الأخذ في الاعتبار أن ارتفاع أو انخفاض سعر الفائدة يجب أن يكون وفق مؤشرات فنية. ولا ينبغي أن تكون الأمور وفق أهواء أو أغراض لأشخاص أو هيئات، لأن الأمر يتعلق بتداعيات اقتصادية. 

فقرار البنوك بتخفيض سعر الفائدة على عطاءات الحكومة لأذون وسندات الخزانة يوم 4 يوليو/تموز بواقع 1%، أي أنه صدر في اليوم الثاني للانقلاب العسكري.

وذكرت وسائل الإعلام أن قرار البنوك أتى في إطار دعم الاقتصاد. فهل كان دعم اقتصاد البلاد من قبل البنوك متوقفًا على وقوع الانقلاب العسكري؟

ثم أتى التخفيض الثاني من قبل البنوك على أذون وسندات الخزانة منتصف أغسطس/آب، ليقترب إجمالي التخفيض على الديون الحكومية خلال شهر ونصف الشهر من الانقلاب العسكري بحدود 2% لأذون الخزانة ونحو 1.8% للسندات, وذلك بعد فض اعتصامي رابعة والنهضة. وكأن الرسالة السياسية للقرار هي أن ثمة أمورا إيجابية تتحقق في ظل إسراف حكومة حازم الببلاوي في استخدام القوة، وأن عوائد هذه الخطوات سوف تنعكس على حياة المواطن.
ثمة دلالات سياسية واقتصادية سلبية على طريقة انخفاض سعر الفائدة، مع الأخذ في الاعتبار أن ارتفاع أو انخفاض سعر الفائدة يجب أن يكون وفق مؤشرات فنية

وهذا التخفيض يتناسب مع تصريحات وزير المالية التي أكد فيها غير مرة إصرار الحكومة على أن يكون العجز بالموازنة بحدود 9.5%، وهو أمر مستحيل في ظل التعويل على نفس سياسات الاستدانة والاعتماد على الديون في تمويل الموازنة.

 فالتقديرات المتوقعة لما سيوفره تخفيض سعر الفائدة على الديون الحكومية لن تزيد على عشرة مليارات جنيه نظير كل تخفيض بنسبة 1%، أي أن التخفيضات المنتظرة في خدمة الدين ستكون بحدود عشرين مليار جنيه على أحسن التقديرات.

وفي يناير/كانون الثاني 2011 كان متوسط سعر الفائدة على الأذون والسندات يتراوح ما بين 10% و10.5%. وبعد ثورة 25 يناير اتجه سعر الفائدة على الأذون والسندات الحكومية للصعود بشكل مخيف حيث وصل في بعض الإصدارات إلى 16%، وهو ما كبد الموازنة العامة للدولة أعباء كثيرة، وهو الأمر الذي يمكن قراءته في ضوء تعطيل أية إصلاحات اقتصادية بعد الثورة، على صعيد الإنفاق العام، بحيث يُكبل صانع السياسة الاقتصادية بأعباء الدين.

 وما يفسر الأمر على أن به شبهة أداء سياسي، تراجع سعر الفائدة على الأذون والسندات بعد الانقلاب العسكري لمتوسط سعر 11.5% و12%، في فترة قصيرة جدًا، لم تتحسن فيها المؤشرات الاقتصادية الكلية بما يسمح بوجود حالة من التراجع في سعر الفائدة.

ومن حق الحكومات أن تقترض من السوق المحلي، ومن حق المصارف أيضًا أن تستفيد من هذه الميزة، إذ تُعد أدوات الدين الحكومي من أفضل أنواع الائتمان بالنسبة للبنوك، لأن معدلات المخاطرة فيها تكاد تكون منعدمة، ومن ناحية أخرى فإنها ذات عائد أعلى عن سوق الإقراض، مما يضمن للبنوك فرصة لا تعوض.

سعر الفائدة ومعدل التضخم
ولكن الأمر له أبعاد أخرى. فثمة علاقة بين سعر الفائدة ومعدلات التضخم. ففي الوقت الذي أدى فيه قرار البنوك المصرية خفض أسعار الفائدة على الودائع بنحو 1%، ليصبح العائد على الودائع قصيرة الأجل بحدود 10%، والودائع طويلة الأجل بحدود 11 %، فإن معدلات التضخم وفق البيانات الرسمية للبنك المركزي بلغت  10.15% في سبتمبر/أيلول 2013، أي أن معدل التضخم الرسمي أكبر من العوائد على الودائع قصيرة الأجل، ويقترب من معدل العائد على الودائع طويلة الأجل.

