جانب من اعتصام المعلمين أمام مجلس الوزراء في القاهرة قبل نحو أسبوعين (الجزيرة نت)

عبد الحافظ الصاوي-القاهرة

لم تعد الإضرابات في مصر مقتصرة على فئة بعينها، بل شملت أغلب القطاعات الإنتاجية والخدمية، في القطاع الحكومي والقطاع الخاص. فمارس الإضراب عمال المصانع، وموظفو الحكومة، والمدرسون، والأطباء، والأطباء البيطريون، وموظفو الضيافة بمطار القاهرة، وغيرهم، تتركز مطالبهم برفع الرواتب وتحسين ظروف المعيشة.

ولا يمضي يوم إلا وتعلن فئة من مواطني مصر عن تنظيم إضراب عن ممارسة العمل، أو تنظيم وقفة أو مظاهرة أمام أحد القصور الرئاسية، أو مقر رئاسة الوزراء.

وتتعدد مطالب المضربين بين الحصول على حقوق مادية ووظيفية، والمطالبة بإقالة فاسدين -من وجهة نظر المضربين- لا يزالون يديرون المؤسسات الحكومية. إلا أن هذه المطالب في النهاية لها تكلفة اقتصادية، سواء تلك المتمثلة في تعطيل العمل الإنتاجي أو الخدمي، أو شل حركة المرور، أو تكبيد الموازنة العامة بمطالب إضافية، كما حدث في كادر المدرسين والأطباء.

د. منال متولي (الجزيرة)

عبء على المواطن
التكلفة الاقتصادية للإضرابات في النهاية سوف يدفعها المواطن، لأن كثرة الإضرابات تعني تراجع الإنتاج وانخفاض التنافسية، وبالتالي فالمستثمر لن يتحمل هذه التكلفة وسيذهب لمكان آخر، أو قد يلجأ إلى العمالة الأجنبية.

ومن هنا ستفقد العمالة الوطنية وظائفها، وستعم البطالة، أوضحت هذا للجزيرة نت أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة د. منال متولي.

وحذرت من استمرار هذه الإضرابات على الأجل الطويل ما لم تضبط عدة أمور في مصر، منها السيطرة على الأسعار، حتى يستطيع العمال والموظفون الحفاظ على مستوى مقبول من المعيشة لهم ولأسرهم.

وأضافت أنه لا بد من ربط الأجر بالإنتاجية، فمن غير المقبول أن تقل إنتاجية العامل أو لا تحقق زيادة، ثم يطالب بزيادة في الأجر. وكذلك لا بد من توصيف مهارات العاملين. فالبعض يطالب بأجر متساو، وهذا غير مقبول في ظل تفاوت مهارات العمال.

وتؤكد متولي على أن استمرار الإضرابات بهذه الصورة، من شأنه أن يؤثر على العوائد الضريبية، لأمرين، الأول: أن الضرائب مرتبطة بزيادة النشاط، وفي ظل الإضرابات سوف تتراجع معدلات الإنتاج، وتقل العوائد الضريبية، ومن جهة أخرى: فإن دافع الضرائب سوف يحاول تأخير دفعها أو يتولد لديه أحساس بعدم الدفع لأنه لا يرى لها أثرا في الخدمات المقدمة في المرافق العامة والمؤسسات الحكومية.

فياض عبد المنعم: من شأن استمرار هذه الإضرابات أن تولد حالة من فقدان الثقة، بين الأفراد والمنشآت ومؤسسات الدولة، حيث سيجد المواطن نفسه في حالة من الارتباك
فقدان للثقة
من جانبه اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر د. فياض عبد المنعم أن الإضراب عن العمل لا بد أن يعتبر آلية للتفاوض وليس آلية لإيقاف العمل. 

وأضاف في حديث للجزيرة نت أنه من شأن استمرار هذه الإضرابات أن تولد حالة من فقدان الثقة، بين الأفراد والمنشآت ومؤسسات الدولة، حيث سيجد المواطن نفسه في حالة من الارتباك تجاه ما يحصل عليه من سلع وخدمات، بما لا يجعله قادرا على ممارسة حياة اقتصادية واجتماعية مستمرة.

وبين عبد المنعم أن الإضرابات بهذه الصورة سوف تؤدي إلى حالة من الحرمان الاجتماعي بين العاملين وموظفي الدولة، فهناك قطاعات أو عاملون لم يدخلوا في هذه الإضرابات، ويتساوون مع زملائهم المضربين في الأجر وباقي المزايا، وهو ما يشعرهم بوجود حالة من عدم المساواة.

ورأى أنه من الصعب على أية حكومة في مصر الآن الاستجابة لمطالب المضربين، حيث يعاني الاقتصاد المصري من مشكلات عديدة، وتعني الاستجابة لهذه المطالب الدخول في حلقة مفرغة من مشكلات الموازنة العامة، فزيادة الأجور والمزايا العينية والمادية للعاملين، تعني زيادة العجز، وزيادة العجز تعني زيادة الدين، وزيادة الدين تعني فقدان التمويل للاستثمار، وفقدان الاستثمار يعني انتشار البطالة، وزيادة الفقر، وهكذا.

ويؤكد عبد المنعم على أن هذه المطالب بها شيء من المغالاة، وأن علاج ما هو منطقي منها يحتاج إلى برامج وحلول على المدى المتوسط والطويل، مثل حق العامل في الأجر العادل، والعلاج المناسب. ولن يتأتى هذا إلا بانتظام العمل والإنتاج.

المصدر : الجزيرة