عام على شفا الهاوية
آخر تحديث: 2013/1/2 الساعة 22:16 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/20 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2013/1/2 الساعة 22:16 (مكة المكرمة) الموافق 1434/2/20 هـ

عام على شفا الهاوية

أكبر المخاطر الاقتصادية التي تتهدد العالم في العام الجديد تأتي من أوروبا وأميركا (الجزيرة)

جوزيف ستيغليتز


استمرار التعثر

الخطر الحقيقي
عواقب سياسية
العام 2013


لقد كان العام 2012 على نفس القدر من السوء الذي تصورته، فكان الركود في أوروبا بمنزلة العاقبة المتوقعة لسياسات التقشف وبنية اليورو التي كان مصيرها الفشل. وكان التعافي الهزيل في أميركا -حيث كان النمو كافيا بالكاد لخلق الوظائف للداخلين الجدد إلى سوق العمل- بمثابة المآل المنتظر لحالة الجمود السياسي، الذي حال دون سن قانون الوظائف الذي اقترحه الرئيس الأميركي باراك أوباما، وتسبب في تعرض الاقتصاد لخطر السقوط في الهاوية المالية.

وكان من بين المفاجآت ذلك التباطؤ في الأسواق الناشئة، الذي كان أكثر حِدة وأوسع انتشارا من المتوقع، فضلا عن تبني أوروبا لبعض الإصلاحات الرائعة حقا، ولو أنها لا تزال أقل كثيرا من المطلوب.

وبالنظر إلى العام 2013 فإن أكبر المخاطر تتركز في الولايات المتحدة وأوروبا، وعلى النقيض من هذا تمتلك الصين من الأدوات والموارد والحوافز والمعرفة ما يمكنها من تجنب الهبوط الاقتصادي الحاد، فهي خلافا للدول الغربية تفتقر إلى جمهور انتخابي كبير متشبث بأفكار قاتلة مثل "التقشف التوسعي".

ويفهم الصينيون بحق أنهم لا بد أن يركزوا بقدر أكبر على "نوعية" النمو الاقتصادي من خلال إعادة توازن اقتصاد بلادهم بعيدا عن الصادرات والتركيز على الاستهلاك المحلي، ولكن حتى مع تغير التركيز في الصين، ورغم الظروف الاقتصادية العالمية المعاكسة فإن النمو بنسبة تقرب من 7% كفيل بدعم أسعار السلع الأساسية، وهو ما يفيد بالتالي الصادرات الموجهة نحو أفريقيا وأميركا اللاتينية.

وقد تساعد جولة ثالثة من التيسير الكمي التي ينفذها بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي في دعم مصدري السلع الأساسية أيضا، حتى ولو لم تفعل هذه الجولة سوى القليل لتشجيع النمو المحلي في الولايات المتحدة.

من المرجح بعد إعادة انتخاب أوباما أن تتقدم الولايات المتحدة بشكل متعثر وغير منظم، كما كان حالها على مدى السنوات الأربع الماضية. وسوف تكون إشارات التعافي الخافتة في السوق العقارية كافيا لتثبيط الرغبة في اتخاذ أي تدابير سياسية كبيرة

استمرار التعثر
ومن المرجح بعد إعادة انتخاب باراك أوباما أن تتقدم الولايات المتحدة بشكل متعثر وغير منظم، كما كان حالها على مدى السنوات الأربع الماضية. وسوف تكون إشارات التعافي الخافتة في السوق العقارية كافية لتثبيط الرغبة في اتخاذ أي تدابير سياسية كبيرة مثل شطب أصول ديون الرهن العقاري المستحقة على المساكن التي أصبحت قيمتها في السوق أقل من باقي المستحق من الدين.

ولكن مع بقاء أسعار المساكن الحقيقية (بعد التعديل وفقا للتضخم) عند مستوى أدنى من 40% من الذروة السابقة، فإن التعافي القوي لسوق العقارات (وقطاع البناء التي ترتبط بها ارتباطا قويا) يبدو من غير المرجح.

من ناحية أخرى، فحتى إذا لم يدفع معارضو أوباما من الجمهوريين البلاد إلى السقوط في الهاوية المالية من خلال الزيادة التلقائية في الضرائب وخفض الإنفاق في الأول من يناير/كانون الثاني 2013، فإنهم سوف يضمنون استمرار النسخة الأميركية من التقشف الخفيف. الآن أصبح التوظيف في القطاع العام أدنى بنحو 600 ألف وظيفة من مستواه قبل الأزمة المالية، في حين كان التوسع الطبيعي يعني توفير 1.2 مليون فرصة عمل إضافية، وهذا يعني عجزا في الوظائف بالقطاع العام يبلغ نحو مليوني وظيفة.