وهو الأمر الذي يجعل المردود على الودائع سلبيا. ويظهر الأمر بشكل جلي إذا اعتبرنا معدلات التضخم الواقعية والتي تذهب التقديرات إلى أنها بحدود 20% على الأقل. ولذلك نجد أن أعمال المضاربة نشطت في مصر بشكل كبير خلال الفترة الماضية، سواء في أعمال البورصة أو السوق السوداء للعملات الأجنبية، أو التوجه لأنشطة الاقتصاد غير الرسمي، وبخاصة ما يعرف بنشاط توظيف الأموال.

وعادة ما تُصدر وزارة المالية ووسائل الإعلام أنباء تغطية اكتتابات أذون وسندات الخزانة على أنها نوع من النجاح الباهر، بينما إحصاءات البنك المركزي -بالنشرة الاقتصادية الشهرية في أغسطس/آب 2013- تشير إلى أن البنوك قد استثمرت نحو نصف تريليون جنيه في أذون وسندات الخزانة، من إجمالي الودائع السنوية المقدرة بـ1.2 تريليون جنيه، وهو ما يعني مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص في الاقتراض من البنوك، مما أثر على معالجة مشاكل اقتصادية سلبًا، إذ بقي معدل نمو الناتج المحلي في مستوى متدن بحدود 2.2%، كما لم يحدث تطور ملحوظ في تحسين معدلات الفقر أو البطالة.

إن النجاح الحقيقي للجهاز المصرفي يُقاس بمدى قدرته على تمويل التنمية، وليس بمدى قدرته على تمويل الدين الحكومي، فالمهمة الأولى وهي تمويل التنمية تعد التحدي الحقيقي، حيث تزيد المخاطرة، وهو الأمر الذي يتطلب وجود مصرفيين أكفاء، يعملون على تقليل هذه المخاطر.

 بينما إقراض الحكومة عمل سهل، لا يحتاج أكثر من قرار إداري. ولا يترتب عليه في الواقع المصري أكثر من تمويل موازنة قوامها الإنفاق الجاري، الذي تجني منه مصر قيمة مضافة متدنية، بسبب تدني الاستثمارات الحكومية والعامة.

إن سعر الفائدة ليس المحدد الوحيد لزيادة الاستثمار، ولكن المهم هو العائد على الاستثمار، فقد يكون معدل الفائدة مرتفعا ويقبل المستثمرون على الاقتراض لأن معدل العائد على الاستثمار أعلى من سعر الفائدة

بقي أن نشير إلى أن بعض الاقتصاديين والمصرفيين المصريين ينظرون لخفض سعر الفائدة على أنه سوف يؤدي حتمًا إلى زيادة معدلات الاستثمار، والحقيقية الاقتصادية التي أثبتها الاقتصادي الإنجليزي كينز -منذ ما يزيد على ثمانية عقود- هي أن سعر الفائدة ليس المحدد الوحيد لزيادة الاستثمار، ولكن المهم هو العائد على الاستثمار، فقد يكون معدل الفائدة مرتفعا ويقبل المستثمرون على الاقتراض لأن معدل العائد على الاستثمار أعلى من سعر الفائدة. والعكس صحيح, فقد يكون سعر الفائدة منخفضا ولا يقبل المستثمرون على الاقتراض لأن معدل العائد على الاستثمار أقل من سعر الفائدة المنخفض.

إن مناخ الاستثمار في مصر يعاني العديد من المشكلات المزمنة، ولا أدل على ذلك من ترتيب مصر على مؤشر التنافسية العالمي، الذي تراجعت فيه إلى المرتبة الـ118 من بين 147 دولة على مستوى العالم، مقارنة بالمرتبة 107 من بين 144 دولة العام الماضي.

وبالتالي سيكون النجاح الحقيقي لأية حكومة لتحسين مناخ الاستثمار، أن تقضي على الرشوة، أو ترتقي بمستوى مهارة العمالة المصرية، أو أن تستحوذ البلاد على مراكز للأبحاث والابتكار في مجالات الصناعة، أو تقنية المعلومات والاتصالات.. إلى غير ذلك. وليس مجرد خفض سعر الفائدة على الاقتراض الحكومي الذي أصبح في حد ذاته معضلة تواجه أية حكومة.
ـــــــــــــــــــ
*كاتب مصري

المصدر : الجزيرة