العرض والمرض في الاقتصاد الفلسطيني
آخر تحديث: 2012/9/27 الساعة 12:55 (مكة المكرمة) الموافق 1433/11/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/9/27 الساعة 12:55 (مكة المكرمة) الموافق 1433/11/11 هـ

العرض والمرض في الاقتصاد الفلسطيني

تأخر صرف الرواتب أحد مظاهر الأزمة الاقتصادية الفلسطينية (الأوروبية - أرشيف)  
 
شهدت الضفة الغربية احتجاجات شعبية واسعة بسبب الأزمة الاقتصادية، التي كان من مظاهرها تأخر حكومة سلام فياض في صرف الرواتب، وارتفاع أسعار المحروقات، وقد حاول البعض تحميل بروتوكول باريس الذي عقدته السلطة الفلسطينية مع الاحتلال سنة 1994 مسؤولية الأزمة، مما يعني أن الاحتلال هو منبع أزمات كان ارتفاع الأسعار أبسطها.
 
والأزمة كانت موضوع تقدير موقف أعده مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات بعنوان "أزمة المالية العامة الفلسطينية.. مداراة العَرَض وإبقاء المَرَض"، جاء فيه أن معالجات الأزمة كانت إجراءات تكتيكية تهدف إلى الحيلولة دون انفجارها، وانهيار السلطة، لتداوي بعض أعراض الأزمة، مع إبقاء جوهرها المتمثل في الاحتلال وسياساته، وهو ما يعني أن الأزمة ستعود للانفجار إن عاجلاً أو آجلاً.
 
ونبه إلى أن ما حدث خلال شهري أغسطس/آب الماضي، وسبتمبر/أيلول الحالي، تكرار لما وقع في نفس الشهرين العام الماضي (2011 ) من حصار مالي قبل الذهاب إلى الأمم المتحدة وبعده، مما أوجد حصارا فعجزا في الميزانية. وقد حاول فياض تعويض ذلك جزئيا من خلال سياسة ضريبية وتقشفية، قُرِعت لها "الطناجر" احتجاجا وتوحد الجميع ضدها فسقطت.
 
أما الفرق بينهما يقول التقرير، "فهو أن احتجاج 2011 كان موجها ضد السلطة، التي تراجعت فهدأت الطناجر والحناجر، بينما كانت أزمة 2012 مستوردة من إسرائيل، التي لو نوت التراجع لفعلته أمام احتجاج مواطنيها على ارتفاع الأسعار".
السلطة الفلسطينية مارست سياسة "لحس المبرد"، خلال السنوات القليلة الماضية، لأن توازن ماليتها كان يقوم على وعود المانحين، وحين يقصّر هؤلاء كانت تلجأ إلى الاستدانة مؤقتا من البنوك بغطاء الأموال المنتظرة

لحس المبرد
وأشار تقدير الأزمة إلى أن السلطة الفلسطينية مارست سياسة "لحس المبرد"، خلال السنوات القليلة الماضية، لأن توازن ماليتها كان يقوم على وعود المانحين، وحين يقصّر هؤلاء كانت تلجأ إلى الاستدانة مؤقتا من البنوك بغطاء الأموال المنتظرة من المانحين، التي تصبح ديون السلطة دائمة إذا لم تصل، وهو ما يعني كلفة إضافية تتمثل بالفوائد المركبة عليها.

كما أشار إلى تدني صدقية الدول المانحة تجاه السلطة، معتبرا ذلك تدنيا موازيا في صدقية السلطة وتآكل قدرتها على الاستدانة بضمانة أموال المانحين. من جانب آخر، حتى ولو أبدت البنوك تفهما لظروف السلطة، فثمة معايير فنية لا مجال لتجاهلها، ناهيك عن أن قدرات البنوك المحلية لا تسمح لها بتلبية كل طلبات السلطة.

وتناول تقدير الأزمة التعليقات المتداولة بشأنها قائلا إنها تطرقت عادة إلى أمور ثانوية، من نوع سوء تطبيق الاتفاقات الاقتصادية مع الاحتلال، دون التطرق لأثر الاحتلال نفسه، أو سبب حاجة السلطة للمساعدة، ربطًا بأن ضآلة حجم الناتج الفلسطيني لا تسمح باقتطاع ضريبي يتناسب ونفقات السلطة. نشير هنا إلى إلصاق البعض صفة "الشِحدة" بالفلسطينيين، ناسيا أنه ما كانت لتكون شِحدة فلسطينية لولا سرقة إسرائيلية للموارد الفلسطينية.

وذكر أن هناك رقما متداولا يفيد بأن خسارة الاقتصاد الفلسطيني سنويا بسبب الاحتلال تبلغ 6.8 مليارات دولار، أي أكبر من الناتج المحلي سنة 2012، المقدَّر بحوالي 6 مليارات، أي أنه مقابل كل قرش ينتجه الفلسطيني يخسر ما يساويه جراء الاحتلال، فتوفير الناتج المحلي المهدور، يعني توفير دخل وطني مساوٍ تقريبا، مما يعني أيضا توفير ضريبة دخل للسلطة تبلغ حوالي مليار دولار سنويا، تعادل المساعدات الخارجية الموعودة.

أزمة السلطة الفلسطينية المالية تظهر في خمسة مستويات هي: خسارة سنوية في الناتج المحلي. ومديونية متراكمة مع فوائدها. وعجز في موازنة السلطة. و"الأزمة بالعدوى" فما يصيب الاقتصاد الإسرائيلي، ينسحب على الاقتصاد الفلسطيني. و"الأزمة الاحتياط"، المترتبة على تحكَّم إسرائيل في الاقتصاد الفلسطيني

عمق الأزمة
ورغم ذلك ينبه تقدير الموقف إلى أن أزمة السلطة الفلسطينية المالية أعمق من ذلك وأخطر بكثير، وتظهر في خمسة مستويات، هي: أزمة بنيوية تترتب عليها خسارة سنوية في الناتج المحلي. وأزمة مديونية متراكمة مع فوائدها. وأزمة العجز الجاري في موازنة السلطة. و"الأزمة بالعدوى" أي أن كل تغير سلبي يصيب الاقتصاد الإسرائيلي ينعكس على الفلسطيني. و"الأزمة الاحتياط"، المترتبة على تحكَّم إسرائيل في صنابير الاقتصاد الفلسطيني ليخدم سياستها العليا.

ويقع ما جرى أخيرا في نطاق أزمتين من أخف تلك الأزمات، هما العجز الجاري والأزمة بالعدوى، أي ارتفاع الأسعار، مما طمس الكارثتين البنيويتين الأهم، وهما تدني الإنتاجية وضآلة حجم الناتج المحلي، وضخامة المديونية العامة.

وتركزت الأنظار حول أزمة ارتفاع الأسعار، وبشكل أدق أسعار الوقود، فضلاً عن السلع الكمالية التي رفعت "إسرائيل" أسعارها لتمويل بعض نفقاتها المستجدة، دون أن تمد يدها أبدا لمصروفات الأمن والاستيطان، أو تمس لقمة الفئات الأقل حظا، لأنها غير معنية بأسعار البنزين والسيارات والسلع الكمالية.

وفي محاولة لاستشراف وتوقع السيناريوهات المحتملة، يشير تقدير الموقف إلى أن الرد الطبيعي للسلطة الفلسطينية وأطراف الرباعية، عجمًا وعربًا، هو محاولة الحؤول دون انفجار الأزمة من خلال إجراءات تكتيكية تسكينية، تعالج العرَض دون مداواة المرَض، والمتمثل في شبه إفلاس المالية العامة، وتدني إنتاجية المجتمع على نحو باهظ جدا. 
 
ويضيف أنه على خلاف المرات السابقة، بدأ يتشكل إجماع فلسطيني على أن سبب الأزمة سياسي، مع ما يقوده ذلك من إحالات على بروتوكول باريس، فاتفاق أوسلو، فالاحتلال. وكانت مترتبات ذلك بدء الحديث عن إلغاء بروتوكول باريس أو تعديله، وصولاً إلى اتفاق أوسلو، وما راج أخيرا عن تفكير السلطة في إلغائه.
 
ويؤكد أن ذلك يقتضي توفير الاشتراطات الواجبة من خلال بلورة "رؤية  سياسة إلغاء أوسلو"، وما تحتاج إليه هذه الخطوة البالغة الأهمية، التي ترتقي إلى حدِّ إعادة تصحيح التاريخ، من توليد إجماع وطني حولها، بوصفها قضية وطنية.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية:

التعليقات