الخطر الحقيقي
ولكن الخطر الحقيقي للاقتصاد العالمي يكمن في أوروبا، فقد تمكن الكساد من إسبانيا واليونان، مع غياب الأمل في التعافي في المستقبل المنظور، ولا تشكل المعاهدة المالية لمنطقة اليورو حلا للمعضلة، كما أن شراء البنك المركزي الأوروبي للديون السيادية تعد في أغلبها مجرد مسكنات مؤقتة، وإذا فرض البنك المزيد من شروط التقشف (ويبدو أن هذا هو ما يطالب به اليونان وإسبانيا) في مقابل هذا الدعم فإن العلاج لن يؤدي إلا إلى تفاقم المرض.

وعلى نحو مماثل لن تكون الرقابة المصرفية الأوروبية المشتركة كافية لمنع النزوح الجماعي المستمر للأموال من الدول المنكوبة، وهذا يتطلب خطة مشتركة كافية للتأمين على الودائع، التي قالت الدول الواقعة في شمال أوروبا إنها أمر غير وارد في المدى القريب.

وفي حين فعل زعماء أوروبا مرارا وتكرارا ما كان يبدو غير متصور من قبل، فإن استجابتهم لم تكن متناغمة مع انتظارات الأسواق، ويبدو أنهم استخفوا بالتأثيرات السلبية المترتبة عن برامج التقشف وبالغوا في تقدير حجم الفوائد المترتبة عن الإصلاحات المؤسسية.

والواقع أن تأثير عملية إعادة التمويل على المدى الطويل التي أقرها البنك المركزي الأوروبي بقيمة تريليون يورو (1.3 تريليون دولار)، التي أقرضت بموجبها البنوك التجارية لشراء السندات السيادية، كان قصير الأمد بشكل لافت للنظر. ولقد أدرك زعماء أوروبا أن أزمة الديون في الدول الواقعة في أطراف القارة سوف تتفاقم بفعل غياب النمو، بل اعترفوا (أحيانا) بأن التقشف لن يكون مفيدا على هذا الصعيد، كما أنه فشلوا في تقديم حزمة فعالة لحفز النمو.

لا يخلو الركود الذي فرضته السلطات الأوروبية على إسبانيا واليونان من عواقب سياسية، ففي الأول عادت حركات الاستقلال إلى الحياة من جديد خاصة في إقليم كتالونيا، في حين بدأت النازية الجديدة تتحرك في اليونان

عواقب سياسية
ولا يخلو الركود الذي فرضته السلطات الأوروبية على إسبانيا واليونان من عواقب سياسية، ففي الأول عادت حركات الاستقلال إلى الحياة من جديد خاصة في إقليم كتالونيا، في حين بدأت النازية الجديدة تتحرك في اليونان، ويبدو أن اليورو -الذي أنشأ أساسا لتعزيز التكامل في أوروبا الديمقراطية- يخلف الآن تأثيرا معاكسا تماما.

والدرس المستفاد هنا هو أن السياسة والاقتصاد عنصران لا ينفصلان، فالأسواق في حد ذاتها قد لا تكون فعالة وغير مستقرة، ولكن سياسة إلغاء القيود التنظيمية أعطت مجالا لتجاوزات غير مسبوقة أدت إلى نشوء فقاعات الأصول والأزمة الطاحنة التي أعقبت انهيار تلك الفقاعات.

كما أفرزت سياسات الأزمة استجابات بعيدة كل البعد عن القدر الكافي، فقد أنقذ البنوك ولكن المشاكل الأساسية تركت لتتفاقم وهذا ليس بالأمر المستغرب، فقد أوكلت مهمة علاج هذه المشاكل في كل من أوروبا وأميركا لنفس صناع القرار السياسي الذين تسببوا فيها. وفي أوروبا كانت السياسة -وليس الاقتصاد- هي التي دعت إلى إنشاء اليورو، وكانت السياسة هي التي أدت إلى البنية المعيبة جوهريا التي خلقت المجال الكافي لنشوء الفقاعات، ولكنها لم تتح سوى مجال ضيق للتعامل مع التداعيات المترتبة عليها.

العام 2013
إن التنبؤ بأحداث العام 2013 يستند إلى التكهن بالكيفية التي قد تستجيب بها الحكومة المقسمة في الولايات المتحدة وأوروبا المنقسمة مع الأزمات الحالية. والواقع أن الكرات السحرية التي قد تنبئنا بأحوال الاقتصاد في المستقبل غائمة دوما، ولكن كرات علماء السياسة أشد ضبابية.

ومن المرجح أن تستمر الولايات المتحدة في تخبطها لعام آخر، فهي لن تنزلق إلى الهاوية ولن تضع قدميها على مسار التعافي القوي، بيد أن سياسات الاستقطاب على ضفتي الأطلسي، التي تقوم على ادعاء الشجاعة واتباع أساليب حافة الهاوية، سوف تكون أشد وضوحا، والمشكلة في هذه السياسات هي أنها في بعض الأحيان قد تفضي بنا إلى السقوط في الهاوية بالفعل.

ـــــــــــ
حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، وأستاذ بجامعة كولومبيا. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "ثمن التفاوت بين الناس: كيف يهدد المجتمع المنقسم اليوم سلامة مستقبلنا".

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات