الجنيه المصري انخفض في الفترة الماضية إلى مستويات قياسية مقابل الدولار (رويترز)

عبد الحافظ الصاوي-القاهرة

لم يكن في حسبان المصريين أن ينخفض سعر الجنيه بهذه المعدلات الكبيرة مرة واحدة، حيث كانوا ينتظرون وتيرة أبطأ مما حدث يوم الأحد 30 ديسمبر/كانون الأول، حيث انخفضت قيمته بنحو 10 قروش (سنت واحد) دفعة واحدة، وفي اليوم الموالي انخفض الجنيه بنحو ستة قروش (أقل من سنت واحد).

وقد كانت معدلات الانخفاض على مدار النصف الثاني من الشهر الماضي تتراوح بين قرش وثلاثة قروش على الأكثر، وحسب الأسعار المعلن عنها في موقع البنك المركزي المصري بلغ سعر شراء الدولار الواحد 6.30 جنيهات وسعر البيع 6.39 جنيهات.

وقد جاءت هذه الزيادة بعد أن طبق البنك المركزي المصري آلية جديدة تقضي بإجراء مزاد على سعر الدولار بيعاً وشراء، مع استمرار ما تعرف بآلية الإنتربنك (السوق الرئيسي للعملات) المعمول بها منذ العام 2004، ووفق آلية المزاد على سعر الدولار فقد عرض المركزي المصري 150 مليون دولار على مدار يومي 30 و31 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

بعض الاقتصاديين اعتبروا أن إقرار المركزي المصري لهذه الآلية جاء متأخرا بنحو عامين كاملين، وكان يجب استخدامها بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 مباشرة من أجل الحفاظ على الاحتياطي من النقد الأجنبي، في حين يرى آخرون أن البنك لم يراع التدرج في تطبيق هذه الآلية، وبخاصة أن مصر في طريقها للتوقيع على قرض صندوق النقد الدولي والحصول على حزمة قروض أخرى بنحو عشرة مليارات دولار.

توقيت خاطئ
ويقول رئيس الشعبة العامة لشركات الصرافة باتحاد الغرف التجارية محمد الأبيض للجزيرة نت إن الدولار مثله مثل أي سلعة يجب أن يخضع للعرض والطلب، ولكن التوقيت الذي تم فيه استخدام آلية المزاد على سعر الدولار غير مناسب، ويبين الأبيض أن مصر ليس لديها موارد دولارية منذ قيام الثورة.

ويلاحظ الأبيض أن هناك توجها لدى الأفراد نحو ما يسمى بالدولرة (تحويل أرصدتهم من الجنيه إلى الدولار) نتيجة التخوف من انخفاض قيمة ثرواتهم بالعملة المحلية، ومن وجهة نظر المتحدث نفسه فإن الخروج من مشكلة انخفاض قيمة الجنيه يكمن في تحقيق الاستقرار السياسي واتجاه الاقتصاد المحلي نحو العمل والإنتاج، وأن تعلن الحكومة المصرية عن رؤية واضحة تطمئن الشارع المصري.
بسنت فهمي: السياسة النقدية بمصر أديرت بشكل خاطئ منذ ثورة 25 يناير (الجزيرة نت)

أما الأستاذة بالأكاديمية العربية للعلوم المالية بسنت فهمي فترى أن السياسة النقدية في مصر أديرت بصورة خاطئة منذ ثورة 25 يناير، فتخفيض قيمة الجنيه قرار كان يجب اتخاذه بعد عودة الجهاز المصرفي للعمل عقب الثورة من أجل حماية العملة، حتى يتوقف خروج الأموال من البلاد، ولكن للأسف ظل البنك المركزي يحمي سعر صرف الجنيه على حساب استنزاف الاحتياطي، على حد قولها.

حماية الاحتياطي
وترفض فهمي قول البنك المركزي إنه اتخذ خطوة المزاد على سعر الدولار من أجل حماية الاحتياطي من النقد الأجنبي، وقالت "لو كان الهدف حماية الاحتياطي فلماذا لم تتخذ هذه الخطوة في بداية الأزمة؟ والجميع كان يعلم أنه بعد أي ثورة ستكون الخطوة الأولى لرؤوس الأموال الأجنبية هي الخروج من السوق، أو حتى أبناء البلد سيكون تصرفهم تحويل أموالهم للعملات الأجنبية والهروب للخارج".

وتطالب فهمي بإنهاء الخلاف السياسي وتوجه الجميع نحو العمل والإنتاج وأن تحمي الحكومة الفقراء من خلال توفير السلع والخدمات المدعومة بشكل حقيقي, وأن يذهب الدعم لمستحقيه، وفي الوقت نفسه لا تتيح البنوك الدولار إلا لمن يستخدمه في أغراض مشروعة مثل مستلزمات الإنتاج والآلات، وأما السلع التفاخرية أو السيارات أو السلع الاستهلاكية فعلى مستورديها تدبير تمويلها بطرقهم الخاصة.

وتعتبر المتحدثة -التي راكمت خبرة مصرفية طويلة- أن من شأن اتباع السياسة المذكورة سابقا أن تعيد الصناعات المحلية للعمل والإنتاج، وبالتالي تقل معدلات البطالة وتستخدم المواد الخام المصرية في عملية الإنتاج، مما يساعد على تعظيم القيمة المضافة ويدفع نحو التصدير.

إجراءات أخرى
ويستغرب المدير السابق لقطاع البحوث في البنك الوطني للتنمية أحمد آدم التوقيت الذي اختاره البنك المركزي لاعتماد هذه الآلية، ففي الوقت الذي تتوفر لديه ودائع عربية بنحو أربعة مليارات دولار وقرض تركي بنحو مليار دولار، يتوجه البنك لاستخدام آلية المزاد على سعر الدولار التي أدت لتخفيض قيمة الجنيه.

أحمد آدم: كان الأولى تأجيل مزاد الدولار إلى أن تنال مصر قروضا خارجية (الجزيرة نت)

ويضيف آدم أن بيانات ميزان المدفوعات (يعبر عن تعاملات مصر مع العالم الخارجي وليس فقط الاستيراد والتصدير) عن الربع الأول من العام المالي 2012-2013 أظهرت وجود عجز في هذا الميزان بنحو نصف مليار دولار، مقارنة بعجز قدره 2.3 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يعني أن الأمور في تحسن.

ويستغرب آدم أيضا الإقدام على آلية المزاد في ظل إصرار الحكومة على توقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي لنيل قرض بقيمة 4.8 مليارات دولار وحزمة تمويلية أخرى من خلال القروض بنحو 10 مليارات دولار، في حين أن المناسب من وجهة نظر آدم أن ينتظر البنك المركزي شهرين أو ثلاثة للحصول على هذه الإيرادات الدولارية، ثم يعلن عن آلية المزاد وبالتالي تكون السوق بعيدة عن حالة زيادة الطلب على الدولار، وتكون قيمة الانخفاض في سعر الجنيه محدودة ويمكن التحكم فيها بصور أفضل مما تم على مدار اليومين الماضين.

المصدر : الجزيرة